ترتيلٌ على الماء
أنا الآنَ..
محضُ ارتباكٍ قديمٍ
في فجوةِ العَدَم
أعضُّ على ناصيةِ
الوقتِ كي لا يفرَّ هباءً
أفتشُ في لغةِ الرملِ
عن أبجديةِ نجاتي الصعبة
وعن صوتٍ تشظّى في جِرارِ المدى..
كمن يزرعُ الريحَ في خاصرةِ العتمةِ
وينتظرُ من الرمادِ أن يتورّدَ
يا سادنَ الأسرارِ الموؤودةِ..
يا ماءْ
أتُراكَ تعرفُني؟
أم أنني ظلٌّ سقطَ سهواً
من حقيبةِ نبيٍّ مهجورٍ
يقايضُ ملامحه بحفنةٍ من صمتِك؟
أنا نصٌّ مُسربلٌ بالملح
لا يُقرأُ من مَيمَنةٍ ولا مَيسَرة
كلما حاولوا فكَّ طلاسمِه..
عَمِيَتْ أبصارُ التأويلِ
على وجهِ الموجِ أرسمُ
خريطةً لبلادٍ لم تُخلق
مدنٌ بيوتها من دمعٍ مجفّفٍ،
وشوارعها ضفائرُ
نساءٍ قتلهنَّ الانتظارُ الطويلُ
لا تسألني عن عمقي..
فالماءُ نفسه يُصابُ
بالدوارِ إذا حدّقَ في عينيّ
أنا التي ترتبُ فوضى
الغيابِ بابتسامةٍ شاحبةٍ
وتقولُ للموجِ
تأدّبْ..
أنتَ تطأُ سجادةَ حزني
هل جرّبتَ أن تكونَ فراغاً مُثقَلاً بالوَجَلْ؟
أن تكونَ النقطةَ التي تقعُ دائماً خارجَ السطرِ
والكلمةَ التي لا تجدُ فماً يتسعُ لثقلها؟
تلكَ أنا..
أطوفُ حولَ جرحي
كما يطوفُ المساءُ حولَ المآذنِ
أبحثُ عن خيبةٍ تليقُ بقدسيةِ الانكسارِ
أرتّلُ وجعي الآنَ..
لا بآياتٍ منمّقةٍ
بل بشهيقٍ يخدشُ حنجرةَ المدى
مباركٌ هو اليأسُ..
لأنه لا يخونُ
مقدسٌ هو الانكسارُ..
لأنه يعيدُ صياغتنا من ضوءٍ
طوبى للغارقاتِ..
اللواتي وجدنَ في القاعِ سماءً بديلةً
بيني وبينَ نفسي مرآةٌ شرسةٌ
كلما حاولتُ لمسَ وجهي..
دَمِيَ المعنى
والقلبُ صارَ مأوًى
لأجنحةٍ ظنت أنَّ اللهبَ ملاذٌ
أنا الغامضةُ كفكرةٍ لم تُولد بعدُ
العميقةُ كبئرٍ لا قاعَ لها..
سوى النحيبِ
سأتركُ شعري للريحِ
وأتركُ دمي يكتبُ السطرَ الأخيرَ
على وجهِ النهرِ
فلا عزاءَ لمن يراني..
ولا يُبصرُ غيابي
ولا مرسى يحتوي بحراً..
قررَ أن يغرقَ في نفسه
سينتهي كلُّ شيءٍ هنا..
حيثُ الماءُ ليس ماءً..
بل هو الوقتُ سائلاً
وحيثُ أنا..
لستُ أنا..
بل أثرُ خطوةٍ لامرأةٍ مشت فوقَ النهرِ..
ولم تبتلَّ إلا..
ذكرياتها
ما كنتُ يوماً سوى صرخةٍ..
تاهت في زحامِ الصدى
وما كانَ هذا الماءُ..
إلا دمعتي..
حينَ قررتْ أن تصيرَ أبديةً..
وتكفَّ عن الهطولِ
بقلم: ليلى رزوقة الجزائر

