هذيان الحبر
انزف أيها القلم
ما جادت به قريحتي
فما عاد في الصدر متسع للكتمان
إن نزفك ليس حبراً يراق على الورق
بل هو شظايا روحي
وما تبقى من عمري المشنوق
على حبال الأرق
انزف...
فما أنا إلا طفلة ولدت شائبة الحلم
تمشي على نصال الوقت حافية
وتحمل في حقيبتها
سماء مثقلة بالغيوم الرمادية
كلما قلت: "هذا الصباح لي"
سرقت الريح مفاتيح الفجر
وتركتني لعتمتي الأبدية
أيها الممتد بين أصابعي كخنجر ناعم
شق صمت المدى
فالأبجدية قاصرة
واللغة ثوب ضيق لا يسع جنوني
أنا لست كاتبة تصف الكلمات
لتُعجب العابرين
أنا أنثى تعجن الطين بالدمع
وتخلق من مقابر الخذلان...
ثورة وحياة!
إن نزفك يا قلمي
هو المرايا التي أبصر فيها وجهي الحقيقي
وجه الفتاة التي لم يعرفها أحد
التي تبكي بلا صوت
وتضحك بلا فرح
وتموت في اليوم ألف مرة
ثم تقوم كالعنقاء من الرماد
تعال نغص في لجة الغموض العميق
حيث الأسرار لا تقال
بل تُشم في رائحة الورق العتيق
مَنْ ذا الذي يفهم تراتيل العزلة في محرابي؟
مَنْ ذا الذي يبصر النور المخبأ خلف حجابي؟
يظنونني ضعيفة كنسمة صيف
وما علموا أن في داخلي عصفاناً يكتم أنفاسه
وبركاناً ينتظر الإشارة
انزف هذه المرة بلا رحمة
فالقلب قد فتقته السنين
وما عدت أملك ما أخسره سوى هذا الأنين
اكتب عن الشمس التي غابت ولم تعتذر
عن الحبيب الذي مر كالغريب ولم ينتظر
عن الوطن الذي نحمله في حقائبنا
وهو يطردنا
متاهات الحرف الراحل
النزف الأول
موت الخرافة وانبعاث الحقيقة العارية
النزف الثاني
صرخة أنثوية في وجه عالم متحجر لا يسمع
ذلك النزف الأخير
أن أمحو نفسي كي أعيش فيك
يا صاحب العمر الضائع
إن نزفك ليس مجرد حكاية تُحكى
إنه نشيد المقهورين
وعويل الأرواح الحرة التي رفضت
أن تُباع في سوق العبيد
أنا هنا بين السطور
أختبئ كسرّ مقدس
لا يصل إليّ إلا مَنْ ذاق طعم الملح في دمعه
وعرف كيف يكون الحب...
مشنقة وولادة
فاقطر يا قلمي حتى جفاف المنابع
فلن يموت الحرف ما دامت
في الصدر نبضة تقاوم
وما دامت هذه الفتاة...
تكتب بدمها، لا بالحبر
خاتمة السقوط الأخير
والآن...
حين انطفأت مصابيح الكلام
وتودعت الأصابع والحروف
أمسح عن جبين المدى غبار الحكاية
لم يبقَ مني سوى صمت يعج بالصخب
وقلم مطروح على جانب الوقت
كجندي مات في حرب لم يخترها
فمَنْ سيقرأ بعدي جهاد القريحة؟
ومَنْ سيلم نزفي إذا جف النحيب؟
تركت لكم الروح مسكوبة في سطر
ومضيت كالغريب...
حيث لا رجوع ولا صدى
بقلم ليلى رزوقة