‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة قصيرة. إظهار كافة الرسائل

السبت، 31 يناير 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( الوفاء من شيم الكرام )) بقلم الكاتب ماهر اللطيف/ تونس



الوفاء من شيم الكرام
بقلم:ماهر اللطيف/


كنت في منزلي ظهر أحد أيام الصيف، أتناول الغداء صحبة زوجتي صفاء ،ابني باهر،ابنتي امتنان وصغيرتنا جلنار،نتجاذب أطراف الحديث في شؤون شتى، حتى انتهينا إلى قرار جماعي : عشاء وسهرة في مدينة سياحية مجاورة،هربا من رتابة الحياة اليومية.

لكن ،بدون ميعاد،رن جرس هاتف صفاء،طلب منها مخاطبها الحضور فورا إلى منزله للكشف عن مريضتها "سكينة" التي تعكرت حالتها الصحية ولم تعد تتحمل ما ألم بها من ألم جعلها تصيح بأعلى صوتها،ترجو الموت للخلاص مما هي فيه الآن ،تتعرق،تمزق ملابسها وغير ذلك من الأمور الأخرى التي ذكرها تدمي قلب السامع.

تغير وجه زوجتي،اعتذرت عن هكذا موقف مفاجئ،لكنها أصرت على أداء هذه الزيارة تلبية إلى واجبها وحق مريضتها عليها،على أن لا تتأخر في العودة إلى المنزل وإتمام ما خططنا له دون تردد أو تأخير بإذن الله ،لذلك طلبت مني مرافقتها لكيلا تتعطل هناك.

رغم عدم اقتناعي بذلك،لبيت طلبها مكرها،ركبت سيارتي واتجهنا صوب المكان الذي دلتني عليه،وهو حي فخم وراقي،لا يسكنه إلا "سادة القوم" و "أثرياؤه العظماء"، جبنا الممرات والأزقة بين هذه القصور و السيارات باهظة الثمن التي لا يقبلها عقلي وفكري حتى في أحلامه وأمانيه، إلى أن توقفنا أمام "جنة من جنان الأرض".

فتح لنا الباب آليا بعد أن ركنت سيارتي العتيقة البالية بين فيلق من السيارات المميزة،ترجلنا على ممشى طويل تحيط به يمنة ويسرة الأزهار والورود،الياسمين،الأشجار المثمرة، تنبعث من اسفلته المزركش أضواء وأنوار خافتة من كل ناحية،فإذا بنا أمام مسبح كبير دائري الشكل ،كراسي وطاولات منتشرة هنا وهناك تحت واقيات شمس زرقاء اللون ،على يمينه مرأب سيارات مغطى تقبع فيه عدة عربات فخمة،على اليسار مشرب صغير وأدواش وغيرها من الأمور التي لم أتبينها جيدا بحكم استعدادنا إلى ولوج باب هذا القصر الذي أسال لعابي وجعلني أسبح وأحوقل باستمرار.

دخلنا مصحوبين بخادم القصر الذي رافقنا من الأول ،نزلنا درجتين لنجد أنفسنا في "حلبة كبيرة" مجهزة بعدة قاعات جلوس،زرابي، موائد وغيرها، ضوء خافت،موسيقى سمفونية تنبعث هادئة تجعلك تسبح في عالم آخر غير عالمي الذي ينشطه جيراني في حينا الشعبي.

جلسنا هناك بعد أن أهدونا كؤوسا من العصير،المياه المعدنية،القهوة،ما لذ وطاب من الفواكه والغلال في انتظار السماح لنا بالصعود إلى "جناح سكينة" (وهي في العشرين من عمرها، مصابة بسرطان خبيث في المخ منذ مدة، حاول والدها معالجتها في كل مكان وفي أية دولة،لكن الأمر فات وانتهى ،فهي في مراحلها الأخيرة حين وقع إكتشاف إصابتها بهذا الداء، تخضع حاليا إلى المسكنات والمهدئات وبعض الحقن لا غير).

صعدنا إلى الطابق الثالث،رحب بنا والدها "عبد الصمد عبد الغفار" الذي اعترضنا أمام المصعد الآلي ،رافقنا إلى مرقد سكينة ،فتح الباب وأذن لنا بالدخول، فرأينا حائطا زجاجيا على طول المبنى يحول بيننا وبين البحر الجميل الذي يترآى لنا، مناظر طبيعية خلابة من هنا وهناك،أشعة شمس تخترق سكون هذا المكان الوجوه الحزينة،أثاث لا أستطيع وصفه لبهائه وفخامته التي تتجاوز محدودية عقلي وتفكيري ورؤاي،فراش دائري فخم أبيض اللون ملقاة عليه "جثة آدمية" نحيلة الجسد،جامدة تكاد لا تتحرك،لا تسمع منها غير أنين متقطع وبعض الكلمات غير المفهومة أحيانا،دموع تنهمر من على خدودها تبل تصحر جسدها وتعطشه إلى الحياة...

تقدمنا خطوات نحوها والسيد عبد الصمد يتنهد ويدعو الله شفاء قرة عينه الوحيدة التي يعيش من أجلها بعد موت زوجته منذ مدة بنفس الطريقة ،تسمرت في مكاني فجأة لا أكاد أصدق من أرى،كذلك فعلت سكينة التي حاولت القيام مراراً وتكرارا،لكن المرض والاعياء حالا دون ذلك مما زاد في المها وتعكر حالتها،الشيء الذي جعل السيد عبد الصمد وصفاء يستغربان ويتساءلان في الحال عن تفسير لهذا المشهد.
فأعلمتهما أن سكينة تلميذتي،درست في فصل من فصولي منذ أكثر من سبع سنوات في مدرسة "المنهل" الإعدادية قبل أن ينتقل إلى المدرسة الإعدادية "الأمل"،كانت متميزة في مادة العربية،متواضعة،بشوشة،يحبها الجميع، ذات خلق وأخلاق عاليتين.

كما أعلمتهما -وسكينة تبتسم رغم الألم وتمد يدها نحوي لأمسكها،وقد انحنيت ،قبلتها بحرارة،جلست بجانبها وأنا أضمها إلى صدري والحزن ينهش جسدي - ، إنني سألتها مرة أمام أقرانها "هل أنت فرد من أفراد عائلة عبد الغفار الثرية المعروفة وطنيا بما تملكه من شركات ومصانع وغيرها ؟"،فابتسمت ونفت ذلك قائلة إنه "مجرد تشابه في الألقاب" لا غير حتى لا تشعر البقية بالفوارق الاجتماعية والإقتصادية وغيرها.

منها،تقوت سكينة على وضعها،ابتسمت في وجهي ،قبلتني ،قالت لوالدها "هذا هو سيدي"العربي" الذي ساعدني كثيرا وجعلني أحب العربية وتوابعها،أحفظ القرآن عن ظهر قلب،ساهم في بناء شخصيتي بناء قويمًا...، دائما ما أحدثك عنه أبتاه حتى قمت بزيارته في المدرسة (صُعقت وقتها من هذا الحديث،فلم أره قط قبل الآن) في تلك السنة.

ابتسم السيد عبد الصمد وصفاء تجهز الحقنة وتعقمها ومكان ولوج إبرتها في جسد سكينة ،ثم قال في هدوء بصوت رقيق واثق من نفسه:

- أرجو أن تكون هديتي قد أعجبتك حينها (تفاجأت زوجتي والتفتت نحوي بسرعة لتلحظ صدمتي أيضا) سيد العربي

- عفوا ! عن أي هدية تحكي؟ أنا لا أقبل الهدايا مهما كان نوعها وقيمتها

- (ضاحكا وسكينة تتابعنا) لا علينا، لا فائدة من الإحراج أيها الفذ

- (مقاطعا وقد احمر وجهي) لا، أرجوك، فسر لي هذه النقطة

- (مربتا على فخذي،بصوت مرتفع فيه نوع من الكبرياء والتعالي) زرتك في المدرسة في تلك السنة لأشكرك على ما قمت به تجاه ابنتي ،لم أجدك،فتركت لك ظرفا مغلقا عليه اسمك به مبلغ مالي قيم ورسالة شكر، مفاتيح سيارة جديدة تركتها لك أمام المدرسة،وقد قال لي السيد المدير أنه سيوصل هذه الهدية لك لاحقا.

شعرت بالاغماء وفقدان الوعي تحت صدمة ما سمعت،تلعثم لساني وصفاء ترتعش يدها وتعجز عن حقن مريضتها، اندهش عبد الصمد وتابع حالتي بكل انتباه،دمعت عيناي سكينة مجددا ،ساد الصمت المكان هنيهة وسمح للشيطان أن يعمل عمله في عقل ووجدان كل واحد منا، قبل أن أعلمه أني خالي الذهن من هذه الرواية وتفاصيلها،لم أعلم بها غير الآن من ناحية، وإني ما كنت لاقبلها جملة وتفصيلا من ناحية ثانية لأني قمت بواجبي الذي أُؤجر عليه شهريا،الشيء الذي أغضب مخاطبي،جعله يغتاظ،يزمجر،يَهذي،يسب ويشتم...

مسك هاتفه وشرع يجري مكالمات هاتفية عديدة وهو ينظر لي نظرات ثاقبة -أرجو أن لا تخفي وراءها غلا وتشفيا وإجراءات لا أقوى عليها- ، بصاقه يتطاير من كل جهة،صوته يعلو وينخفض ،يهدد،يلعن، يحفز،يخطط....

وما إن أنهى اتصالاته ،مع انتهاء صفاء من عملها وتمنياتنا إلى سكينة بالشفاء ،وكنا نستعد إلى مغادرة المكان حتى أقسم أن لا نغادر حتى نشاركه العشاء والسهر،ورغم إعلامه ببرنامجنا،فقد أصر على ذلك وأرسل سائقه لجلب أبنائي لمشاركتنا هذه المأدبة.

وفي الليل ،أعلمني السيد عبد الصمد أن تحرياته واتصالاته أفضت إلى أن السيد المدير استولى على الهدية وآثرها لنفسه مدعيا حصولي عليها،كما عمد إلى إنشاء مشروع تجاري باسم زوجته بالمبلغ المالي المذكور،مما جعله يرفع ضده قضية عدلية في الحال.

وما زال يخاطبني حتى حضرت مخيلتي مكالمة هاتفية وردت علي من المدير حينها استدعاني للحضور فورا إلى مكتبه لأن وليا أحضر لي هدية - ولم يعلمني بفحواها- ، فقلت له أني لا أقبل الهدايا كما يعلم الجميع، فقال لي حرفيا "أنت حر في قرارك" وأنهى المكالمة،ومن الغد حلت عطلة الصيف،قبل أن أنتقل إلى مدرسة إعدادية جديدة.

بعد السهرة ،أهدانا السيد عبد الصمد إقامة كاملة مدة أسبوع في نزل فخم من نزله وعدة هدايا أخرى قيمة من بينها سيارة لتعويض سيارتنا القديمة التي وصفها ب "قطعة تاريخية نادرة" ، لكنني رفضت ذلك قطعيا وكذلك زوجتي رغم إصرار وتوسل سكينة التي نجحت في اقناع صفاء بقبول الإقامة في النزل مدة ثلاثة أيام مع منحنا تخفيضا في الثمن بعد رفضنا للهدايا.

لكن للأسف ،فقد بلغنا خبر وفاة سكينة من الغد ونحن في النزل نتفقد غرفنا،فانقلب الفرح إلى حزن،والراحة والاسترخاء إلى ألم وعذاب الفراق...

الأحد، 20 أبريل 2025

مجلة وجدانيات الأدبية (( شيخ حكيم )) بقلم الكاتب / ماهر اللطيف


شيخ حكيم
بقلم :ماهر اللطيف
يحكى أن شيخا عجوزا من شيوخ شمال إفريقيا اشتهر بالحكمة والدهاء والفطنة والنباهة وغيرها من الصفات الحسنة، ذاع صيته وانتشر في كل الأمصار والبلدان العربية والإسلامية، وبات حديث القاصي والداني وشغلهم الشاغل، يرجون لقاءه وعرض مشاكلهم ومصاعبهم عليه عساه يساعدهم على فك طلاسمها وحل رموزها وتذليل ما يمكن تذليله قبل الوصول إلى الحل الجذري الذي يأملونه كلما مر بديارهم في طريقه إلى الحج سنويا عبر قافلته المألوفة التي تشق الصحاري والجبال الأودية والأنهار وغيرها في طريقها إلى بكة.
فقد كان يخشى ركوب الطائرة، السفينة، الحافلة،السيارة ،وكل وسائل النقل الحديثة، كخشيته من التعامل مع مجمل ما وصل إليه ابن آدم من اختراعات واكتشافات وعلوم على غرار منصات التواصل الاجتماعي مثلا وسنوها من الإنجازات العظمى، لذلك جند بعضا من أتباعه وتلاميذه - الذين تأثروا به وتكاثروا إلى أن باتوا لا يبتعدون عنه البتة طمعا في التعلم وإتقان ما يتقنه هذا المعلم لاحقا من ناحية، وليمهروا التعايش والتصرف مع الزمان وكل مكان تطؤه أقدامهم وكل بشر يتقاطعون معه مادامو على وجه البسيطة - وأقنعهم بضرورة تحاشي هذه الوسائل والعلوم - مع ذكر السلبيات دون الإيجابيات والتركيز على توخي الحيطة والحذر تماشيا والمقولة المعروفة "الوقاية خير من العلاج" - والعيش عيشة طبيعية، تقليدية،سالمة، قليلة الأخطار والرهانات التي لا توصل إلا إلى الخسارة والهلاك - حسبه-.
لذلك، كان يعيش عيشة بدائية - ومن معه-، يفكر في آخرته قبل دنياه، يسعى إلى إرضاء الله عبر إرضاء الناس، يصلي، يصوم، يتزكى،يتصدق، يذكر الله كثيرا في كل لحظة، يحج سنويا بما أنه يحزم حقائبه ويعزم على ذلك ما إن يحتفل بعيد الفطر المبارك ويجهز قافلته ويتوكل على اللَّـهِ في اتجاه بيت الله الحرام وهو يردد "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك"، يقتات من عود الناس له لفض مشاكلهم متى يمنون عليه بما تيسر من المال والعتاد وغيرها.
وشاءت الصدف أن مر يوما كعادته من هذه القرية وهو في طريقه إلى الحج، هذا المكان الذي يشعر فيه بالراحة والطمأنينة، الذي يقضي فيه عادة أياما معدودات قبل مواصلة الرحلة الطويلة.
من أجل هذا، كان الناس سنويا يترقبونه هنا ل"التبرك به" والاستئناس بكلامه وعبره وحكمه، وعرض ما صعب عليهم عليه، واستشارته في كل صغيرة وكبيرة، وما إليه...
ومن بين هؤلاء الزوار، كان شيخنا "يحي" الذي نالت منه الشوائب والمحن والمشاكل حتى كادت تقسم ظهره وتجبره على والخنوع والاستسلام، قدم مع هذه الجحافل من الناس في انتظار قدوم "الشيخ الحكيم" منذ أيام.
وما هي إلا ساعات أخر حتى ذاع خبر مقدم موكب "الضيف المنتظر"، فغصت ساحة القرية بالناس الذين قدموا من كل حدب وصوب - أين يوجد البيت الذي يقيم فيه سنويا ويستقبل فيه الناس -، وبدأت الزيارات تباعا من الفجر إلى ساعات متأخرة من الليل - مع نيل قسط من الراحة كلما دخل وقت الصلاة -، إلى أن حل دور الشيخ يحي.
فولج غرفة الاستقبال، وألقى التحية على الحضور، ثم جلس مقابلا للحكيم حين أذن له بذلك وشرع في العرض، حيث أعلم الجميع أنه أب للولدين وبنت، أرمل منذ مدة، يعيش في بيته المتواضع في القرية المجاورة المتواجد على أرض شاسعة هناك، كبر أبناؤه وشاخ هو وشرعت الأمراض والعيوب في استعمار جسده المنهك أصلا، إلى أن فقد السيطرة على ذويه الذين أمسوا يتمنون موته وهلاكه ليتمتعوا بهذا البيت وهذه الأرض التي يقتاتون من خيراتها وزراعاتها المتنوعة.
كما أخبرهم أن أبناءه أضحوا أعداء لا إخوة، يختصمون،يضرب بعضهم البعض، يتبادلون السب والشتائم ،يقطعون الوصال بينهم، يقومون بكل شيء من أجل الضفر بهذه الأملاك البسيطة، وكان بكره يعرض على البقية حفنة من المال مقابل التنازل له عن كل "الإرث" بعد ممات الأب، وكذلك كان يفعل كل أخ مع إخوانه مما زاد في إشعال نار الفتنة بينهم وهو لا يزال حيٌّ يُرزَق وقد عجز عن حل هذا المشكل ورد الأمور إلى حالتها الطبيعية وجبر ما تكسر بين الجميع....
وواصل عرضه قبل أن يقول له الحكيم بصوته الرصين، الواثق من نفسه:
- سأزور بيتك الليلة لأعاين المكان قبل البت في الموضوع، أرجو أن يكون الجميع هناك وقتها (ويحي يشير برأسه بالموافقة و بتواجد أبنائه بالمكان حينها)، أطلب من الجميع أن يجهز لي المال الذي ينوي إسناده إلى إخوته (يمنع يحي من مقاطعته)، على أن تدفع لي أنت ضعف هذا المبلغ برمته
- (مقاطعا ومتلعثما، ولم يفهم شيئاً) إن فعلت ذلك فلن يبق لي مورد رزق، لن أستطيع العيش سيدي، وأبنائي غير بارين بي
-(مقاطعا وهو يبتسم في وجهه) افعل ما تؤمر به ولا تخف، ستجد ما يسرك إن شاء الله....
وبعد أن أتم عمله، انتقل الحكيم إلى ضيعة يحي ومكث هناك قليلا، تحادث مع الجميع بعد أن عاين جيدا المكان، أخذ منهم المال وطلب منهم تجهيز أنفسهم للسفر معه إلى الحج هذه السنة، على أن يبحث لهم على حل عند إتمام المناسك والعودة إلى هنا، شرط ألّا يرفثوا ولا يهذوا ولا يتحدثوا في هذا الموضوع البتة حتى حط الرحال هنا مجددا - وقد تعهد بتكفل كل مصاريف هذه الرحلة -.
غير أن الحكيم شرع في تنفيذ الحل بعد أن تدبر الأمر وخطط له جيدا - بعد عرضه على تلاميذه - واتصل بمن سيتكفل بالتنفيذ وإتمام خطته طيلة هذه الأشهر حتى عودته من بيت الله الحرام إن شاء الله.
وبعد الحج وتكبد مشاق الطرق ومخاطرها، التعرض إلى التفتيش والإيقاف أحيانا للتحقق منهم ومن متاعهم، التنمر والاستهزاء وما إليه من بعض السلط والمسؤولين الذين عبروا ترابهم وأراضيهم، كان الوصول أخيرا إلى قرية يحي وضيعته - بعد أن نجح الحكيم في رأب الشق والصدع وجمع شتات الأخوة من جهة وإصلاح علاقة الأبناء بالأب من جهة ثانية -....
وما إن وصلوا الضيعة حتى دهشوا، صدموا،تسمروا في أماكنهم هُنيهة من الزمن قبل أن يركعوا أرضا حمدا وشكرا لله، تدمع أعينهم ويستقيموا ليشكروا الحكيم شكرا جزيلا ويصرون على استضافته عندهم أياما ويهدونه ما يستطيعون إهداءه له جراء ما قام به تجاههم.
فقد أنفق الحكيم المال الذي تحصل عليه منهم جميعا وضاعفه من ماله الخاص، كلف مقاولا مختصا في البناء لتشييد بيتين مماثلين للبيت الأصلي بجانبه، شيد سورا للضيعة وبيتا صغيرا ليحي ليقيم فيه بعيدا عنهم إن رغبوا في ذلك - وقد رفضوا الفكرة رفضوا قطعيا وتمسكوا بتواجد والدهم بينهم في البيت الأصلي الذي يقيمون فيه كالعادة وقد اعتبروه بيت أختهم مستقبلا-، حفر بئرا عميقا في الضيعة لتسهل عملية السقي والري وغيرها - وهو ما ساهم في تحسين الإنتاج والانتاجية ومزيد تنوع المزروعات والبذور وتحسن وضعية العائلة على جميع الأصعدة لاحقا -.

الخميس، 24 أكتوبر 2024

مجلة وجدانيات الادبية (( معجب بنفسه )) قصة قصيرة بقلم الأديب د. أحمد حافظ

 


قصة قصيرة


بقلم / د. أحمد حافظ

معجب بنفسه

عمارة شخصية من الشخصيات التي تعجب بنفسها كثيرا شكلا وموضوعا ولما كان قد نما إلى علمه أنه مرشحا لمنصب رئيس المصلحة التي يعمل بها فكان ينتظر هذا الخبرعلى طريقته الخاصة بالجلوس في حجرته منفردا ولا يتحدث مع أحد من أسرته وفى لحظة كاد قلبه أن يتوقف عن القيام بوظيفته كان التليفون يرن ليزف إليه خبرفوزه بالمنصب وفى التو واللحظة إتصل بأحد أصدقائه ليقوم بعمل نتيجة حائط تبدأ من يوم تعيينه ومن دواعى الصدف أنه نفس تاريخ ميلاده وتاريخ زواجه وفى الصباح حضرسائق المصلحة وبارك له على المنصب وفتح باب السيارة الخلفى إلا أن رئيس المصلحة تحدث معه بصوت منخفض لوجود البواب ولوحظ تغيير وجه السائق وضياع إبتسامته ووصلت السياره للعمل وإذ بالموظفين يقفون فى صفين للإحتفال به والتصفيق الحاد ولكنه أعاد المرور مرة أخرى لكى يزيد التصفيق ثم أمر بإجتماع عاجل بعد ساعة وفى بداية الإجتماع شكرهم على الترحيب به وبدأ أوامره والتى ظهرت بألوان الطيف علي وجوههم وإنفض الاجتماع وعاد إلى منزله وأول عمل قام به أنه وضع علامه صح على النتيجة التى أمر بعملها وهو أول يوم عمل كرئيس ونظر للمرآه التى فى حجرته وإبتسم وظل على هذا المنوال يعود من العمل ليسجل فى النتيجة علامة صح ويبتسم إلي أن جاء يوما عاد من العمل ودخل حجرته ليضع علامة صح كالعادة وإذا به يلمح بطرف عينه أن العلامات قد تبدلت بعلامة خطأ وإذ به يصرخ ويقوم بكسر المرآه.

الخميس، 17 أكتوبر 2024

مجلة وجدانيات الأدبية (( قصة قصيرة بعنوان '' حافة الطريق'')) بقلم الشاعر حمد سلامة عرنوس



حافة الطريق:
( قصة قصيرة بقلمي)
كانت سعاد تلتفت يمينا ويسارا وتدفع بكلتي يديها عربة صغيرة تنام فيها طفلتها والدمية جانبها ...
ازدحمت الأفكار والهواجس في رأسها فتذكرت تلك الليلة القارسة التي قضتها دون موقد والتي لم تستطع أن تنام طوال الليل بسبب البرد وصوت الرياح التي تزمجر فوق السطوح وجذوع الأشجار وأعمدة الهاتف والكهرباء. .
مرضت الطفلة ولا دواء.. تلك ليلة لن تنساها مدى عمرها..
انحرفت العربة عن مسارها وانشغلت الأم بهواجسها وأفكارها ولم تنتبه إلا لصوت سائق سيارة الأجرة وهو يقول لها بصوت غاضب:
كدت أن أعمل حادثا وأنت تسيرين بلا مبالاة لماذا لا تسيرين مثل البشر على حافة الطريق .
(بقلمي: حمد سلامة عرنوس ، 17/10/2024)

الأحد، 18 أغسطس 2024

مجلة وجدانيات الأذبية (( حكايات رضا ... كل يوم حكاية ( سَنِيَّة )) للكاتب رضا الحسيني


. .. { حكايات رضا }
.. كل يوم حكاية .. ( سَنيَّة ) / رضا الحسيني
أنا سُونا ، أه ده اسم دلع ، بحبه أكتر من اسمي الحقيقي ( سَنيَّة ) ، كان هذا الاسم فيه الكثير من الشعبية والقوة التي كان يشتهر بها أهلنا زمان ، حين نختار لأولادنا اسما نختاره بكل مانعيشه وقت الاختيار ، ولا نعلم كيف سيكون الحال عندما يكبر الأولاد ، وكيف سيكون هذا الاسم المتعلق بهم كظلهم أو أكثر ، هل سيكون اسما لائقا لهم أم يعيبهم ويصبح كالجرثومة التي تطاردهم ، هكذا اسمي (سَنيَّة ) يطاردني ، كثيرا ماخجلت كلماكنت أسمعه بالمدرسة أو الجامعة ، أو حتى هنا في عملي ، فالكثيرون هنا اسمهم هايدي رانيا تالا ميرا أو حتى فيروز ، العجيب أن اسم فيروز هذا من جيل ( سَنيَّة )، أه من نفس الزمن ولكن فيروز يتناسب برأي مع كل الأزمنة ، ربما لارتباطه بالمطربة الجميلة فيروز ، وربما لارتباطه بالفيروز نفسه ، أما اسمي فلا ، لا اعتقد سيجيء زمان آخر ويُعاد فيه استخدام هذا الاسم ، حتى أن زوجي عندما جاء يطلبني للزواج ونظق باسمي شعرت بخجل شديد ، كيف يتزوج ريان من سَنيَّة ، تماما كمن يأكل طبق كشري في بهو فندق سبع نجوم
هكذا كانت رحلتي مع اسمي قاسية ، أما عندما تجاوزت الستين من عمري بدأت أشعر بشيء مختلف تماما تجاه اسمي هذا ، صار الناس ينادونني بالحاجة سَنية ، بدأت أتذوق اسمي ، أتذوق قوته وفخامته ، وكيف أنه شديد التناسق مع لقب الحاجة الذي صار يلازمه باستمرار ، وصرت أحب سماعه كثيرا ، وبقيت أضحك وأسخر من الأسماء الأخرى التي أشعر معها باللاشيء
اليوم تلد ابنتي الصغرى سهام ، مولودها الأول ، ولأنها أخذت عني الكثير من صفاتي وشخصيتي فهي مثلي ترغب في اسم يتناسب مع ابنتها التي ستلدها مثل سلوى أو سناء ، أما زوجها سامر فيرغب في اختيار اسم عصري لايخجل منه عندما يقوله لأحد مثل سيسيل أو سمندة ، فهما يرغبان في تكوين امبراطورية السين العظيمة ، وهنا يأتي دوري ، فأنا فقط الموجودة من والديهما الأربع ، ووقع الاختيار عليَّ أكون طرفا ثالثا يختار لهما اسما بحرف السين ، جمعتهما أمس قبل الولادة وأخذت عليهما تعهدا موثقا بأنهما سيتقبلان الاسم الذي سأختاره لحفيدتي
_ قلتي إيه يا سهام ؟ موافقة مقدما على الاسم اللي هختاره لحفيدتي
_ المهم ياماما يكون أوله حرف السين ويكون حلو زيك كده ياقمر أنتِ
_ وانت ياسامر يابني ؟ موافق مقدما على الاسم اللي هختاره لحفيدتي ؟
_ طبعا ياماما ، حضرتك دايما أكتر حد بيحب يسعدنا وزي ماقالت سهام لحضرتك ، يبتدي بحرف السين ، امبراطورية السين ياماما بقى
_ خلاص ياولاد وأنا اخترت لحفيدتي يكون اسمها سَنِيَّة !!

الأحد، 11 أغسطس 2024

مجلة وجدانيات الأدبية(( أنا والعجوز)) قصة قصيرة بقلم الأديب صلاح الورتاني/ تونس

 قصة قصيرة

قبل صلاة الفجر بقليل سمعت صوتا ينبعث قريبا من نافذتي. في البداية ترددت ثم فتحت وإذا بي أشاهد عجوزا طاعنة في السن تجمع القوارير البلاستيكية وقبل وضعها في سلتها تكسرها بيديها لذلك تحدث نوعا من الضجيج المقلق.

توضأت وخرجت للمسجد القريب من منزلنا ببضعة أمتار. إقتربت من تلك العجوز أسألها : هل أنت المعيل الوحيد لأسرتك ؟ نعم يا ولدي، زوجي متوفي ولي ولد وبنت يدرسان، واجبي أصرف عليهما مع دفع معلوم الكراء. مضطرة لتوفير لقمة العيش والإيجار. علي أن أعمل طول اليوم. وبعد أن أفرغ من جمع هذه القوارير أذهب لمنزل فاخر لأحد تجار الحي أنظف المنزل وأغسل أواني المطبخ مع الطبخ.

في المساء أعود منهكة القوى. أرتاح قليلا لأتفرغ لإعداد العشاء.

تلك هي حياتي المضنية يا ولدي..

ناولتها قليلا من المال مما كان في جيبى فأقسمت أن لا تأخذ مني مليما لأنها لن تطلب ذلك إلا من ربها. عندها وقفت واجما لا أقدر على الكلام وعدت لأتأمل في هذه العجوز التي تعطينا دروسا في عزة النفس وكرامتها.

يا ليتنا نتعلم منها هي وغيرها من الكادحات مثل هذه الدروس في النخوة والشهامة..

وقس بهذا على أوطاننا التي تزخر بخيرات الأرض وطاقات شبابها ومع ذلك فهي تطلب العون من الصناديق المالية الغربية لسد عجز ميزانيتها.

ليتنا نعول على أنفسنا ونعيد خيراتنا لنا ممن سلبوها منا غدرا وزورا ونعمل بإخلاص وتفان نبني ونزرع ونصنع وننحت كياننا حتى نصير أقوياء ونقهر أعداءنا ونقول للعالم نحن شعوب تمرض ولا تموت تنام وتصحو سريعا من غفوتها لتعيد أمجادها وتعيش في رغد عيش..

صلاح الورتاني // تونس

الخميس، 11 يوليو 2024

مجلة وجدانيات الأدبية (( قصة/العودة )) بقلم الكاتب .أبوشيماء كركوك.



قصة/العودة .ابوشيماء كركوك.
مازال قلبي ينبض بحبك وكل روحي والجسد، تسألني الشرفة والاشجار والقلم والدفتر، والجيران وعيون احبتي تقض مضاجعي تؤذيني، والبلبل يحاكيني:اين الهمسات التي كانت تفوح من وراء أستار الغرفة ؟اين العطور؟
حبيبتي زوجتي :ضاعت كل أعذاري وكأن حروفي غادرت لساني وبت أبكما لاأعقل كيف ترتيب الكلمات والأغاني.
عودي ..باتت الدنيا بلا ربيع ، ولا نسمة تبعث الأمل من جديد
وحتى العصافير غادرت شجرتي ،الا الحمائم زاد نوحها والأنين ،وظلمة الليل بات وقتها كأنه جاثم على بيتي والقلب محزون.
يرسل (عاصم) الرسائل لزوجته التي هجرته وأخذت طفلها (صلاح الدين)،بعدما عرفت اتصاله بأعداء الوطن.
تدخل أم عاصم
- بني مازلت يقظا ،لابد لك من الراحة كي تذهب إلى العمل
- نعم أمي سأنام بعدما أنهي الرسالة
- زوجتك بنت أصلها طيب ومغموسة روحها بالعبادة والصلاة
ستعود لاتحزن ،انا مشتاقة ل صلاح الدين
أتذكر عندما كنت صغيرا تناديني أمي صلاح الدين الأيوبي
وترسلني في أماكن الظلام والأماكن البعيدة كي آتي لها بالحاجيات
سقتني حليبا صافيا وتربية شجاعة كي أقبل على الموت ولا أهرب ،
وتأتي رسالة منها:
حبك جذوره في كل تربة روحي ،وأنفاسي لاتطيب الا من أنفاسك التي عرفتها في مسكنك، وعندما يعصف بي الشوق أحضن ابني ف كله منك ،
ولكن حب الوطن كل كياني ،وان خيروني أفديه روحي وكل الأهل، وفلذة كبدي والحبيب.
معبودتي:
هل تعلمين ضاعت صلاتي وتسبيحي والوضوء، وبت أنادي الناس ب اسمك حتى قالوا أنني مجنون ،والليل لاأعرف ساعاته وبات النهار كله أوجاع.
ألا تتذكرين في ساحة المدرسة الابتدائية عندما نلعب مجموعتين
مجموعة الوطن والأخرى مجموعة الأعداء ،وكنت ألعب مع الأخيرة
وكانت الحيرة ترسم على وجهك وتتمنين اللعب في مجموعتك
وتظلين حزينة حتى ترين هجومي على العدو وقتله عندها تتنفسين ،
وجاءت عاصفة ترابية عصفت موقعا للأعداء ،جعلت عاليها سافلها ،وكأن بنايتهم حط عليها نجما محرقا جعلهم هباءا منثورا.
وبعد التحقيق، كانت الصولة ل (عاصم)الذي سار معهم ولايعرفون روحه في حرم الوطن ،وجسده يسير على طريقهم المملوء شوكا ونفايات.
دموعها تنحدر بلا كلمات ،وأنين نشيجها يحرك الاموات، وصلاح الدين كأنه يقول أنا عندك والامهات، تتحرق حزنا على هجره قبل الممات.
ابوشيماء كركوك.

الاثنين، 8 يوليو 2024

مجلة وجدانيات الأدبية (( متابعة واهتمام.. )) قصة بقلم الكاتب / مصطفى الحاج حسين




** متابعة واهتمام..
قصة: مصطفى الحاج حسين.
في الصّفّ الرّابع الابتدائي، شدّد علينا أستاذنا، (المعرّاوي) الخناق،
بحجّة أن مستوانا التّعليمي هابط، فأخذ يحاسبنا، ويعاقبنا، ويضربنا، ضرباً مبرحاً، على تقصيرنا، لعدم حفظنا لدروسنا، أو لإهمالنا كتابة وظائفنا، الكثيرة، التي لا ترحم.
وخطرت له.. فكرة أن يراقبنا، خارج المدرسة.. فكلّف ثلاثة، من زملائنا الكسالى، بمراقبتنا، فهم أشدّ منّا طولاً، في الحارات والسّوق، وطلب منهم، أن يكتبوا له، اسم كلْ من يرونه يلعب.. وفي أيّ مكان، تتمّ مشاهدته.. ولا عذر، أو حجْة لأي واحد فينا، إن خالفنا تعليماته، إلّا إن كان حافظاً لدروسه، وكاتباً لوظائفه.
والزّملاء لم يقصروا، انصبت الأسماء
، عند أستاذنا (المعرّاوي)، وانهالت علينا عقوباته القاسية.. عنده عصا، رهيبة، فظيعة، قاسية، ملساء، لاسعة، حامية،
فيها نار.. وكان يقول لنا:
- هذه العصا، نزلت عليّ من وسط جهنّم الحمراء.
كان معظمنا، نحن الطّلاب.. نمضي حصّة الدّرس، ونحن نبكي، ونتألّم، ونشهق، ونمسح دموعنا، و(مخاطنا)،
ونبلع غصّاتنا.. ونحاول أن نعيد، حشر أقدامنـا المتورّمة، بأحذيتنا.. لكنّا كنّا نجدها، قد فاقت الأحذية مقاساً، بعد عقوبة (الفلقة).. وكذلك لم تكن، أيادينا تسلم من الضْرب، والعقوبات.
تحوّلت المدينة إلى سجن، فمنعنا من مغادرة بيوتنا، و سرى نظام صارم يحظر التّجول فيها.
وبعد أن ملّلنا من هذا الحصار، إتّففنا أنا وصديقي (راغب)، أن نخرج من بيتنا، إلى الحارة..ونحفظ، ونلعب في الأماكن الدّاخلية،من حارتنا، فهي بعيدة عن العيون، وخاصة عيون الجواسيس، الذّين كلّفوا بمراقبتنا، فهم على أيّ حال، ليسوا من سكان حارتنا.. وكان هدفنا الأوّل، حفظ النّشيد الذي كلّفنا أستاذنا (المعرّاوي) بحفظه، ولقد هدّدنا:
- الويل.. كلّ الويل، لمن يأتي غداً، إلى المدرسة، ولم يحفظ النّشيد.
كان مطّلع الأنشودة، على ما أذكر:
- (في ضياء البدر.. يحلو سمري).
نسيتها، لم أعد أحفظها.. مع أنّني كنت أظنّ، أن من المحال أن أنساها، وسوف ترافقني إلى القبر.. لأنشدها أمام الملائكة (أنكر - ونكير)، وقد أدخل الجنّة إن أسمعتهم الأنشودة، بطلاقة.
تدرّبنا عليها أنا و (راغب)، حتّى تمكّنا من حفظها، عن ظهر قلب..(راغب) كان يستمع إليّ، وأنا بالمثل أستمع إليه،
وحين تأكّدنا من الحفظ.. انتقلنا لنلعب بعض الشّيء، فذهبنا قرب سور
المدرسة.. فالمدرسة قريبة، من حارتنا جدْاً.. لا يفصلها عنّا إلّا مسافة قصيرة.
لعبنا، قرب سور المدرسة، وتصارعنا
فوق العشب الأخضر، إلى أن تعرّقنا،
ورحنا نلهث بقوة، فقد هدّنا التّعب، فاستلقينا فوق العشب، وأخذنا نستريح، وكانت قلوبنا تنبض بشدّة وضراوة.. وفجأة.. وقف فوق رأسينا
(عبد النّاصر)، الفتى الشّقي، الذي لا يحبّه، أحد من أولاد حارتنا، فهو شرس وغادر، يكبرنا بسنة، و يتقدّمنا في المدرسة، بصفّ واحد.. نحن في الصّفّ الرّابع، وهو في الصّفّ الخامس.. عدواني، كان يضربنا في كل مرّة، ويأخذ منّا ما بأيدينا، من طعام، وفاكهة وحلوى، وحتّى النّقود.. وكنت كثيراً ما أشكوه لأبيه، خاصّة عندما ألتقيه بصحبة أبي، فقد كانا والدانا أصدقاء، وأبناء حارة واحدة، منذ زمن أجدادنا..
أقول له:
- يا عمّي..انظر إلى ابنك، (عبد النّاصر)
لقد ضربني، واعتدى عليْ.
فيضحك والده.. ويقول لي أمام أبي:
- قسماً بالله.. اليوم (سأفعل) بأمّه.
ويعاود الضّحك، ويشاركه أبي ضحكته
.. فأسعد أنا، وأظنّه سينال عقوبة، شديدة، وقاسية.
وقف فوق رأسينا، أنا و(راغب)، وقال
، وابتسامته الشّرّيرة مرتسمة فوق شفتيه:
- ماذا تفعلان هنا؟!.. لقد رأيتكما بالجرم المشهود.. والله لأفضحكم.
وثبنا أنا و (راغب )، من استراحتنا، فوق العشب.. وقلنا له، ونحن في فزع عظيم:
- ماذا تقول؟!.. أيّ جرم تقصد؟!.
- ماذا كنتما تفعلان يا أشقياء؟!.. لقد رأيت كلّ شيء.. فلا داع للنكران والكذب.
صرخت مقهوراً:
- ماذا رأيت يا كاذب؟!.. نحن لم نكن نفعل شيئاً.. حفظنا درسنا، ثم أخذنا نلعب.. وحين تعبنا، استلقينا فوق العشب، نستريح.. فهل في هذا، ما يعيب، حتى تهدّدنا بالفضيحة؟!.
وأكمل رفيقي (راغب ).. وقد كان، وجهه شديد الشّحوب:
- أنت ذمّتك واسعة، لأنّك لا تخاف الله.. عليك اللعنة.. إذهب وبلّط البحر.. كلّ النّاس يعرفونك.. ويعرفون كم أنت كاذب، وبلا ضمير.
وأخذ (عبد النّاصر)، يكرّر تهديداته لنا، بكلّ وقاحة.. ولمّا هممنا أنا و(راغب) بالبطش به.. تركنا وهرب.
في اليوم الثّاني، صفّق لنا رفاقنا في الصّفّ، وسرّ منّي، ومن (راغب) أستاذنا (المعرّاوي)، لأنّنا حفظنا الأنشودة.. ونجونا من عقوبة الأستاذ، الذي كان قد هدّد بها.
وفي الفرصة الأخيرة لنا، نحن الطّلاب.. وبينما كنّا نلعب في الباحة.. لمحني السّيّء الصّيت (عبد النّاصر)، وأقتربُ منّي، قائلاً:
- آه ذكّرتني.. جهّز نفسك للفضيحة.
ماذا ينوي أن يفعل؟!.. هذا المعتوه، القذر؟!.. هكذا، كنت أسأل نفسي، حينما دخلنا الصّفّ،وانتهت فرصة الإستراحة.
حين دخل علينا، أستاذنا (المعرّاوي)،
وقفنا استعداداً، كما هي العادة، لمّا يدخل علينا الأستاذ، أو مدير مدرستنا.
لكنَّني لمحت عند باب الصّفّ، (عبد النّاصر)، كان يقف.. فخفق قلبي.. وبعد أن أمرنا الأستاذ بالجلوس،على مقاعدنا
وجّه نظره صوب (راغب).. ثمّ صوبي، وقال، بصوت فيه غضب وحزم:
- تعال يا سيّد (راغب).. وتفضّل أنت يا (شادي) أيضاً معه، وأشار لي بيده.. هيّا اتبعاني.. وتوجّه نحو باب الصّفّ، الذي يقف عنده، السّافل (عبد النّاصر).. تحرّكنا من فوق مقاعدنا، أنا ورفيقي (راغب)، وكلّ منّا كان منقبض الصّدر.. يرتعش السّاقين.. وخرجنا من بوابة الصّفّ، نمشي خلف أستاذنا، و(عبد النّاصر).. في الممرّ الطّويل، دون أن ينبس أحد منا بالكلام..
وصعدنا الدّرج المؤدي إلى الإدارة.. وعند باب الإدارة المفتوح،لمحت المدير (الأعور)، خلف طاولته، وكان بعض أساتذة مدرستنا، يأخذون مجالسهم، فوق مقاعدهم الوثيرة.. التفت إلينا أستاذنا (المعرّاوي)، وأمرنا أنا و(راغب) بالوقوف خارج الإدارة، عند الباب.. وطلب من (عبد النّاصر)، أن يتبعه، ويدخل معه، لعند المدير، داخل مكتب الإدارة، التي ترعب أيّ طالب يدخلها، حتّى إن كان، من أشدّ المتفوّقين.
خطر لي أن أهرب من المدرسة، وأذهب لعند والد (عبد النّاصر)، وأشكو له ابنه، الوقح، وعديم الضّميرِ.. ولكن كيف أهرب؟؟!!.. والآن يكون الآذن (أبو لطفي)، قد قفل بوابة المدرسة، ولا سبيل للخروج، وللدخول منها، إن لم يأت (أبو لطفي)،ويفتح الباب بمفتاحة
، الذي يرقد في جيبه، الواسع والعميق.
كان وجه (راغب) شديد الإصفرار، ولا أدري إن كان وجهي، كذلك مثل وجهه، تبادلنا نظرات الخوف والعجز
والإضطراب.. ولم نجرؤ على تبادل الكلام، أو المشورة، فيما سنقول ونفعل.
بعد دقائق ليست بالقليلة، خرج أستاذنا (المعرّاوي) من الإدارة، ومعه (عبد النّاصر)، الذي صرت أتمنى له الموت.. ولكن خرج أيضاً برفقتهم، الأستاذ (التّادفي)..أستاذنا السّابق الذي درسنا في الصّفّ الأوّل، من السّنة الدّراسيّة، يستلم، ويدرّس الصّفّ الأوّل الإبتدائي، وكأنّه مختص في هذا المجال.. نظر نحونا أنا و (راغب).. بعد أن ابتعد عنا أستاذنا (المعرّاوي)، و (عبد النّاصر) الكلب، وراحا يهبطان الدّرج.. وتركانا في عهدة الأستاذ (التّادفي).. والذي أمرنا، بقوله:
- اتبعاني.
دخلنا إلى صفٍّ، يقع بجانب الإدارة،
كان مختصّاً بالأنشطة المدرسيّة، ولهذا كان غير مشغولاً، بهذا الوقت.
أغلق الأستاذ (التّادفي) الصّفّ علينا، وطلب منّا ان نجلس على أحد المقاعد، الموزّعة بشكل مرتب كباقي الصّفوف.
وبعد أن جلسنا، والخوف والشّحوب بارزان على وجهينا، أنا و (راغب).. تفرّس الأستاذ بوجهينا مليَّاً، ثمّ حوّل نظره عن وجهي، إلى وجه رفيقي (ناصر).. و بعد أن (تمخّط) بمحرمة، أخرجها من جيبه، اقترب منّا أكثر، وقال:
- استمعا إليّ، أنا من درّستكم في الصّفّ الأوّل.. وأنتما تعرفاني جيداً، أهم شيء عندي، الصّدق والصّراحة.. لذلك أريد أن أعرف وبالتّفصيل المملّ، ماذا كان بينكما؟.. وماذا كنتما تفعلان، بالقرب من سور المدرسة؟!.
وانبعثَ صوتنا أنا و (راغب)، في آن واحد، بسرعة، وانفعال:
- وحقّ (المصحف) يا أستاذ..
قاطعنا الأستاذ، بحركة منه، حيث وضع سبّابته، الغليظة والضخمة، على شفته العلّيا، فغطّت وقسّمت شاربه إلى نصفين:
- تكلّما بالدّور، وبدون عجلة.. أريد معرفة كل شيء، وبدقّة. ثمّ بادرنا بسؤاله، موجهاً أصبعه إلى (راغب):
- قبل أن ندخل إلى موضوعنا.. هل أنت تدخّن؟.
هتف (راغب) من خلال دموعه، المطّلة من عينيه:
- لا.. أستاذ.. والله.. أنا لا أدخّن أبداّ.
واستدار الأستاذ نحوي، وسألني.. وأنت، هل تدخن؟.
وحتّى أكسب ثقته، أردت أن أكون صادقاً معه، فقلت:
- نعم أستاذ.. أدخّن في بعض الأحيان.
أسعده جوابي، وأراد أن يشجّعني، لكي أستمر بالإعتراف.
- جميل منك أن تصدّقني القول.. فأنا لا يخفى عنّي أمر.. ولكن قل لي.. من أين تحصل على السّجائر؟.
- أستاذ أنا أشتري السّجائر من عند السّمان (أبو فارس)، من مصروفي، فهو يبيع سجائر (فرط)، إلى الأولاد.
وبعد لحظة صمت، تابعت الإعتراف:
- وفي بعض الأحيان، أقوم بسرقة السّجائِرِ، من عند أبي، أو من علبة تبغ عمّي (صقر).
تحوَّل وجه الأستاذ، إلى القسوة، ثمّ توجه بالسّؤال، إلى (راغب):
- قل لي، وبصدق.. ماذا كنتما تفعلان عند سور المدرسة؟.
ردّ (راغب)، بعد أن وقف على قدميه:
- أستاذ.. قسماً بالله، كنا أنا (وشادي)، نلعب، بعد أن حفظنا، النّشيد.. وإن أردت أن نسمعك إيّاها، فنحن جاهزان.
امتعض وجه الأستاذ، ووضع يديه في جيبا سترته، البنّية اللون، وصرخ
بوجهي:
- تكلّم أنت يا حيوان.. قلت لكم أنا أحبّ الصّراحة والصّدق.. قل لي ماذا كنتما تفعلان؟.
غار صوتي في أعماقي، جفّ فمي،
ما عدت قادراً على إبتلاع لعابي.. نظرات الأستاذ الثاقبة، زادت من رعبي،
يا الله!!.. إنقذنا من هذا التّحقيق.. ماذا أقول؟.. وكيف سيصدّقنا الأستاذ؟!.. هو يطالبنا بقول الصّدق والحقيقة.. وعنده الصّدق والحقيقة، أن نقول ونعترف بشيء لم نفعله.. هكذا، هكذا.. يفهم الصّدق والحقيقة!!.. فماذا عليّ أن أقول؟!.
رحت أبكي بمرارة، وأنظر إلى وجهِ الأستاذ المتجعّد، بتوسلٍ واسترحام شديدين، وقلت بصوت كلّه رجاء وتضرع:
- أستاذ.. صدّقنا.. نحن لا نكذب عليك، بل نقول لك الحقيقة والصّراحة.. (عبد النّاصر) يكذب.. كلّ أولاد المدرسة يعرفونه كاذب.. وحرامي.. وغشّاش، وغادر.. أرجوك إسأل عنه.
ومن خلال شهقات (راغب) ودموعه،
أراد أن يكمل عنّي الكلام:
- أستاذ.. (عبد النّاصر) يعادينا، لأنّنا لا نلعب معه.. أقسم بالله نحن لا نكذب عليك.
وهاج الأستاذ.. وغضب.. وضرب بيده على المقعد، فجفلنا، وتعالى نحيبنا، صرخ فينا وعيناه تقدحان شرراً:
- قلت لكم قولا الصّدق.. أنتما تكذبان،
عيناكما تفضحان كذبكما.. أنا أستطيع كشف الكاذب من عينيه، ومن صوته، بل من رائحته.. فالكاذب يتميّز برائحة كريهة.. وأنتما تفوح منكما الرّائحة الكريهة.. تحدْثا.. اعترفا، قبل أن أرميكم في (جبِّ الفأر)، أنتما هل تعرفان ماذا يوجد في (جبّ الفأر)؟.. هل رأيتماه؟.. إنّه موجود هنا.. في قبو المدرسة المظلم.. سأرميكما هناك وأقفل عليكما الباب.. أو قولا لي الحقيقة.. وأنا أوعدكما بأنّني سأعفو عنكما، في حال كنتما صادقين.
كان الأستاذ يقول لنا هذا الكلام، وجدتني وبلا إرادة منّي، أتبوّل على نفسي.. وسال (البول) على بلاط الصّف، وانتبه الأستاذ وصاح، بعد أن صفعني بقوّة، بينما لمحت (راغب)، رغم انهمار دموعه، يبتسم:
- ماذا فعلت يا حيوان.. تبوّلتَ في بنطالك؟!.. اللعنة عليك يا عديم الذّوق.
ثمّ طلب منّي أن أخرج من الصّف، وأقف في الخارج، قرب الباب، وأنتظر.
احتفظ (براغب)عنده، داخل الصّفّ..
وأنا وقفت عند بابه المغلق.. كنت أبكي وأرتجفُ، وبنطالي يقطر بولاً، وكانتا عينايّ تبحثان بين التّلاميذ، عن أخي الأكبر (رامي)، فهو في الصّفّ السّادس
، وصفّه هنا، في هذا الطّابق.. لكنّه في الدّاخل.. في نهاية الممرّ الطّويل.. تمنّيت أن أراه، وأن ألجأ إليه، فهو دائماً ينقذني من المواقف، والمشاكل الكبيرة
..التي تواجهني، وكدّت أصرخُ بأعلى صوتي:
- رامي.. رامي يا أخي تعال..أرجوك.. أنا بحاجة لك.. أنا بريء والله.. لكنّ الأستاذ لا يصدقني، مهما أقسمت له، لا يصدّق، ولا يقتنع.. قال إنّه سيرميني في (جبّ) الفئران.. وأنا أخاف يا أخي.. أخاف.. أرجوك تعال، لا تتركني لوحدّي.
ولكنَّني جبنت وخفت أن أصرخ، ويخرج لي الأستاذ من الصّفّ المغلق.. أويهرع لعندي المدير (الأعور) من الإدارة، الملاصقة لهذا الصّفّ.
كان التّلاميذ يمرّون بالقرب منّي، ويضحكون من بنطالي، المبلّل بالبول، ومن شكلي المضحك، ومن دموعي السّائلة فوق خدّي.. وطال انتظاري،
وأنا أتمنّى الهرب.. لكنّ باب المدرسة مقفل.. ودعوت الله كثيراً، توسّلت، وتضرّعت.. وفتح باب الصّفّ، وخرج منه (راغب) باكياً.. ووقف قربي، ينتظر مثلي عند الباب، وناداني الأستاذ.. وطلب منّي الدّخول.. وحين قفل عليّ الباب، كدت أموت من شدّةِ الخوف.. أمرني أن أجلس على مقعد آخر، غير الذي سبقه، وجرى من تحته البول.. قال:
- هل تريد أن أتّصل بالشّرطة؟.
- أستاذ...
وهمس.. والسّيجارة تعجّ بين أصابع يده:
- لن أعاقبك لو أنك اعترفت لي.. لا تخف.. قل لي الصّدق.. وسأتركك الآن تذهب إلى بيتكم.
وفكّرت.. وخطر لي أن أقول له، ما يريد سماعه.. فهو لا يصدّقنا، إن قلنا الحقيقة!!.. يريد منّا أن نكذب، حتّى يصدّق كذبتنا.
- سأعترف.. وأقول لك الحقيقة يا أستاذ.. نعم، (عبد النّاصر) يقول الصّدق.
هدأت ثورته.. وتغيّر صوته.. واقترب منّي أكثر.. ومجّ نفساً عميقاً، من سيجارته، وقال:
- ماذا كنت تفعل أنت و(راغب)؟.
أجبت وأنا غير مقتنع.. المهم أن يتركني، أذهب إلى البيت.. عند جدّتي
وأمّي:
- كنّا نفعل كما قال لكم، (عبد النّاصر).
- أفصح.. ماذا كنتما تفعلان؟.
- كنّا.. كنّا، نفعل.....
وصرخ بقوة أفزعتني، وكان يهمّ بصفعي:
- كنتما ماذا يا حيوان؟!.. أكمل.. لا تتوقف عن الإعتراف.
دعكت عيناي، مسحت دموعي، شهقت بعمق، تمنيت أن يأتي أحد من أهلي وينقذني، جدّتي، أمّي، أبي، أو عمّي (صقر) ، أو ليت عمّتي (خديجة) تهرع إلى هنا وتنقذني، من هذا الأستاذ الذي لا يرحم، ولا يصدّق إلّا ما يقوله (عبد النّاصر)، ذاك الوغد السّاقط، والكريه، والمنبوذ.
سأنتقم منه، أنا وأخي (رامي)، و (بسلان) ابن عمْي (سعدو).. سنقتله، والله العظيم، وسننتقم منه، لن يفلت منّا أبداً:
- أستاذ كنّا، أنا و (راغب)، وبعد أن حفظنا النّشيد، ولعبنا، وتصارعنا، وارتمينا على العشب.. كنّا....
ماذا أقول يا ربي؟؟..لا أستطيع، أن
أعترف بشيء لم أفعله... هذا اعتراف خطير، أنا أعرف معناه.. لست صغيراً، سيقتلني أبي، ويذبحني عمّي (صقر).. وتغضب عليّ جدّتي، وستبكي منه أمّي، وتلومني جدّاً عليه عمّتي.. رباه أنا في مأزق خطير.
وجائني صوت الأستاذ، المرّعب:
- أنا أقول لك، ماذا كنتما تفعلان، أنت و (راغب)..كنتما تمارسان فعل (اللواطة)
أليس كذلك يا حيوان؟.
صمّتُ، اطرقت برأسي إلى الأرض،
ما عدت قادراً على مواجهة الاستاذ، ولا أحد يطرق علينا الباب، ويدخل.. المدير سلم أمرنا إلى هذا الأستاذ.. حتّى أستاذنا في الصّفّ (المعرّاوي)، تركنا معه، وعاد إلى صفه.. ليس بوسعي سوى أن أصمت، واعترف على جرم لم أرتكبه.. يا الله.. ياربي.. يا
(محمّد).
وتابع الأستاذ تحقيقه معي:
- والآن قل لي.. من كان منكما الفاعل؟.
ومن هو المفعول به؟.
يا الله!!.. هذا الأمر لم أفكّر به، بل لم يخطر على بالي أبداً!!!.. بماذا أجيب هذا الواقف أمامي، كالوحش؟!.. إن قلت له (راغب) كان يفعل معي، كارثة وفضيحة، ستلاحقني طوال عمري.. أنا أفهم خطورة هذا.. ما عدت صغيراً، أعرف، وأفهم، معنى كل ما يحدث ويدور.. وأتخيّل العواقب.. وإن قلت له، أنا من كان يفعل (براغب).. سأجلب له العار، والويل، وعلى رأسي، ورأس أبي.. بل وعائلتي، وكلّ أقربائي.. وابتهلت إلى الله، أن ينقذني مّما أنا فيه.. ولكن بسرعة حسمتُ الأمر.. فإن كان لا بدَّ، من هذا الإعتراف.. فيجب أن أختار، ما هو الأقلّ سوءاً.. ولذلك هرعت لأقول:
- أنا كنت الفاعل.. أنا من كنت أفعل (براغب).
وهنا نهض الأستاذ من فوق مقعده، رفع بنطاله للأعلى، وقترب منّي، وانهال عليّ بيديه، بعنف شديد، يضربني، كيفا اتّفق.. بيديه وقدميه.. يصفعني، ويركلني، ويشدّني من شعري، ويصرخ بي:
- وسخ.. قذر.. شاذّ.. منحطّ.. قليل التّربية، سافل، وابن حرام.
وتحرّك.. وفتح الباب.. وأدخل (راغب) الذي ما زال يرتعش، ويبكي.
باغته.. بالضّرب المبرح، على وجهه،
ورأسه، وسائر أنحاء جسمه.. وهو يزعقُ بإنفعال:
- ظننتك في البداية، ولد محترم.. وإذ بك، إنسان وضيع.. ساقط، كلب، خنزير،
لا شرف عندك.
وكان (راغب) يتلوّى، ويتألّم، ويبكي، ويتوسّل، ويصيح، ويترجّى.. وهو لا يعرف، ما هي تهمته الآن..أو بما أخبرت أنا الأستاذ.
أصوات التّّلاميذ تتناهى إلينا، من خارج الصّفّ المغلق.. وأنا و (راغب) على الأرض مرتميان.. وباكيان،
ومتألّمان.
ما عدّت أستطيع النّظر إلى (راغب).. بدأت أحتقر نفسي.. ولكنّي كنت قد أجبرت، على إعتراف لم أكن أقصد قوله.. الخوف هو من دفع بي، لهذا الإعتراف يا (راغب) .. يا أفضل وأجمل الأصدقاء عندي.
نظر إلينا الأستاذ باحتقار وقرف، وقال، بعد أن توجّه صوب الباب المغلق:
- انتظراني.. سأعود.. وإيّاكما أن تتحرّكا
من هذا المكان.. ثمّ غادرنا وخرج..مغلقاً
علينا باب الصّفّ.
وسألني (راغب)، بعد أن صرنا لوحدنا، في الصّفّ:
- ماذا قلت للأستاذ؟.
في البداية.. استمرّيت في صمتي، وتهرّبي من النّظر إليه..لكنّه عاد يسألني
، فأجبته، وأنا خجل منه:
- سامحني يا (راغب).
لحظات عصيبة مرّت علينا، ونحن في أشدّ أنواع التّعاسة، والخوف والقلق.. إلى أن فتح علينا الباب..ودخل
مدير مدرستنا الأعور، وإثنان من رجال الشْرطة.
كانت صدمة عظيمة علينا، لم نكن نتوقع إستدعاء الشّرطة.
تقدّم المدير الأعور منّا.. كانت عيناه الّلتان لا تلتقيان، تطفحان بالإحتقار.. بصق علينا، وقال:
- تفضّلا.. وإذهبا مع الشّرطة.. يا قليليّ التّربية والأخلاق.. لعنة الله عليكما.. وعلى إهاليكما، لقد فضحتما سمعة المدرسة.
والتمّ علينا الأساتذة، والتّلاميذ.. في ممرات المدرسة، وعند الدّرج الذي هبطناه.. وعند بابها..وكان كلّما سأل أحدهم عن أمرنا، يقول المدير،وأستاذنا
(المعرّاوي)، والأستاذ (التّادفي)، الذي تولّى التّحقيق معنا:
- لواطة..
أو كانوا يؤشّرون له بأياديهم، إشارات بذيئة، تعبّر عن حركة، ترسم، لهم عمليّة جنسيّة فاضحة، ووقحة.
ولمّا أمرنا من الشّرطة، بالصّعود إلى سيّارتهم.. لمحت عن بعد أخي (رامي)، ينظر، ويحدّق.. كأنّه غير مصدّق عينيه.. وسارت بنا سيّارة الشّرطة، إلى المخفر، الكائن جانب الجامع الكبير.
مدير المخفر، وهو ضابط كبير، لا أعرف ما هي رتبته، وإنّما كانت النّجوم
،تصطفّ، وتلمع على كتفيه العريضين،
حدّق في ذلّنا وانكسارنا، ودمعنا الذي لم ينقطع، أنا و (راغب).. وقال متوعّداً:
- والله لألعن أباكما.. يا (عرصات).
ووصل عمّي (صقر)، إلى المخفر لاهثاً .. وتبعه أبي، غاضبا ، ممتقع الوجه.. ودخل والد (راغب)، محمرّ الوجه والعينين، وبصحبته كان أخوه الهائج، عمّ (راغب).. وتجمّع داخل، وخارج المخفر، العديد من الأقرباء، والجيران.. حتّى كان هناك بعض النْسوة.. ومن المؤكْد كان أيضاً، وسط هذا الجمّع، عند درج المخفر، العريض، أخي (رامي)، وابن عمّي (بسلان)..
بعد خلوة مع رئيس المخفر، لأبي ووالد (راغب).. وحديث طويل دار بينهم، وصراخ، وزعيق، وانفعالات، وتهجمات، وتهديدات، وتوعّد.
جاء لعندي أبي، ليهجم عليّ كالمجنون
.. لكن الشّرطة وقفوا في طريقه، ومنعوه من الوصول إليّ.. واستطاع والد (راغب) أن يركل بقدمه خاصرة ابنه، فصاح (راغب) متأوّهاً، قبل أن تصل الشّرطة، لعند والده، الذي كان قد فقد رشده.
ونادوا الشّرطة علينا، ليكتبوا الضبط،
جلس رئيس المخفر، وراء طاولته..
وقعد الكاتب، وبيده دفتراً وقلماً، وسألني رئيس المخفر، بعد أن ناوله، عمّ (راغب) سيجارة:
- هل كنت أنت الفاعل؟.. وهل فعل معك (راغب) كذلك الأمر؟.. أم أنت فقط؟!.. من قام بالفعل، المنافي للحشمة، مع (راغب)؟.
وبدون أذن، انفجر بالبكاء (راغب).. وصاح:
- لم يفعل معي شيئاً.. إنّه يكذب.
التفتوا إليّ.. أبي، وأبو (راغب)، وعمّ
(راغب)، وعمّي (صقر)، ورئيس المخفر، والشّرطي الذي كان يكتب.. وكلّ من كان واقفاً.. وعاد رئيس المخفر يسألني:
- هل فعلت شيئاً، مع (راغب)؟.
صحت بأعلى صوتي، من خلال دموعي المتدفّقة:
- لا.. لم أفعل شيئاً.. مع (راغب).. لقد أجبرني الأستاذ على قول هذا.. ضغط
عليّ.. وهدّدني.
ضمّني أبي إلى حضنه.. وقال:
- لا تخف يا ابني.. قل لنا الحقيقة.
ومع كلّ هذا، أصرّ رئيس المخفر، أن يأخذنا ، أنا و (راغب)، لعند الطّبيب
الشّرعي، في (المستوصف)، القريب من المخفر، للكشف علينا من قبل الطّبيب ، واحضار تقرير (طبّي) منه، موقع ومدموغ بختمه، ليفرج عنّا.
مصطفى الحاج حسين.
إسطنبول
مقتطف من رواية.. يتبع.

مجلة وجدانيات الأدبية (مزح كردي).. بقلم الكاتب / مصطفى الحاج حسين




** (مزح كردي)..
قصة: مصطفى الحاج حسين.
بلغ عدد عناصر دورة الأغرار، التي أنا منها إلى ما يقارب الأربعمائة فرد، وكنّا بعد حصة، درس الرّياضة، الذي ننفذه، ونحن بكامل بذلاتنا العسكريّة،وأبواطنا السّوداء الضّخمة، ولكن.. كان مسموح لنا، والحقّ يقال،أن لا نضع على رؤوسنا الحليقة (السّيدارة)، التي يغطس كامل الرأس بها.. كنّا نهرع لإستلام الفطور، المؤلّف من الزّيتون، ومربّى المشمش المهروس، وقطعتين من مثلّثات الجبنة
، واللبنة الشّديدة الحموضة، وكأس من الشّاي الفاتر، مغليّ في نقرة يطفو فوقها الدّسم، ليكتمل غذاء أجسادنا.. وكان علينا أن نتناول فطورنا بسرعة، لنقوم بحلق ذقوننا.. وهذا واجب يوميّ
وقسريّ، ويعاقب كلّ من لا يحلق ذقنه،
بشكلّ نظيف وكامل، والويل كلّ الويل،
لمن تكون عنده شعرة واحدة من ذقنه، تكون نابذة.. ثمّ نلتفت (للبويا) حيث ندهن أبواطنا العسكريّة، ثمّ نقوم بتلميعها، بشكل قويّ وواضح، وكلّ من لا يفعل هذا،سيتعرض لأقسى العقوبات
، ومن بعدها، نهرع إلى الإجتماع الصْباحيْ.. كلّ في مجموعته، ورتله، ومكانه.. وأيضا الويل لمن يخربط، في مكانه، أو يتوه، عن جماعته.. نترادف.. ونقف باستعداد، وكلّ منّا ينظر في نقرة، رأس الذي يقف أمامه.. وبعدها يتقدّم عرّيف الصّفّ، ويصرخ بقوّة، وحزم، وعنفوان:
- انتبه.
فنجمد في أماكننا، نكاد ألّا نتنفس.. فينظر من أمام كلّ رتل، ويعطي أوامره
، لمن يقف بشكلّ غير مستقيم، ليعدّل من وقفته، وبعد ذلك يصرخ بنا:
- دورة الأغرار.. رتلاً ترادف.
نترادف.. تمتدّ أيدينا اليمنى، تلامس كتف من يقف أمامنا، من الزّملاء.. يأتينا الصّوت الجهوري والقويّ:
- آسبل..
فنأسبل.. بشكل سريع، وخاطف.. ويزعق، بصوت يشقّ عنان السّماء:
- استارح.
فنتراخى بعض الشّيء.. ليأمرنا:
- استاعد.
نخبط أبواطنا على الأرض بقوّة.. إلى أن نثير الغبار.. وبحركة سريعة من عرّيف الصّفّ، يستدير إلى الخلف، ويأدّي التّحية العسكريّة، بعنف، وقوّة، وصلابة.. لمن هو أعلى مرتبة منه، صارخاً، وتكون أوداجه منتفخة:
- دورة الأغرار.. جاهزة سيّدي الملازم.
ويأتي دور الملازم، ليكرّر ذات الحركات
، ثمّ يقدّم الدّورة، إلى الأعلى رتبة منه.. وهكذا (دواليك)، إلى أن تنتهي هذه التْمثيليّة اليوميّة، إلى الرّائد الرّكن، قائد دورتنا.. الذي يهتف:
- أمّة عربيّة واحدة.. ذات رسالة خالدة.
فنردّد خلفه.. الشّعار، بقوّة، وبأعلى ما عندنا من طاقة صوت.. فيكمل سيادة الرّائد، وبذات الزّخم:
- أهدافنا.
وعلى الفور نجيبه:
- وحدة.. حرّيّة.. إشتراكيّة.
واليوم.. وكما جرت العادة، كنّا نتأهّب، ونستعدّ، ونتجهّز للإجتماع الصّباحي المقدس.. وقبل وصول أحد من المسؤولين.. وقف زميلنا (حكمت)، وكان يشاركني خيمتي.. وهو يتميز بالمرح، وفي براعته بألقاء النّكتة، وحبّه الشّديد للمزاح وللدعابة، وهو من أخوتنا (الأكرد)، حيث كان نطقه للعربيّة ثقيلاً.. وقف (حكمت) هذا، على رأس الدّورة، واتّخذ دور المسؤول.. وصاح:
- أمّةٌ كرديّة واحدة.
كان هناك بعض من لم يسمع جيداً، هتاف (حكمت)، فردّدوا خلفه:
- ذات رسالة خالدة.
لكن معظم أفراد الدّورة، لم يشاركوا بالتّرديد خلفه.. بل كانت المفاجئة على معظمنا، كبيرة.
وفي هذه اللحظة، وصل إلينا الملازم أوّل (خضر).. فصاح على الفور،
وبصوت يسكنه الغضب:
- أنت.. يا عسكري.. توقّف.. تعال إلى هنا.
زلزلت الأرض.. اهتزّت السّماء.. تيبّس شجر المعسكر.. سقطت أوراقه.. ولم تجرؤ الرّيح، على الإقتراب لحملها، وتنظيف التّراب.. من دموعها.. آهٍ لقد جنى (حكمت) على نفسه، أوقع حاله في ورطة، ما لها قرار.. نعم.. فقد كان الملازم أوّل (خضر)، هو المسؤول الأمنيّ، عن دورة الأغرار.
وجاؤوا البقيّة، من السّادة المسؤولين، وتحلّقوا حول الملازم أوّل (خضر)، و(حكمت)، الذي اقترب منه.. ويسأله الرّائد، عن الأمر:
- سيّدي.. هذا الكلب، هتف لوحدة (الأكراد)!!.
يهزّ قائد الدّورة رأسه، ويقول دعونا ننتهي، من ترديد الشّعار الصّباحي.
فيطلب الملازم أوّل، من (حكمت) أن يقف جانباً، وألّا يشارك بترديد الشّعار.
وقف (حكمت)، قريباً من تجمّعنا، ببذلته العسكريّة المضحكة، بسبب قِدمها، واتّساعها على جسده الممتلئ، وكان شاحب الوجه، يرتعش بشدّة، رغم حرارة الشّمس الحارقة.
وبعد ترديد الشّعار المقدّس، اقترب الرّائد، نظر إلى (حكمت)، تأمّله جيداً، ومشى بعد أن قال له:
- غبي.
أمرنا الملازم أوّل (خضر)، أن نشكّل صندوقاً مفتوحاً، من أجسادنا، وسط الباحة التّرابيّة، ذات العشب اليابس، والمليئ بالشْوك.. بينما انفضّوا عنّه زملائه الضّباط، ظلّوا فقط عناصر صفّ
الضّباط.
أمر الملازم أوّل، من يحضر له، كبلاً رباعيّاً، وفلقة من خشب غليظ وحشن، ذات حبل متين، أغلظ من اصبع الإبهام
.. ودفع بيده القوّية، (حكمت) الذي وقع من تلقاء نفسه، على الأرض، ثمّ نادى على إثنين، ليرفعان له قدميه، ويمسكانهما.. و(حكمت) بصوته المخنوق، يهتف:
- سيّدي.. سيّدي.. أنا كنت أمزح.. مع رفاقي.
وصاح الملازم أوّل (خضر)، بصوت لا داع أن يكون هكذا عالياً، إلى هذه الدرجة:
- كنت تمزح يا قرد؟!.. والله لأجعلك تنسى المزح والضّحك.. ابن القحبة تريد أن يتوحّد (الأكراد)؟!.. ويكون لهم وطن واحد يجمعهم؟!.. مثل وطن اليهود؟!.. يا كلب.. يا حقير.. يا (منيك)
.. يا خائن!!.. لعنة الله عليك، وعلى أبوك الذي خلّفك.
وكان الكبل الرّباعي الأسود، ينهال على قدميَّ (حكمت)، الذي يتوجّع بضراوةٍ، ويحاول إخراجهما من الفلق، الملتفّ على قدميه، مثل الأفعى، والشّخصان
اللذان يمسكان بالفلق، كانا يشدّانه بقوّة حتّى لا يقعان، أو تملص قدميه منه.
- يا سيّدي..دخيلك.. أبوس رجليك أعفي عنّي.. أنا أخطأت، ومنك السّماح يا سيّدي.. كرامة لله، وإلى سيدنا محمد.. ياسيّدي أنا شاب يتيم،استشهد أبي في حرب (تشرين)، واستشهد عمّي بحرب (حزيران)، وقتل أخي بأحداث (الإخوان المسلمين)، منذ أشهر.. وأنا المعيل الأكبر، لأمّي ولأخوتي الصّغار.. وإن كنت لا تصدقني، إذهب إلى (القامشلي) واسأل عنّي.
كلّ هذا الكلام، ولم يشفع (لحكمت)، صراخه، ولا توجّعه، ولا تأوّهه، أو توسّلاته، أو وترجّيه، ولا بكاءه الحاد، أو دمعه الغزير ، والدّم المتفجّر من قدميه، وغياب الوعي عنه، وإغماءه، وإشرافه على الموت.
كانت عدد الضّربات، التي تلّقاها بواسطة الكبل، على قدميه مائة وعشرين ضربة، أنا قمت بعدّها.. هذا دون أن أقوم، بعدّ الضّربات، التي كانت تأتي على جوانبه، أو بطنه، أو وجهه، أو كتفيه، أو رأسه، أو ظهره، أو على خصيتيه، أو فمه، أو، أو، أو.
كنت، ومعظم الزّملاء، في الدّورة، نبكي بلا دمع، بلعنا دمعنا، من شدّة خوفنا، كنّا نتألّم، ونتوجّع، ونتضرّع لله أن يتوقّف عن معاقبته.. لكن من دون جدوى.. وحين أغمي على (حكمت) وفقد وعيه.. طلب الملازم أوّل، إحضار ماء من الخزّان الموجود في السّاحة.
وبعد أن رشوه بالماء، حتى استعاد (حكمت) وعيه.. أخذ الملازم أوّل
(خضر)، المرهق، والمتعب، واللاهث، والمتعرّق، والمحمرّ الوجه، والسّاخط، والغاضب، والحاقد، يخطب فينا، موجهاً كلامه إلى (حكمت)، الذي فاق من غشيّته، وهو معفّر بدمه، المتدفّق من فمه وأنفه، والمنبعث من قدميه المحمرتين، والمتورّمتين:
- بدل أن يشكرنا، هذا الكلب، الخائن لأنَّنا، تركناه هو وأهله، وأبناء جلدته، يعيشون فوق تراب،هذا الوطن العظيم، وكان تعاملنا معهم، معاملة أخويّة، وفي منتهى الطّيبة والإنسانية، سمحنا لهم بدخول مدارسنا، وفتحنا لهم دروب المعرفة والعلم، وتمّ تعينهم في أكبر المؤسّسات،والشّركات، وقبلناهم رفاقاً في (حزب البعث)، وأفرعة الأمن، والشّرطة، وسمحنا لهم شرف، أن يخدموا معنا، في الجيش العربي السّوري ، ويريد هذا السّافل، أن يعيش في دولة (كرديّة) مستقلّة!!.. إنّه والله يستحق الموت، على قذارة فكره، الإنفصالي، والعنصري، والمتخلّف.. وأنا لن أسمح عنه.. ولن أسامحه.. فمن منكم يريد مسامحته؟!.. إن كان فيكم أحد يشفق عليه، ويطالب بمسامحته، فليرفع يده، ويخبرني، قولوا لي.. لا تخافوا، من منكم، عنده مثل هذه الشّجاعة؟!.. قولوا.. ارفعوا أياديكم، فأنتم في أمان.
لم يرفع يده منا أحد، ظللنا جامدين، واقفين تحت أشعة الشّمس، نحترق بصمت وصبر.
تذكّرت صديقي (مصباح) الكردي، المثقّف، والمفكّر، وقلت في داخلي:
- معك حق صديقي،أن تؤمن بالشّوعيّة
وصاح الملازم أوّل (خضر):
كم (كردياً) عندنا، في دورة الأغرار بيننا؟.. تعالوا إلى هنا.. اطلعوا، وانصفّوا أمامي.
خرج إليه عدد ليس بالقليل، يزيد عن الخمسة عشر شخصاً، أدّوا له التّحيّة العسكريّة، ووقفوا أمامه، قرب
(حكمت).
سألهم بتهكّم.. هل أنتم أيضا مثله، يا خنازير؟!.. جاوبوني بشجاعة.. هل يسمح لكم خيالكم، بالتّفكير، أو في الحلم، أن يتمرّد، وأن يثور، وأن يفكر بإنشاء وطن موحد، كما فعلوا اليهود؟!.
لم يرد منهم أحد.. ظلّوا على صمتهم.
قال لهم:
- أليس (صلاح الدّين الأيّوبي) بأفضل واحد منكم؟!.. لماذا لم يفكر بتأسيس دولة كرديّة؟!.. هل تعرفون لماذا.. أنا أقول لكم.. لأنّ (صلاح الدّين الأيوبي)،
كان يفضّل أن ينتسب للعرب، لأنّ في هذا مصلحته، ومصلحت أهله.
- والآن.. من كان منكم، من يخالف، هذا الحشرة الرّأي.. فليأتي، وليبصق عليه، ويركله بقدمه.
ثمّ حدّق بهم بقوّة.. وزعق:
- هيا يا كلاب.. نفّذوا أوامري.
كان الصّفّ ضبّاط، واقفين بلا حركة تصدر عنهم، يتفرّجون مثلهم مثلنا..
يطرقون بنظراتهم نحو الأرض.
ببطء، وخوف، وحذر، وتردّد، وعلى استحياء منهم.. تقدّموا برتلهم، نحو (حكمت)، الرّاقد على الأرض.. وبدأ أوّلهم بالبصاق عليه، ومن ثمّ بركله في
خاصرته.. فصاح به الملازم أوّل:
- أبصق بقوّة يا حيوان.. واجعل بصقتك كبيرة، تغسل له وجهه.. ثمّ لتكن رفستك، مثل رفسة (الجحش)، عنيفة تبعج له خاصرته.. ومن سيعمل بغير هذا.. قسماً لأضعه إلى جواره، وأطلب من الجميع، البصاق عليه ورفسه أيضاً.. هيا أعد ما أمرتك به.. ونفذ.
جاء (حاجب) قائد الدّورة، أخذ التّحيّة
للملازم أوّل، وقال:
- سيّدي.. سيادة الرّائد (عاطف)، أرسلتي أناديك.
حينَ ذهب الملازم أوّل (خضر)، اقتربوا
من (حكمت) عناصر الصّفّ ضبّاط، وأخذوا يتأسّفون عليه، ويلومونه على فعلته، بقولهم:
- الله يصلحك.. ماذا فعلت بنفسك؟!.. هذا الملازم أوّل، هو ضابط أمن الدّورة، وأنت أوّل، من وقع تحت يديه، يريد أن بؤدب الدّورة بك.. ادعو ربك، ألّا يسلّمك للمخابرات العسكريّة.
عندما عاد سيادة الملازم أوّل (خضر)،
عاد إلينا صمتُنا أيضاً وخوفنا، كما ابتعدوا، عناصر صفّ الضّباط، من جانب (مدحت)، الذي ما زال الوجع عالقا به، ولم يبرح جسده، نظر إلينا بعدوانيّة، مريعة ثمّ أشار إليّ بيده، قائلا:
- تقدْم.. نحوي شاعرنا الألمعي.. فأنت مثقف هذه الدّورة الغبيِّة.
خرجت من بين الصّفوف،وقلبي مرتمي منّي على العشب الجاف، وحلقي طافح بالمرارة والتّراب.. دنوت منه، وأدّيت له التّحية، بتلعثم، وارتجاف.
- شاعرنا الفذّ.. شاعر عروبتنا المجيدة، أريدك أن تنشدنا شعراً، على هذا الخائن
الكلب.
قلت باضطراب ودهشة:
- أنا سيّدي؟!.
- نعم أنت.. كم شاعراً عندنا، في هذه الدّورة؟!.. هل يوجد غيرك؟.
تضاعف خوفي، وارتباكي، وقلقي وحيرتي.. فهمست مستغرباً:
- ماذا أقول سيّدي؟!.. أنا أكتب قصائد
عن الحبّ فقط.. ولا أجيد غير ذلك.
هتف.. بفرحة وسعادة.. وكانت بسمته قد بدأت تخطر، على شفتيه:
- عظيم.. هذا ما أريده منك الآن.. أنظم
لي قصيدة عن الحبّ.. حبّ الجندي لوطنه.. ولقائد هذا الوطن المبارك.. ليسمعها هذا الخائن.. الإنفصالي.
أنا في قمة دهشتي، في ذروة ارتباكي،
في أعلى درجات الخوف، في مرتفعات
موتي.. رباه!!.. هل سينقلب الدّور عليّ؟
ماذا أفعل؟!.. ماذا أقول؟!.. من ينقذني
من هذه الورطة؟!.
- سيْدي.. أرجوك.. أنا لا يمكنني أن أقول شعراً، في هذه الحالة.. أنا في غاية الحزن والألم، على زميل لي أخطأ
، أراد أن يمزح كعادته.. لكنّه أخفق، وورّط نفسه بمشكلة، لم يكن يقصدها.
صعق الملازم أوّل، من كلامي هذا،
الذي لا أعرف من أين انبثق، وخرج من
فمي، المقطّب بمسلْة الخرس.
- ماذا تقول يا شاعرنا؟!..أتدافع عن رفيقك؟!.. أأنت متعاطف معه إذاً؟!.. وأنا الذي كنت أظنّك، أكثر واحداً من بين رفاقك، غاضباً من هذا الحقير!.
- سيّدي.. أنا لست متعاطفاً معه.. ولكنّي أشفقَ عليه، من ورطة، أوقع نفسه بها، وهو يظن نفسه، يمزح.
لم يعد بإمكان الملازم أوّل، أن يستمع إليّ ويحاورني.. بدا عليه الإزعاج، والغضب، ونفاذ الصْبر.. فصرخ:
- أقسم بالله.. إن لم تقل لنا قصيدة، سأضعك جنبه، وتنال منا ما سيناله، من حفل تكريميّ.. هيا اشحن قريحتك وأسمعنا.. وتعال إلى هنا.. لتقف أمام جميع رفاقك.
قلت بنزق اليائس، والمحكوم عليه بالإعدام، وأنا أرمق حكمت المدمى الوجه والقدمين:
- لكن يا سيدي.. لم يحدث أن أجبر شاعر على قول الشعر، في وقت تخونه
الكلمات!.
صاح:
- هذا إنذار أخير مني لك.. اقترب إلى هنا.
خرجت مرغماً من بين الصّفوف، وذهبت لأقف قربه لمواجهة الجميع.. وتذكّرت يوم أجبرني ذاك الضّابط، عند مفرق بيتي، في (صلاح الدّين)، عند سور الحديقة.. على تأليف مقطع شعري، في مديح السّيد الرئيس.. وبدأت أحاول تذكر ذلك المقطع، لأتلوه الآن، مدّعياً أنّني إرتجلته الآن.. ولكن كيف سأتذكره، وأنا لم أحتفظ به؟!.. ولم أكتبه على دفتر أشعاري.. لأنِّي لا أعترف به، وأخجل أن أقوله أمام أحداً،
ولهذا ظلّ سراً، بيني وبين نفسي.
كانت عيون الجميع تنظر إليّ، بما فيهم
ضبْاط الصّفّ، و(حكمت) أيضاً.. وعلى رأسهم الملازم أوّل، الذي ملّ من انتظاره لي.. وفجأة، برقت في ذهني جملة شعريّة.. فأشرت بيدي إلى الأرض المتشقّقة من شدّة العطش، وقلت:
- بدمي كتبتُ عنّها
وملأتُ الدّفاتر
بدمي أصنها
من كلّ ريح غادر
أحمي حمى حماها
وأردي نفسي بالمخاطر
أنا العربي الثّائر
أنا البعثيّ القادر
مهما أغووني بالنّفط
لن أتاجر
ومهما حاصروني
لن أهاجر
حركة التّصحيح صنع يدانا
والتّصحيح غنوة كلّ شاعر
حافظ لا يستكين
لا يهاب الجرح
ولا السْكين
وإن تكالب الطّغاة
بالتّكاثر
سيبقى صدره بالنّصر عامر
يهتفُ النّصر
أو المقابر
ومن خلفه كلّ الشّعب
ثائر
يجزل الدْم
وفي سبيله
لا يهمه الموت
ولا فداحة الخسائر
حافظ سيّد الوطن
والوطن بعطائه
زفّ لنا أعظم البشائر.
موجة قَويّة، من التّصفيق الحاد، باغتتني، وأرعبتني.. وارتسمت على وجه الملازم أوّل ابتسامة بحجم شوك الأرض.. وكذلك كان التّصفيق عالياً، من جهة ضبّاط الصّفّ، وحتّى نظرات (حكمت) الباكية، كان فيها بريق ولمعان.
سأحتقر نفسي كثيراً، وأبصق على ذاتي مطوّلاً، وألعن موهبة الشّعر مدى العمر.. يا الهي!!.. أنا أنافق رغماً عنّي.. يا خجلي منك يا صديقي (مصباح).. ويا (حكمت).. ويا وطني.
قال الملازم أوّل، وهو بعد، فاغر فمه بالإبتسام، ونظرات السْرور:
- أحسنت يا شاعرنا (شادي).. لك منّي أجمل هديّة.. فطلب ما تريد.
قلت.. وقد سنحت لي الفرصة.. عساني أستطيع، مسامحة نفسي:
- سيّدي.. إن سمحت لي.. عندي طلب واحد.. لو تكرّمت.
قال، وقد إلتفّ حولنا ضبّاط الصّفّ، اللذين غمروني بنظرات الإعجاب:
- تفضّل شاعرنا.. ما هو طلبك؟.
قلت بجرأة:
- (حكمت) سيّدي.. أرجو منك أن تسامحه، وتعفو عنه.
مصطفى الحاج حسين.
إسطنبول
من رواية: (بين أنياب الموت).

الثلاثاء، 2 يوليو 2024

مجلة وجدانيات الأدبية (( الفضاء المفتوح )) قصة قصيرة بقلم الكاتبة / ليلى عبدلاوي / المغرب




ليلى عبدلاوي (المغرب)
الفضاء المفتوح(قصة قصيرة)
بنظرة خاطفة تفقدت سعاد الوقت على شاشة هاتفها،هاهو موعد الرحلة يقترب، تشعر أنها قلقة و توترها يتزايد.
ارتدت ملابسها على عجل،مررت المشط على شعرها،تزينت قليلا،ابتسمت لصورتها في المرآة وهي تستحضر تأفف والدتها من خصلاتها المصبوغة،نثرت رشات من زجاجة العطر على أطراف جسدها في سخاء.
أطلت من النافذة،ظلال العتمة تزحف ببطء على جنبات الحي،اجتهدت في أن تغادر البيت على أطراف أصابعها.
وهي في طريقها إلى الباب دمعت عيناها حين لمحت والدتها منهمكة كاالعادة في إعداد وجبة العشاء استعدادا لعودة والدها من المسجد.
مسحت الدمعة وبحذر شديد،سحبت الحقيبة من وراء الباب حيث كانت قد خبأتها بعيدا عن الأعين،عجبا! تبدو أثقل مما كانت تتصور.
هبطت السلم بخطى بطيئة ودقات قلبها تتسارع.
سمعت صوتا خفيا يتصاعد من داخلها:
"ماذا تفعلين يا حمقاء؟أواثقة أنت أنك لن تندمي؟"
صمٌت أذنيها عن الصوت،لوحت بيدها إلى سيارة أجرة قادمة من بعيد:
-المطار من فضلك!
تعمدت ألا تلتفت التفاتة وداع واحدة لهذا الحي العتيق الذي ولدت وترعررت فيه ولهت في دروبه لسنوات.
نظرات السائق المتكررة إليها من المرآة العاكسة وهو يتمايل على إيقاع أغنية شعبية رخيصة تثير أعصابها وتزيد من حدة توترها.
وهي في المطار، شعرت أن صفوف المسافرين طويلة جدا وأن ملامحهم جامدة،قاسية.
وهي تقترب من مكان تسجيل الحقائب،سمعت دقات قلبها تتسارع وتدق بشدة،لم تكن تعرف عن بروتوكولات المطارات شيئا لكن لا بأس،ستتصرف كما ترى الآخرين يتصرفون.
هدأت قليلا،الكل منشغل بأمتعته ووثائقه ولا أحد يلتفت إلى وجودها أساسا.
مرقت من بوابة الدخول،ها هو السؤال المؤرق يلح من جديد :
"ماذا لو أترك هذه الحقيبة الثقيلة هاهنا وأعود أدراجي الى بيتنا قبل فوات الأوان؟"
طأطأت برأسها،تخيلت السيناريو الذي ينتظرها هناك،والدها سيشبعها ضربا مبرحا،ستسجن لأيام لايعلم عددها إلا الله،ستبكي ماشاء الله لها أن تبكي،لكنها على الأقل ستنعم بالأمان.
أحست بسكين حاد يمزق أحشاءها:
-"عن أي أمان تتحدثين يا بلهاء؟
وضعت يدها على بطنها،تحركت أحشاؤها كما تحرك الجرح في ثنايا قلبها،دمعت عيناها،تساءلت إلى متى ستستمر هذه الملابس الفضفاضة وهذا المنديل الطويل في إخفاء المستور؟
الصوت الانثوي يتردد عاليا في جنبات المبنى العريض:
-نرجو من السادة المسافرين إلى اسطنبول الولوج عبر بوابة الإركاب رقم ثمانية.
غصت بريقها،هاقد آن الأوان.
نظرت إلى البوابة الزجاجية العريضة،رأت فيها مدخلا إلى عالم مجهول لكنه حر،يناديها،ينتشلها من حياة الذل والعار التي تنتظرها لو هي فضلت البقاء في الديار.
حركة الإقلاع تصيبها بالدوار،عيناها وجلتان لاتكادان تستقران على مكان،تقضم أظافرها بإصرار،يعلو حديث الركاب.
بجوارها يجلس رجل عجوز تجاهلهابقوة،يصر على تأمل كثبان الغيوم من النافذة،تمنت لووافاها الحظ وجلست في مكانه لتلقي بهواجسها إلى الفضاء المفتوح.

الثلاثاء، 25 يونيو 2024

مجلة وجدانيات الأدبية (( القرد والخنازير )) بقلم الكاتب / عبد الكريم علمي ــــ الجمهورية الجزائرية



قصة قصيرة: القرد والخنزير

كان أحد سفهاء طائفة الخنازير ثرثارا ونَمَّامًا لم يسلم منه أحد، وحتى ملك الغابة ناله نصيب من كلامه السَّيِّء الجارح، ولا أحد من أمة الحيوان يُحبه أو يتحدث إليه، فالجميع يُبغضه ويتجنبه، إلا قردا منبوذا من طائفته، فكانا صديقين وحليفين، وحتى ملك الغابة لما وصله خبره وكان في مغارة حُكمه مُمَدَّدًا يستمتع بقيلولة في يوم قائظ، وبعد تناوله لوجبة دسمة، فإنه ما اكترث لهذا ولا أبدى اهتماما، أو ألقى للأمر بالا، ولا ظهر عليه توتر أو انزعاج، بل استدار على جنبه الآخر وراح يغط في نوم عميق، مع شخير مُدَوٍّ يَهُـزُّ الأرجاء، وأصوات منتنة مرعبة تخرج من بطنه.
لما رأى الخنزير أن لا أحد يُحبه ويحترمه، حـزَّ هذا الأمر في نفسه كثيرا وأزعجه، وعزم على المُناكفة والمُشاكسة لكل مخلوقات الغابة، بكل ضراوة وشراسة وعنف، وأن يكيد مع صديقه لكل أهل الغابة، بإكالة التهم الزائفة لهم وبتلفيق الأخبار المُغرضة، بغية الفتنة والوقيعة بينهم، وكان أن سأل القردُ الخنزيرَ في بداية صداقتهما، عما سيقوله للذين سيسألونه عن مدى وجاهة علاقته به، لأنهما جنسان مُتمايزان من طائفتين مختلفتين، أجابه: لا تقلق بشأن ذلك ولا تكترث، قل لهم إنك خالي وأنني ابن أختك، وستُكفى فضولهم وتساؤلاتهم وانتقاداتهم، فقال القرد: هي فكرة ربما تكون مُجدية، ولكنهم سيستهجنونها وسيسخرون منها ومِنَّا لأنها غير منطقية، فَرَدّ الخنزير: عندما تكون أفعالك غير منطقية، فتبريرها سيكون غير منطقي كذلك، ولذلك دعك من منطقهم واهتم بمنطقنا نحن.
كانا يلتقيان يوميا، وعملهما النَّميمة والفتنة والوقيعة بين الخلق والتعـرُّض للحرمات، والوقوع في الأعراض وتقطيعها، دونما خجل من نفسيهما أو خوف أوحياء من أحد، وكل المخلوقات تُبغض هذا الخنزير النَّجس وخاله القرد الدَّعي، وإذا ما رأوا الخنزير سخروا منه واستهزأوا وقالوا: هذا ابن أخت القرد، وإذا ما رأوا القرد قالوا مُتهكمين ساخرين: هذا خال الخنزير.
مرَّت أعوام وهُمَا على هذه الحال، وذات يوم من الأيام وبينما كان الخنزيرُ نائما يستمتع بقيلولة أراد خاله أن يمازحه، فَعَلَاهُ وتَبَوَّلَ على جبهته ووجهه وأنفه، فاستيقظ ابن أخته مرعوبا، وهو يقطر بَوْلًا من أعلى رأسه إلى أسفل أرجله، فغضب واستشاط، وأرغى وأزبد، وأبرق وأرعد، وأمطر خاله شتائم وإهانات، وهَـمَّ أن يبطش به لولا تدخل بعضهم، الذين حالوا وحجزوا بينهما، كل ذلك على مرأى ومسمع من جميع مخلوقات الغابة، وافترقا على خصومة شديدة نتنة، وانتهت بذلك قصة القرد الخال، وابن أخته الخنزير النَّجس الضَّال، وانتهت علاقتهما الممسوخة المشبوهة الملعونة بالقطيعة والعداء، واستراحت الأمة من كيدهما وشَرِّهِمَا.
أصبح للقرد أصحاب جُدُد من قرود على شاكلته، سألوه لماذا تَبَوَّل على رأس وجبهة ووجه وأنف من كان يقول عنه ابن أختي؟ وما حكاية الخال وابن أخته الغريبة هذه؟ ومن اخترعها؟ فأجابهم: في الواقع أنا لمَّا فعلتُ به الذي فعلتُ، كنتُ وقتها عازما على أن أفعل به شيئا أشدَّ وأقذر من هذا، ولستُ أدري لماذا عدلتُ عن تلك الفكرة للأخرى، لقد كرهتُه وأبغضتُه، إنه لا يصلح لشيء أبدا، واستمرار علاقتي به سابقا كل تلك الفترة، لأن طبعه ومزاجه وافقا طبعي ومزاجي، وهواه طابق هواي، وأخلاقي انسجمت واتفقت مع أخلاقه، كنا نستمتع بالذي كنا فيه، ولكن رغبتي في إهانته والحطِّ منه، كانت مُتأجِّجَةً في داخلي بشكل رهيب، لقد كنت أظن في نفسي أن لا أحد في هذه الغابة يغلبني في الخِسَّة والنَّذَالة، والسَّفاهة والوقاحة، والسَّفالة والرَّذالة، والفتنة والنَّميمة، والوقيعة بين غيري أكثر مِنِّي، كنت أرى نفسي أحق من الشيطان في تَبَوُّءِ عرش العُهر والفُحش، إلا أن هذا الخسيس الدَّنيء، وجه البُؤس والنَّحس والنُّكس، ووجه التعاسة والخساسة، ووجه الهم والغم، تَفَوَّقَ عليَّ في كل ذلك، ودائما يتفاخر أمامي أن لا أحد أنذل ولا أرذل ولا أنجس ولا أفجر منه في هذه الغابة، فتحسَّستُ من ذلك وأصابتني غيرة شديدة منه، إذ أحسستُ نفسي تابعا له في كل شيء، ودائما تكون أفكاره وخُططه هي الأفضل والأنجع والأتم، لذلك قررت أن أنتقم لنفسي منه، وأُهينه أمام كل الخلائق ليضحكوا منه، فيحس بالخزي والصَّغار، وأشتفي أنا في نفسي.
وأمَّا عن حكاية الخال وابن أخته، فهو من اخترعها وأشاعها وسوَّق لها، وأما عَنِّي فأنا في نفسي أمقته وأبغضه وأتقزز منه ولا يُشرفني، ولا أتشرف أن أكون له خالا، فهو أكثر انحطاطا وخِسَّةً وفجورا مني، ومن أيِّ خسيس وفاجر ومنحط وملعون رأيته أو عرفته في حياتي.
وأما الخنزير وبعد أن صار وحيدا، فقد هام على وجهه في البراري، يبحث عن رفقة جديدة بين خنازير من أمثاله، بعد فشل تجربة صداقته مع القرد، إلا أن كل الخنازير رفضته وعافته، لأنها ترى أنه عارٌ على أمة الخنازير أن يكون خنزير مثله ينتمي إليها، للذي شاع وعُرف عنه من فجورٍ وخِسَّة، ورذالة ونذالة، فاقت كل التوقعات والتصورات، وأربت على كل خساسات الخنازير ونذالاتهم، وأنه هيهات أن يكون خنزيرا سويا كبقية الخلق من الخنازير الأخرى.
لما وصل خبر حكايتهما إلى ملك الغابة بعد خصامهما وعداوتهما، فإنه ضحك كثيرا هو وقائد جنده، وقال متهكما متشفيا: إن كل علاقة وتحالف بين قرد وخنزير، فحتما تكون نهايتها بول على الرأس والأنف والجبين، ثم سِبَابٌ وشتمٌ ولعنٌ وصفعٌ ولطمٌ مُهين، وعضٌّ دامٍ مبرح مشين، هكذا دائما تكون عاقبة صداقة التافهين الوقحين، فلا علاقة تدوم ما لم تكن متوازنة ومتجانسة، من حيث تقارب وتشابه المزاج والطبع وطريقة التفكير، وإلا فمحكوم عليها بالانهيار والسقوط والفشل.
بقلم: عبد الكريم علمي
الجمهورية الجزائرية

السبت، 25 مايو 2024

مجلة وجدانيات الأدبية (( فلسطين بقلوب العالم )) بقلم أ. د. محمد موسى


القصة القصيرة

فلسطين بقلوب العالم

هذه حكاية تخالف كل المعتقدات السائدة ، أن الأب الدكتور أو الأم الدكتورة يجب أن تصبح الأبناء مثلهم ، فنحن أمام أب وأم ليس لهم من التعليم نصيب ، وأنجبا تسعة من الأبناء "دكاترة" ، أي ليس أطباء فقط بل هم أطباء ويحملوا درجة الدكتوراه ، وكلهم يعملون في الجامعات الأمريكية إما أساتذة أو عمداء ، أسرة من بعد هزيمة ١٩٦٧ هاجروا من فلسطين إلى أمريكا ، وعمل الأب والأم حتى يحققوا للأبناء القدر اليسير من ضروريات الحياة ، ولما أخلصوا بارك الله لهم في الأبناء ، ودخلوا كلهم بالتناوب كليات الطب بمنح تفوق ، وتقدموا سنة بعد سنة والجميع من حولهم مبهورين بتفوقهم ، وعملوا بالجامعات ، وفي إحدى الأيام جاء تليفون للأب العجوز من إحدى محطات التليفزيون التي علمت بقصة هذه الأسرة ومواقع الأبناء التي وصلوا إليها ، وطلبت المحطة إجراء مقابلة معه في حضور الأبناء التسعة مقابل مبلغ كبير من المال ، ووافق الأب وأتصل بالأبناء حتى يتحقق اللقاء بهم عنده ، ولما علم بأن كل منهم مشغول وله إرتباطات ، ظل يلح عليهم لعدة أيام حتى تحقق اللقاء بينهم جميعاً ، وجاء التلفزيون وبدوا الحوار ، كان معد البرنامج قد جعل اللقاء يعبر رحلة الكفاح ، وإظهار الدور الإجتماعي للأباء لتسهيل مسيرة الأبناء وتصوير مدى الأصرار في الحياة لتحقيق هذه النجاحات ، ولكن تغير مسار اللقاء من حماس الجميع للكفاح الدائر الأن رغم كل الخراب في فلسطين ، ولم يركزوا على مرحلة كفاح الأباء والأبناء ، ويصبح موضوع اللقاء كفاح شعب ، أثبت أن الحياة لن تشغله عن قضيته ، حاول مذيع اللقاء تحويل الكلام كما أعده المعد ، ولكنه يجد نفسه محاصر بإحدى عشر فلسطيني يصروا على تأكيد الحق الفلسطيني ، ورفض تبرير الظلم ولي الحقائق ، والغريب أن جامعات التسعة أساتذة مشتركين في إضراب تأيداً لكفاح الشعب الفلسطيني ، وكان من ضم المشاركين طابة وأساتذة من يهود ليسوا صهاينة وعلى أعناقهم الكوفية الفلسطينية ، فإذا بالمذيع يقول شعب بهذا الإصرار رغم كل ما نرى من التضحيات والظلم من حوله لا يضيع حقه وأنهى الحلقة.

ا.د/ محمد موسى

جامعات أمريكية تتظاهر لحق فلسطين

الخميس، 23 مايو 2024

مجلة وجدانيات الأدبية (( القرد الإله )) بقلم الكاتب / عبذالكريم علمي ـ الجمهورية الجزائرية





قصة قصيرة: القرد الإله.
... ولأن الغابة خلت من الفُحول، ويسكنها الحمير والبغال والخنازير والقرود، والعنز والبقر والأرانب والدجاج وخشاش الأرض، وكل الحيوانات الضعيفة...، فقد أصبحوا نَهْبًا للحيوانات الكاسرة من الضِّباع والتماسيح، والنمور والفهود والذئاب، والكلاب البَرِّيَّة الضَّالَّة... .
ولأن الوضع في الغابة استحال أن يُطاق ويُحتمل، فإن بقرها وحميرها وبغالها وقرودها وخنازيرها...، اجتمعوا وتدارسوا وضعهم وحالهم، وقرروا البحث عن أسد يحكمهم ويحميهم ويقودهم، بحثوا كثيرا وفي كل غابات الدنيا، وكل الأسود التي تواصلوا معها رفضت العرض، وحُجتهم أنهم يأنفون ويتقززون أن تكون رعيتها الحمير والبغال، والخنازير والقرود، والبقر والعنز وخشاش الأرض... .
فقرروا بعد استحالة رجائهم ورغبتهم، أن يُعَيِّنُوا ويُنَصِّبوا حاكما عليهم من أنفسهم، إما قردا أو خنزيرا أو حمارا أو بغلا أو عجلا من البقر...، وبعد مشاورات حثيثة ونقاشات عديدة عقيمة لأيام عديدة، اختلط فيها النهيق بالشحيج، بالخوار، بالقحقحة، بالثغاء، بالصراخ والصِّياح، مع مصادمات عنيفة دامية بالرَّكل والعَضِّ، والنَّطح والصَّفع واللَّطم...، ينتهي اجتماعهم دائما بهذه الصورة والكيفية.
استطاعوا بعد وقت طويل، وبعد أخذ ورد وشد وجذب، وعلى ما كان من أمرهم وحالهم، وعلى مضض من غالبيتهم، أن يُوَلُّوا قردا لهذه المهمة العظيمة، بعد أن توسَّم فيه بعضهم النباهة والفطنة والحذق والذكاء.
ولم تكد تمضي أيام قليلة حتى سامهم الخسف وسوء العذاب، واستعبدهم وأذلَّهم، وفرض عليهم الركوع والسجود له، وتقبيل يديه ورجليه والتمسح بشعر ذيله، وجعل حُلفاءه كل قرود غابات الدنيا وخنازيرها، وأينما كانوا وحيثما حَلُّوا وارتحلوا ليستقوي بهم، فزادوه رهقا، ولم يألوه خبالا.
انزعجوا في البداية من قرارات قردهم المعيبة المأفونة الذميمة، وتقززوا وتأففوا وأنفوا من سلوكاته الشاذة اللعينة، وأملوا انصلاح حاله واهتدائه، بعد أن أفتى لهم كبير دراويشهم أبو جحشان وزمرته من الحمير والبغال والخنازير والكلاب، بضرورة طاعة ولي الأمر العظيم المُهاب، وحُرمة عصيانه والخروج عليه مهما تكن الدواعي والأسباب، ولو جاهر بالمعاصي واقترف المخازي والآفات، جهارا نهارا دون خوف ولا رهبة من رب البريات، ولا استتار ولا حياء من جميع المخلوقات، ولو ارتدَّ عن دين الأمة بصريح إعلانه الواضح الذي لا لُبس فيه ولا التواءات، وبإجماع أهل الحل والعقد وكل الخلائق والبريَّات، وأنه مُطلق الصلاحيات، وإن عضَّ ظهرك وأكل ذيلك أو رِجْلَكَ أو ذراعك أو ما شاء فعل من منكرات ومُوبقات، ووجوب الخضوع والإذعان له هو أرفع وأعلى وأسمى القُربات والطاعات، وأنه لا يُذَمُّ ولا يُعاب، وإنما يُدعى له بالهداية والصَّلاح وسلوك جادة الصَّواب، وأن هذا هو المأثور عن أهل العلم من السَّلف الصَّالح بلا كذب ولا روغان ولا ارتياب، ومن يخالف فإن دمه حلال مُباح مهدور ولا يُستتاب، ويوم القيامة هو مُخَلَّدٌ في النار مع أشد العذاب.
لكنه لم يهتد ولم ينصلح حاله، ولا عاد إلى طريق الحق مثل غيره من الخلائق أو من أقرانه، بل ضل ضلالا مُبينا، واتَّبع خطوات الشيطان اللَّعين المَريد وكان ذليلا مهينا، فاستهان بالمقدسات، واستباح الحرمات، وأشاع الفواحش والمنكرات، ولم يعدل إلا في أمر واحد دون كل المسائل والأُقضِيات، إذ صيَّرَ الكل عبيدا له دون مراعاة لأحد أو استثناءات.
وبحكم العادة وطول الأزمان والأوقات، أعلن نفسه إلها وربا معبودا، فذلُّوا وخضعوا له تماما، رغبة ورهبة ولا كرامة، وعبدوه كما يجب أن يُعبد قرد إله، على رعية بلغ فيهم الذل منتهاه، ووصل فيهم الخزي إلى أقصاه.
بقلم: عبد الكريم علمي
الجمهورية الجزائرية

مجلة وجدانيات الأدبية (( الأبيضان )) بقلم الكاتب / ماهر اللطيف



الأبيضان
بقلم :ماهر اللطيف
كنت نائما ليلا صيفا حين زارني صوت في المنام وهو يقول بكل حزم وثبات وثقة في النفس، بنبرة حزينة وصوت نقي غزا أذني فجأة :
"وجدتني في معبد الحياة ذات يوم باكيا جراء هذا النور وهذه الوجوه التي لم أعتد بها ولم أعرفها سابقا،خائفا ومتوجسا من كل شيء بما أنني صفحة بيضاء ناصعة لا حبر على سطوري ومكوناتي، لا أدري من أكون ولماذا تواجدت هنا ولا هدفي أو غايتي أو غيرها...
سترت جسدي بسترات متعددة وتنحيت عن بياضي حين شرع القلم في تدوين أفعال القدر وأقواله وعطاياه وهداياه وابتلاءاته هو والزمن وكل من تقاطع معي أثناء مكوثي في هذا المعبد المقدس....
أكلت وشربت ، نمت واستفقت، تعبت وارتحت، جلست واستقمت، تعلمت وجهلت، بكيت وفرحت، نجحت وفشلت ، فعلت الشيء ونقيضه مثل نساك هذا المعبد ومتعبديه وزواره الذين يزدادون ويتناقصون في كل لحظة بما أن الصلاة هنا لا تنقطع ولا تتوقف البتة.....
انتعلت الخير، فرأيتني أنيقا وجميلا جمال ما ركبت في البداية قبل أن تتلاعب بي التضاريس والجغرافيا ورواد المعبد إلى أن بات نعلي ضيقا يعسر علي السير والثبات ،فغيرته بنعل الشر الذي تماشي وقياس قدمي إلى أن تسويت وأندادي وأصحابي وبقية سكان المعبد....
تغيرت وتلونت مثل الحرباء حينا، و ردمت رأسي في التراب كالنعامة حينا آخر ، واستسلمت حينا ثالثا ورضخت للواقع وقوته، وتحديت المصاعب والعراقيل حينا رابعا... ،فكنت كمصلي معبدنا المميز....
نعم، ركبت قاطرة الزمان والمكان وهي تجوب بنا زوايا وأركان معبدنا الذي لم يتغير تغيرنا العجيب في كل لحظة، فكانت تتجول بنا وتعلمنا ما يجب علينا تعلمه لتأمين غد أفضل ما دام زمن التعلم ممكنا، لكننا - في معظم الوقت - لم نتعلم ولم نستوعب الدروس رغم كثرة الفشل والسقوط والتقهقر وعدم الخشوع في صلاتنا في هذا المعبد....
فعلا، لم نراجع دروسنا ولم نعتبر، لم نخطط جيدا ولم نسع إلى تركيز أسس قوية وسميكة لبناء مستقبل صلب ودائم يقينا الوقوع في أتون الشيطان والنفس الأمارة بالسوء اللتين سترميان بنا في جحيم جهنم غدا والعياذ بالله....
لم نستمع إلى ضمائرنا وتأنيبها حين كانت حية ونقية، حين كانت تلعب دور الميزان والمحافظ على توازننا وتعقلنا وخشيتنا من غضب الله وعباده، لما كانت تعاتبنا على كل خطأ وزلة لسان أو عمل في غير محله...
لم نفهم كثرة تدخلها في حياتنا وحرصها على ردعنا وارجاعنا إلى الجادة حتى تسلم صلاتنا وتقبل في هذا المعبد الدنيوي قبل المعبد الآخروي، لم نحافظ على وازعنا الديني والأخلاقي ، وتهنا في بحار هذا المعبد الملوثة التي أنستنا أحيانا ربها وخالقها، فنسانا وقتل فينا كل حي وأولهم ضمائرنا التي كانت تقول لنا يوما ما - كما كنت أتذكر دائما طيلة مسيرتي وتعبدي في هذا المعبد - :
- اتق الله يا هذا، وعد إلى وعيك ما دام وقت التوبة قائما وممكنا...
- (غاضبا ومزمجرا) ما الذي فعلته حتى تراني شيطانا و تؤرقني وأنا بحاجة إلى الفرح واللهو والمجون....
- (وهو يذكر الله ويسبحه دون انقطاع) سأدعو لك الله وأطلب منه إعانتك على الهداية والتوبة والإقلاع عما تدمن من شر وطاعة عمياء للملعون وأتباعه من الإنس والجن....
وها إننا نرتدي الأبيض مجددا وقد تلوث بما عشته في هذا المصلى طيلة هذه المدة، أخرج من هذا المعبد ومن يعرفني يبكيني بكاء حارقا ويدعو لي الواحد الأحد عساه يرحمني ويغفر لي ما تقدم وتأخر، أخرج ولم أؤدي صلاة صحيحة وسليمة واحدة - في أغلب الأحيان - يكمنها أن تشفع لي بين أيدي الله غدا يوم الحشر العظيم.... "
فاستفقت مذعورا وقد تبلل جسدي عرقا وارتعد أيما ارتعاد ، وقد شعرت بالعطش والخوف والذعر، توضأت بعناية شديدة رغم وضعيتي النفسية والصحية، صليت ركعتي حمد وشكر في انتظار أذان الفجر، قبل أن أقرأ ما تيسر من القرآن الكريم وأسبح الله وأذكره كثيرا إلى أن اطمأنت نفسي وسكنت واسترجعت توازني ووعيي وضميري الذي كدت أئده لولا هذه الحادثة التي جعلت مني إنسانا آخر يعمل لدنياه كأنه يعيش أبدا ويعمل لاخرته كانه يموت غدا.