وأُغلقت أبواب الجنة
بقلم: ماهر اللطيف / تونس
الجميع ينعم ببرودة المكيفات حيثما كانوا في هذا الطقس الحار.
أما الأرض ومن عليها فكانت قاحلة، يابسة، لا أثر للحياة فوقها. حتى الطيور والحشرات والدواب وبقية المخلوقات عطشت، ذبلت، وشارفت على الموت...
ومع ذلك، كان "جيمس" يتجول بين الأنهج والطرقات، الأحياء والأزقة، يبحث عن فريسة جديدة يسلبها ما تملك في لحظات، ثم يلوذ بالفرار.
جيمس هو جمال الدين؛ ذاك الفتى الذي عشق جيمس براون وقلده في كل شيء، حتى أصبح الجميع يلقبه به. نشأ في عائلة محافظة، بسيطة الحال، لكنه اختار طريقًا آخر. انحرف شيئًا فشيئًا، واتخذ الجريمة مهنة له، حتى أصبح السجن محطة يعود إليها كلما خرج منها.
وهذه المرة كان قد غادره بعد أن قضى سنتين خلف القضبان إثر سرقته منزل أحد جيرانه.
كان يسير بلا إحساس بحرارة الشمس ولا قسوة الطقس. عيناه لا تبحثان إلا عن ضحية جديدة.
وفي آخر الطريق، لمح فتاة تمشي ببطء. كانت تمسح عرقها بيد، وتحرك الأخرى بحثًا عن الهواء. تتقدم خطوات، ثم تتوقف قليلًا، تخرج قارورة ماء من محفظتها، تشرب قطرات منها، ثم تعيدها.
راقبها للحظات، ثم التفت حوله. كان الطريق خاليًا.
لم يفكر كثيرًا. اندفع نحوها بسرعة، أمسك بمحفظتها بقوة وجذبها بعنف حتى سقطت أرضًا. صاحت، بكت، توسلت، وتشبتت بها، بينما اختلط الدم بعرقها وغبار الطريق.
قال بصوت هادئ رغم قسوته:
- اتركي محفظتك... وإلا قتلتك.
قالت وهي ترتجف:
- أرجوك... لا تفعل.
قاطعها بعنف:
- اصمتي! هاتي هاتفك، وما تملكينه من ذهب.
حاولت أن ترفع رأسها لترى وجهه، لكنه منعها.
قاومته بكل ما بقي لديها من قوة، حتى استطاعت أن تلتفت إليه.
تجمدت للحظة، ثم خرج صوتها مبحوحًا:
- جمال الدين؟
ارتبك.
لم يعرف كيف عرفته، فصرخ:
- لا تناديني باسمي! هل تعرفينني أيتها الوقحة؟
لم تجبه.
نهضت رغم ألمها، واجهته بعينين ممتلئتين بالخذلان، ثم صفعته صفعة دوّى صداها في المكان.
كانت صفعة أعادت إليه وعيًا غاب عنه بفعل الأقراص المخدرة.
بصقت في وجهه، وانهمرت كلماتها:
- تعتدي على أمك وتحاول قتلها أيها النذل؟! تريد قتل من سهرت عليك، وتحملت من أجلك الذل والإهانة، وعملت ليلا نهارا حتى توفر لك قوت يومك وتفتح لك باب الرجوع؟
بقي صامتًا.
نظر إلى الأرض، وكأنها أصبحت أرحم من النظر إلى وجهها.
تمنى لو أن الأرض انشقت وابتلعته.
اختفى جمال الدين منذ ذلك اليوم، ولم يُعرف له مكان مدة من الزمن، قبل أن يُعثر عليه مشنوقًا في شجرة من أشجار حقل مهجور خارج المدينة.