الخميس، 20 أغسطس 2026

مجلةوجدانياتالادبية (( الكاتب سعيد نفّاع أيلول))(( العبد شرف بريء))

 العبد شرف بريء

**قصّة من المجموعة القصصيّة؛ القارورة الكنعانيّة الصادرة مؤخّرًا عن دار الأدهم – القاهرة.

** ومنها: "آمنتْ، لا بل قطعتْ أنّ كنّتها حامل بحفيد ذكر وسيحمل اسم جدّه الذي كان سقط قبل أشهر، ولم يكن يعرف أنّ كنّته حامل، في معركة "أبو شْريتِح" غرب معليا في أوائل حزيران الثمانية وأربعين، التي كان خاضها متطوّعو المنطقة كتفًا لكتف مع شباب السريّة اليمنيّة المتطوّعين في جيش الإنقاذ."

** القصّة الكاملة:  

عندما رُزق الياس وبديعة ببكرهما سميح لم تسع الدنيا الأسرة فرحًا، فهو المولود والحفيد الأوّل؛ ذكرٌ صبوحُ الوجه سليمُ الجسم. الفرحة الأكبر كانت من نصيب أمّ الياس التي دأبت أن تملأ الحارة روائحُ الثوم المحيوس، والقرفةِ المغليّة يتلاعب غليانها بحبّات الجوز البلدي التي كانت شالتها من تحويشة أيلول انتظارًا لحفيدها الآتي أواخر الخريف طبقًا لحساباتها وللتحقيق المعمّق الذي كانت أجرته مع بديعة، كنّتها، بعد أن رأت عليها العلامات وقبل أن تزفّ لها الكنّة الخبر.

آمنتْ، لا بل قطعتْ أنّ كنّتها حامل بحفيد ذكر وسيحمل اسم جدّه الذي كان سقط قبل أشهر، ولم يكن يعرف أنّ كنّته حامل، في معركة "أبو شْريتِح" غرب معليا في أوائل حزيران الثمانية وأربعين، التي كان خاضها متطوّعو المنطقة كتفًا لكتف مع شباب السريّة اليمنيّة المتطوّعين في جيش الإنقاذ.

وتروي أمّ إلياس، أن اليهود، بعد أن كانت سقطت الكابري، حاولوا احتلال معليا وترشيحا ولكنّ اليمنيّين وشباب المنطقة وأبو إلياس، وإن كان تخطّى الشباب، معهم، المهمّ أنّها تروي أنّهم هزموا اليهود وكبّدوهم عشرات القتلى والجرحى، وعلى ذمّتها قارب العدد على الثلاثين. وفي هذه المعركة والتي كانت هي الوحيدة التي عرفت أنّ أبو الياس ذهب حتّى يمنع من الياس ابنهما الوحيد الذهاب، وفيها راح أبو الياس لملاقاة ربّه وصار له "أجر" لم تعرف المنطقة مثيلًا له، ولم تعرف أمّ الياس أن تقول كم متطوّع من اليمنيّين راح في المعركة، رغم أنّ كلّ أهالي المنطقة يعرفون أنّه سقط منهم عدد دفَنهم رفاقهم في قبر جماعي قريبًا من أرض المعركة.

قطعتْ أمّ الياس بأنّ الربّ، تبارك وتعالى، سيرزقهم بسميح بدل سميح، قطعتْ لأنّ بديعة تميل إلى تناول المأكولات والأطعمة المالحة وكذلك المكسرات المالحة، وعليها تركّز وحامها. وأفضت بها تحقيقاتها مع كنّتها إلى أنّ الجنين حركته سريعة داخل الرحم، واعتمادًا على أنّ الجنين الولد أكثر نشاطاً وحيويةً من الجنين الأنثى، تعزّزت قناعتها.

وقد لاحظت أمّ الياس، أنّ وحامَ بديعة خفيف، وغيرَ مزعجٍ لها، ورغبتَها في تناول الطعام خفيفة، عكس الأم الحامل بجنين بنت، وكان وحامها تأخر ولم تشعر بالغثيان الصباحيّ المزعج المرافق لشهور الحمل الأولى. ولاحظت أمّ الياس أيضًا أنّ حمل كنّتها كذلك خفيف، وقد زادت حركتها ونشاطها، وكون الأم الحامل ببنت يكون نشاطها قليلًا وتحبّ النوم، حسب معرفتها، كلّ ذلك زادها قناعة أنّ الربّ العادل إن أخذ بيد يُعطي بالأخرى.

صحيح أنّ "سميح" وُلد وكثيرون من أهل بلدته الذين قرّروا لسبب ما أن يتركوا البلدة، بعد لم يُعرف مصيرهم، وكذلك الشباب الذين كانوا تطوّعوا مع جيش الإنقاذ أو الجهاد المقدّس، ومنهم "العبد شرف" والذي أشغل تركيب اسمه، عبد وشرف، قبل أن يشغل مجيئه الكثيرين من أهالي البلدة، وهو الغريب الذي حطّ فيها دون أن يفصح كثيرًا وهم لم يطالبوه بذلك ما دام حسَن السلوك. كان العبد شرف قد عمل أجيرًا بأجر الكفاف لدى كلّ من احتاج، قبل أن تستقرّ إقامته لدى المختار خادمّا مطيعًا باللّقمة وما يطلع من نفس المختار من قروش قليلة. العبد شرف هذا ويوم نادت البلاد أهلها للدفاع، لم يتوانَ وكان من أوائل من تطوّع لأحدى فرق جيش الإنقاذ وقد ذهب أعزل فما كان بإمكانه شراء بندقيّة ولا زوجة عنده ليبيع ذهبها لشراء بندقيّة، ذهب معتمدًا على جيش الإنقاذ أن يسلّحه أو يقوم بأيّ عمل خدماتيّ يُطلب منه، المهمّ أن يجاهد. ولولا ما صار مع العبد شرف ومع أمّ سميح ذلك الصباح الباكر لكان نُسي كغيره من المجاهدين الكثيرين الذين راحوا ولم يعودوا وبعضهم لم يُعرف لهم مكان دفن، هذا إن دُفنوا أصلًا. وانتصر اليهود بين مصدّق قليل وغير مصدّق كثير، وها هم جنودهم يجوبون أزقّة البلد عابثين يسألون كثيرًا دون أن يفهم عامّة الناس عن ماذا!

الحياة ستستمر انتصر اليهود أو لم ينتصروا، والخَبْز فيها سيستمر وأحسن ساعات الخبز في الصيف هي قبل أن يشق الفضاء العتمة، وكلّ ذلك كي لا تجتمع حرارة الموقدة وحرارة الشمس على الخبّازة. لكنّ لأمّ الياس كان قول آخر فكانت تقول إنّ يسوع له المجد كان مضى لتلاميذه في الهزيع الرابع ماشيًا على البحر، وهذا الوقت مبارك ويطرح البركة في الخَبْز. 

كانت أمّ الياس قد حضّرت "العَجْنة" وخمّرتها وملّحتها ولفّتها بأغطية دافئة عاملة الّا تترك للعجين متنفّسا. وراحت تكسر نعاسها معتمدة على ساعتها البيولوجيّة، طبعًا دون أن تفقه في البيولوجيا والساعة البيولوجيّة شيئًا، إذ أنّ العجين بحاجة لثلاث ساعات حتّى يخمر، وما زال أمامها ترويجُه وتقطيعُه ولتُّه في الطحين الذكري أو طحين البليلة قبل أن يبدأ الخبيز. كلّ ذلك أخذ من أمّ الياس كلّ الهزيع الثالث من الليل، وقبل أن تنهض بديعة أو تنهضها مع بدء شقشقة الفضاء أوّل الهزيع الرابع الأخير، وبعد أن تكون حمّت الموقدة تحت صاج الحديد الترشحاني بأعواد الشجر البريّ اليابسة، لتبدأ بديعة مشوارها وقد ناداها الصاج المُحْمرّ فوق هسيس الحطب المشتعل، فلبّت رغم أشهر حملها المتقدّمة تقاسمًا للمهام مع حماتها. 

اتّخذت بديعة مكانها جلوسًا على مقعد خشبيّ فوقه مخدّة عتيقة، وعلى يسارها الموقدة، ولجن العجين على يمينها فوقه الطارة، والمِرَقّة أمامها وتحتها صدرٌ نحاسي مليء بطحين البليلة. تتناول في يمينها قطع الخبيز لتبدأ برقّها على المرقّة بشكل دائري وما أن تستدير وتصير قرابة الشبرين قطرّا حتّى تأخذها بين يديها تلوحها بين ساعديها تناوبًا، إلى أن يصير القطر قدر ذراع وأبحّ فتلقح الرغيف على الطارة والطارة على الصاج ليصدر هسهسة مرافقة لرائحة العيش المحترق الطيّبة.

قبل أن يحمرّ الرغيف تكون قد تناولت قطعة العجين الثانية، وخلال رقّها تكون قد قلّبت الرغيف المحمّر على الصاج وبطريقة فنيّة تمنع احتراق الأصابع رغم سخونة الصاج، وما أن تنزعه واضعة إيّاه على صدر نحاسيّ حُضّر خصيصًا حتّى تكون الدائرة درات على غيره وهكذا دواليك، ودون أن تنسى بين الفينة والأخرى تحريك النار في الموقدة وتزويدها بالحطب حفاظًا على الحرارة المطلوبة للخَبْز منعًا لالتصاق الرغيف بالصاج من ناحية واحتراقه من الأخرى معرفة إحساسيّة قلّما تخيب.

كان الخَبْز في الخُشّة الطينيّة الملاصقة للدار، ولها باب يفتح على باحته وشبّاك يفتح على الزقاق الترابيّ المحاذي للبيت. وكانت كلّ حواس بديعة، بطبيعة الحال، مع الخَبْز فأيّ خلل في التركيز سيأتي بأثره السلبيّ على الأرغفة احتراقًا أو عدم استواء، وستسجّلها عليها حماتُها مثلبة، وهي التي عملت الكثير والطامحة ألّا تكون من أصحاب المثالب.

الجلبة التي يحدثها تجوال جنود اليهود في أزقّة البلد ليلًا صار أمرًا معتادًا ألفه الناس، لكن الجلبة التي سمعتها بديعة قريبًا من الخُشّة كانت أقوى وبدا لها وكأنّ كلمات بعربيّة مكسّرة تخالطها، حين أصاخت سمعها موقفة رقّ العجين. سمعت وقع خطوات ركض وصوت يقول: "وكّف... منكوّس"، همّت أن تقوم نحو الشبّاك غير أنّ زخّات من رصاص وجسد رجل تكوّم أمامها على العجين والخبيز كانا آخر ما سمعت ورأت.

لم تطُل الأيّام بسميح حتّى بدأ الذبول يغزو وجهه الصبوح، والاعتلال ينهك جسده السليم. لا الدكتور عطالله الوحيد في المنطقة أيّامها فاد، ولا فاد الماء المقدّس "ربيع الحياة" المجلوب من القسطنطينيّة والمحفوظ في كنيسة البلدة، ومثله ماء "أفرا" المجلوب من بلاد المسكوب. ولم تفد حتّى كلّ "رقْوات" و"وصْفات" كهنة وشيوخ وشيخات البلد وجاراتها الذين لم تترك أمّ الياس باب أحد منهم لم تطرقه.

حتَمَت أمّ الياس أنّ "النّقْزِة" التي أغمت بديعة حين سقط العبد شرف أمامها من الشباكّ على العجين مضرّجا بدمائه، كانت وراء اعتلال سميح في بطنها والذي لم يمهله طويلًا بعد أن رأى النور صبوح الوجه، وسرى حتمُها هذا سريان النار في الهشيم بين مقتنعٍ قليلٍ وصامتٍ مواسٍ كثير.

رُزق الياس بعدها ببنين وبنات، وظلّ الياس يزور مقبرة البلد تباعًا، وكلّما زارها كان يضع الزهور البريّة التي يقطفها من جنباتها ربيعًا، وتلك التي كان يجلبها في الخريف من أحواض الحاكورة، على قبور سميح الكبير وسميح الصغير والعبد شرف!

سعيد نفّاع

أيلول 2022

 

 



الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

مجلة وجدانيات الادبية (( د . بحة الناي أحمد مصطفى الأطرش))(( ارتل الشعر من عينيك))

 *** أرتل الشعر من عينيك ***

          من نغمات البسيط

                  **

أُرَتِّلُ الشِّعْرَ مِنْ عَيْنَيْكِ يَنْسَكِبُ   

فَيَخْفِقُ الْقَلْبُ، وَالأَنْفَاسُ تَضْطَرِبُ

 

وَتَنْهَلُ الرُّوحُ مِنْ ثَغْرٍ إِذَا بَسَمَتْ   

فِيهِ النَّدَى، شَذَرَاتُ السِّحْرُ تَنْسَكِبُ

 

وَيَرقُصُ الشَّوقُ فِي عَيْنَيْكِ مُبتَهِجاً

حَتّى يُغَنّي فُؤادَك ، والصَّدَى يَثِبُ

 

إِنْ غِبْتِ، يَذْوِي نَدَى الأَيَّامِ فِي عُمُرِي

وَيَهدَأُ النَّبْضُ فِي صَدْرِي وَيَنتَحِبُ

 

وَإِذْ حَضَرْتِ، سَرَى فِي الرُّوحِ مُنْسَكِبٌ   

نَبْضٌ يُنَادِي هَوَاكِ، وَالْهَوَى لَهَبُ

 

تَسْرِي سَرَائِرُ نَبْضِي حِينَ تَبْتَسِمِي

فَيُزهِرُ الْوَقْتُ، وَالأَحْلَامُ تَنْسَكِبُ

 

وَيَرْتَقِي السِّحْرُ مِنْ عَيْنَيْكِ مُنْتَشِيًا

حَتَّى يَسُودَ السَّنَا، واللَّيْلُ يَرتَقِبُ

 

إِنِّي إِذَا لَامَسَتْ كَفَّيكِ مُنْتَشِياً

يَربُو الْجَمَالُ، وَيَسْتَرْضِي لَهُ الطَّرَبُ

 

وَيَصْطَفِي الْوَجْدُ أَحْرُوفِي لِيَكْتَمِلَ

قَصِيدَةٌ لَكِ، مِنهَا الشِّعرُ يَكتَسِبُ

 

حَتَّى إِذَا قُلْتِ: هَذَا الْقَلْبُ مُطَّرِبٌ   

خَرَّتْ نُجُومُ اللَّيَالِي نُورُهَا شُهُبُ

 

وَيَنْثَنِي اللَّيْلُ فَوْقَ الرُّوحِ مُستَمِعاً

لِصَوْتِ قَلْبٍ إِذَا نَاجَاكِ يَنجَذِبُ

 

حَتَّى إِذَا لَامَسَتْ رُوحِي مَفَاتِنَهُ

أَضَاءَ فِي مُهْجَتِي نُورٌ هُوَ السَّبَبُ

 

وَيَنْجَلِي اللَّيْلُ عَنْ رُوحِي يُبَارِكَهَا

فَيَخْتِمُ الحُبُّ، وَالتَّوْقُ الَّذِي يَهِبُ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

النروج 18/8/2026

د . بحة الناي أحمد مصطفى 

الأطرش





الاثنين، 17 أغسطس 2026

مجلة وجدانيات الادبية (( بقلم: عبد الفتاح الطياري — تونس))(( هل ضاق الوطن))

 هل ضاق الوطن؟

استيقظ عمر على صرير الصنبور الجاف في شقته المتواضعة بأحواز العاصمة؛ انقطاعٌ مفاجئ للماء والكهرباء كالمعتاد، فلا قطرة يغسل بها وجهه، ولا قوارير ماء معدني في الدكان المقابل بذريعة "أزمة تعبئة ونقص في الإمدادات". نزل إلى الشارع فاستقبلته أكوام القمامة المتراكمة على قارعة الطريق وروائحها الخانقة التي غدت جزءاً من المشهد اليومي المألوف، ليمر بجانب جاره الذي يقود سيارة فارهة اشتراها بقروض خانقة لمجرد المباهاة والتفاخر الأجوف. ابتسم له الجار بنفاقٍ مفرط قائلاً: "صباح الخير يا باهي، ربي يحفظك"، وهو ذاته من ألقى كيس قمامة من نافذته قبل دقائق معدودات.

​قصد المستشفى العمومي لتوفير دواء الضغط لوالدته المسنة، فوجد الطوابير تمتد كالأفاعي في ممرات خانقة، وموظفين يتثاءبون بلامبالاة وراء نوافذ مغلقة، ليتلقى بعد ساعات الانتظار الردّ الجاهز ببرود: "الدواء مقطوع، ابحث عنه في الصيدليات الخاصة". وحين اضطر للجوء إلى عيادة طبيب خاص، صُدم بتسعيرة كشف تكوي الجيوب واستغلالٍ فجّ لضعف أمه الصحي؛ إذ انهالت عليه قائمة تحاليل لا حصر لها وُجه بها مباشرة إلى مختبر يملكه قريب الطبيب، في منظومة ابتزاز متكاملة مغلفة بابتسامة مهذبة.

​مع حلول المساء، صادف في حيّه قافلة خيرية استعراضية لأشخاص ينشرون صورهم على مواقع التواصل وهم يوزعون الصدقات، ملقين للمعوزين أكياساً تحوي أسمالاً بالية وبقايا طعام شارف على العفن، وكأن الفقراء حاويات لفضلاتهم، بينما تتبارى ألسنتهم أمام الكاميرات بعبارات التقوى والرياء مدعين أنها "صدقة من فضل الله". مشهدٌ لا يختلف كثيراً عما تمارسه حتى العائلات متوسطة الحال خلف الأبواب المغلقة؛ يقتسمون فيما بينهم ما صلح من ملابس وأحذية، ثم يقذفون بالرث البالي إلى المحتاجين تحت لافتة "التكافل والإحسان".

​جلس عمر في المقهى محتقناً، وحين انفجر غضباً أمام جلسائه واصفاً هذا العبث والغلاء الذي يخنق الجميع، قاطعه أحدهم وهو ينفث دخان سيجارته قائلاً ببرود: "أنت سوداوي ولا ترى إلا النصف الفارغ... تفاءل خيراً فالبلاد تسير". نظر إليهم عمر بصمت ثقيل، مدركاً أن أشد ما يوجع في هذا الانحدار ليس غياب الخدمات ولا شح الدواء، بل ذلك التواطؤ الجمعي على التزييف والتفنن في إنكار الجرح المفتوح.

​أصبح يدور في حلقة مفرغة؛ حاول مجاراة الواقع ومواكبة أحداثه فما استطاع، وحين آثر العزلة وجد نفسه يفارق نبض الحياة كطريدٍ في جحره، ليغدو كنبيٍّ لنفسه بلا عرشٍ ولا أتباع، تطارده الحقيقة المرة التي أدركها أخيراً: لم يضق الوطن بأرضه، بل ضاق بأهله حين استمرؤوا الهوان. مضى وهو يتساءل بمرارة: «دلّونا بنزاهة على شيء جميل في هذه الأرجاء! أم هل اعتدنا الخراب حقاً وصرنا نتقن إنكاره؟».

​نهض والسكوت ينهش روحه، عاقداً العزم على العودة إلى مهجره، قاطعاً صلته بحلمٍ قديم وترابٍ لم يجنِ منه سوى خيبات الندم وجراحٍ ستظل تنزف لبعده عمن يحب. أدرك أن هذا الوطن لم يعد يتسع لروحه، وأن جسور التفاهم بينه وبين هذا الواقع قد تهدمت تماماً؛ فالناس من حوله مستسلمون لوضعهم، متأقلمون مع غبائهم، لا يملكون ملاذاً سواه، بينما بات هو "المخطئ" في نظرهم لصرامة مبادئه وعجزه عن مسايرة الزيف. حزم حقائبه وتزود بمرارته، مقسماً أمام أهله وذويه أن غيابه هذه المرة سيكون بلا رجعة.

​بقلم: عبد الفتاح الطياري — تونس


مجلة وجدانيات الادبية (( الشاعرة ليلى رزوقة الجزائر )) (( على عتبة الرماد))

 

على عتبة الرماد

 ليلى رزوقة – الجزائر

​مَدَرُ المواجع في الحشا

والصمتُ في حَجَرِ المدى معقودُ..

نمشي.. 

وتحملنا الخُطى لمصيرنا

والكونُ حول شحوبنا مجهودُ

عكّازُ روحي من رمادٍ صُغْتُه

والظلُّ في محرابنا مسجودُ!

​على رصيف الوقت نقف..

كأعمدةٍ هجرتها سلالاتُ النور

نسندُ جبالَ الهمّ فوق صدورنا

نُسدي الأمانَ لكلّ كَتْفٍ مائلٍ..

وكيانُنا بين الملا مهدودُ!

​نُخفي ارتعاشَ الروح تحت جلادةٍ

كيلا يَميدَ بمن نحبّ خمودُ..

كم رجفةٍ خلف الثبات زجرتُها

لينامَ غيري..

 والخرابُ عنودُ!

​جرحٌ تعتّق في الحنايا مِلْحُه

صبرٌ على مُرّ الأسى معمودُ..

نحن ابتكرنا الغيابَ في ذروة الحضور

نشدّ الكفَّ المرتعشةَ

 بالكفّ التي بترها الصبر

نحنو على الرأس المُعَنّى وحدنا

نحن المنافي.. 

والمُنى مفقودُ!

​ننجو كما نجت السّهامُ 

من الرَّمى

لكنّ نصلَ الناجياتِ ظِماءُ..

ننجو..

ولكنّ النجاةَ جنازةٌ

فيها الأنا بين الشظايا مطرودُ!

​نقف انتصابَ المآذن في الفلا

والجذعُ نَخْرٌ.. 

والصمودُ جحودُ

صرنا القرابينَ التي لا تنحني

والشمسُ من ثَقْب انكساريَ عيدُ!

​نحن المرايا في غبار ذواتنا

وجهٌ جليدٌ.. 

والحشا تنضيدُ..

نُفني العُمر نبني للأنام منازلاً

وبيتُنا في العاصفات فقيدُ!

​يا لعظمة السقوط الواقف..

يا لقوّة الهزيمة التي نسمّيها الحياة!

​غداً يمضي الضجيجُ 

ويبقى نصّي

دليلاً أنّ عمري لا يَبيدُ..

فإمّا كنتُ في الأرواح شمساً

فإنّ نهايةَ الدنيا قصيدُ!





السبت، 15 أغسطس 2026

مجلةوجدانياتالادبية(( الشاعر / المستشار مضر سخيطه - السويد))(( عواء التباريح))

 ________    عواء  التباريح

شعر   / المستشار  مضر سخيطه  -  السويد 


 

عادةً مايُزهر اللوز 

بيد أن لوزاته المخملية تذوي 

وتخبو 

مشربياته ومراياه تفقد تلوينها المتمايز 

وتأثيرها في الخضاب 

ويفاجئنا الخوف 

ويحدث مابعده أننا بلا وازعٍ نتَبَهْدَل بعد الرحيق 

نفقد بوصلة الحب بأصقاعنا

وصوابيّة الإنتصاب 

من يحرّك الشهوة داخل الشحم السميك 

الخلوق 

أحدٌ يساومنا على جلسةٍ فاغمةٍ 

على شرُفة الصبح 

على فضلة مصطبةٍ في ظلال السماءِ

عن يميني ويساري أكثر من واحدةٍ تتقن فن الصياعة والإشتهاء 

مثل أرضيّةٍ رائعة الإتقان والصنعة بين الزبرجد واللازورد الجميل 

يلهث كائنها المُقرّب وهو يتنفس المكشوف من مسامانها 

رونقها المهلبيّ 

الطريُّ

الباذخ النعومة ترشح منه الروائح في العميق 

العميق 

تصف الكائن الذي تحتضنه بالوفيّ الصديق 

تترسخ السكينة بشرايننا أو تتفسّخ كالمرمر أو كالزجاج 

بعضنا عالقٌ في المسافة 

كما لو أننا بمضيق 

كالتواء الأرض في ذينك الأرميتاج 

كالصخور الصمّاء فوق الجبال 

حركات الرياح ترسم مجهولها  

بالرمال 

ينتهي تكويرها في فيافي السراب 

كالذى يسوّق للإنقسام 

يتمارى المُخَطَطُ في الواجهات 

بداعي الرفيق 

فلتحتفظ شرايننا بأسمائنا  اللذيذة

العزيزة جداً 

لنفكّر أيها المتوجس فينا ملياً

بمشرحة الإصطخاب

إن عاقبة الركض قد يُعَمِّق الاغتراب 

تواتر اللحظة يقنص أحلى منانا 

حينما نخسر أنفسنا بهواياتنا الزئبقية في مهاوي الجنون 

إننا نتحرك على أرضيّة اللحن 

كالحيزبون 

بأجسادنا  

وأجسادنا أشبهها المقطوع إلى كائنين 

ملتصقين 

يتمحوّر الخلاف والنزاع  حولهما أقلها أكثر من مرتين

كم أذلّ التوجس والرعب قلبي 

وخالجني الإرتياب 

هاأنا أبحث في شيّق بعضيَ المتهالك عن رسوم الحب والعاشقين 

وعن قوة الإحتمال والصبر عند أهل الهوى المخلصين 

أبحث عن شبقٍ شاهدٍ ضاع منّا في قراعٍ على امتداد السنين 

بين أحادية البتّ في الرؤية وبين اليقين

أصابعنا تتعرض للعض كلما راحت تتعرّض للمجرمين 

تنفجر الدهشة بالضحك من حالنا 

لاتضغطوا على اللثة جداُ وجداً لئلا نخسر بعد الكزّ أسنانا

ها غدت أيامنا مترعةً بالثنائيات 

وأوجاعنا 

لنخلص من عادة التشرّد عند الرصيف ومن سرد حُمّى الندامة 

والحزن 

و٠من تسفيه وتشويه أحلامنا

كما لو أننا في مواجهة الغامض 

ذيلاً لشهوته 

وتضاريسه 

للعواء السحيق من تباريحنا نتأرجح من  فوّهة الصفر 

كألسنة النار في الحرش 

أم بقاع المدينة قاب إنملتين 

للعواء الذي يتفوهه الذئب 

والثعلب الآدميُ 

والغامض بكل كياسات مقاييسه 

سوف تغدو المياه سيّدة الموقف بعد ارتفاع الطوفان تحت السفين 


_______

شعر   / المستشار مضر سخيطه  -  السويد


مجلةوجدانياتالادبية(( الشاعر توفيق السلمان))(( بالغت في عشقي))

 بالغت في عشقي


بالغتُ في عشقي كثر مودّتها

         بعض الهوى يبدو في الكثر كالنقص


فالناس أصنافُ إذ قد يرى بعضُ

     فيض الهوى نقص في شيمة الشخص


لا تمنح  القدْرَ  إلا  لصاحبه

         من  يفعل  العكس  فالأمر  كالرخص


من طيبة القلب تحيا مصائبهُ

              والغيرُ مشغولُ  باللهوِ  والرقصِ


تجني على النفس كي لاترى دمعاً

            في عين من تهوى ترضى ولا تعصي


في قلبك جرحُ  والجرح ترضاهُ

            ترجو  لها  الخير من شدة  الحرصِ


تشقى ولا تطلب للنفس مرحمةً

          يا ليت ذا القلب ما كان في شخصي


توفيق السلمان

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

مجلة وجدانيات الادابية (( الشاعر صفاء نوري العبيدي، العراق كانون الأول))(( عام الحزن ))

 عامُ الحُزن ٢٠٠٦ م

عامٌ مَضى ، وَكُروبُ الدَّهرِ تَكْلِمُنا

بِفَقدِ أحبابِنا ، وَالقَلبُ أوَّاهُ .

إذ عامُ سِتٍّ تلي الألفَينِ أفجَعَنا 

مُرُّ النَّوائِبِ فيهِ قد شَرِبناهُ .

فَنَعيُ ( داوُودِنا ) عُلَّ الفؤادُ بِهِ 

في شَهرِ آذارَ إنَّا قد فَقَدناهُ  ١

داوُودُنا غَدَروهُ اليومَ مَن سَفَكوا 

دِماءَنا ، فَغَدًا يَلعَنْهُمُ اللهُ .

بَينَ الجَوانِحِ قَلبي كادَ يَنفَطِرُ 

إذ في التُّرابِ بِأيدِينا وَضَعناهُ .

فَكُنتُ يا إخوَتي ، في اللهِ أصحَبُهُ 

نِعمَ الصَّديقُ ، وَمِلءُ العَينِ مَرآهُ .

بَل كانَ بَينَ البَرايا مُخلِصًا وَرِعًا 

وَالصِّدقُ شيمَتُهُ ، والبِشْرُ سيماهُ .

كذا تَجَلَّى لَنا دَومًا تَواضُعُهُ 

بَلِ التَّواضُعُ مِن أسمى سَجاياهُ .

وكان يخشى إلٰهَ الكَونِ خالِقَهُ

فَاللهُ يَكلَؤُهُ ، واللهُ يَرعاهُ 

           ++++++++

كَذاكَ ( باسِمُنا) أخفَتهُ شِرذِمَةٌ 

قَد حارَبَت رَبَّها ، لمْ تَخشَ لُقياهُ . ٢

لَلْآنَ قد خَفِيت عَنَّا حقيقَتُهُ 

فَهَل يَعيشُ ؟ أمِ المَولى تَوَفَّاهُ ؟.

نَرجوكَ رَبِّي بِأن نَلقى لَهُ أَثَرًا 

لِأجلِ والِدِهِ ، فَالحُزنُ أضناهُ .

لِأجلِ أهلٍ لَهُ ، مَن حُبُّهُم أبَدًا 

قد كانَ يجري لَعَمري في خَلاياهُ .

          +++++++

وَبَعدَهُ عَمَّتي تَحتَ الثَّرى دُفِنَت 

نَرجو لَها الرَّبَّ مَن سَوَّى بَراياهُ.

بِأن يُجازيَها عَفوًا وَمَغفِرَةً 

فَهْوَ الغفورُ الذي جَلَّت عَطاياهُ .

           +++++++

كَذاكَ نَجلُ أخي ياسينَ قد عَرَجَت 

إلى العُلا روحُهُ ، فَالخُلدُ مَأواهُ .

إذ كانَ والِدُهُ بِحُبِّهِ شَغِفًا 

فَحُبُّهُ سَرمَدِيٌ في حَشاياهُ .

بل إنَّ نورَ الحِجا قد كادَ يَفقِدُهُ 

لَمَّا أتى النَّعيُ ، ذا أقصى بَلاياهُ .

لٰكِنَّما الإبنُ يَغدو في اللِّقا فَرَطًا 

لِوالِدَيهِ ، بِهِ يُكرِمْهُمُ اللهُ .

ذاكُم ( دِيارُ ) يَطيرُ اليومَ في عَدَنٍ 

وَفَوقَ أفنانِها تَعلو جَناحاهُ  ٣

         ++++++

وَذا ( حُسامُ ) الذي قَد أُزلِفَتْ عَدَنٌ 

بِإذنِ ربِّي لَهُ ، إذ طابَ مَثواهُ ٤

إلى الجِنانِ إلى الحورِ التي ابتَهَجَت 

بِالأمسِ يا إخوَتي ، إنَّا زَفَفناهُ .

هُناكَ يَشرَبُ تَسنيمَ الجِنانِ غَدًا 

وَجارُهُ أحمَدُ المُختارُ مَولاهُ .

هذا يَقيني ، فَقَبلَ المَوتِ قَد ذَكَرَالْ

مَعبودَ رَبِّي الذين سَوَّى بَراياهُ .

فَضلٌ عَلَيهِ مِنَ الوَهَّابِ مُنهَمِرٌ 

أكْرِمْ بِذا الفَضلِ ، كُلٌ قد تَمَنَّاهُ .

هوَ الحَيِيُّ بَلِ الأخلاقُ دَيدَنُهُ 

بِبِرِّ آبائِهِ إنَّا عَهِدناهُ .

هوَ الشَّهيدُ فَدونَ المالِ مِيتَتُهُ 

هوَ الشَّفيعُ لِمَن في الخَلقِ رَبَّاهُ .

حُسامُنا عِندَ تَغسيلِ الرِّجالِ لَهُ 

كَأَنَّهُ لم يَمُت ، إنَّا رَأيناهُ .

كَأنَّهُ نائِمٌ نَومَ العَريسِ بَدا 

وَكَيفَ لا ؟ وَإلٰهُ الكَونِ يَرعاهُ .

قد صارَ لِلرَّهطِ بَينَ الخَلقِ مَفخَرَةً

شَهمٌ ، كُمِيٌ ، وتِلكُم مِن مَزاياهُ .

         +++++++

هذا رِثائي لِمَن في قَتلِهِم ظُلِموا 

عُنوانُ وُدِّي لِمَن في اللهِ أهواهُ .

يارَبِّ قاتِلُهُم ، أنتَ العَليمُ بِهِ 

فَاجعَل جَهَنَّمَ يومَ الحَشرِ تَغشاهُ .

وَاغفِر لِعَبدِكَ مُرثيهِمْ بِجودِكُمُ 

وَاجعَل غَدًا جَنَّةَ الفِردَوسِ سُكناهُ .

وَكُلُّ مَن يَجعَلُ القُرآنَ مَنهَجَهُ 

يا رَبَّ أحمَدَ مَن عَظَّمتَ مَعناهُ .

فَاحشُرهُ رَبِّ مَعَ الأبرارِ مَن عَمِلوا 

لِلهِ رَبِّي ومَن في حُبِّهِ تاهوا .

وَصَلِّ رَبِّ على المُختارِ سَيِّدِنا

( وَالآلِ وَالصَّحبِ والرَّاجينَ لُقياهُ  ).

 صفاء نوري العبيدي، العراق كانون الأول ٢٠٠٦ م 

           +++++++++

١_داوود : ابن عمتي ، قُتِلَ مَظلومًا على يَدِ أعداء الإنسانية والإسلام الذين سفكوا دماء الابرياء ، نسألُ اللهَ أن يرحمهُ برحمته الواسعة ، إنه على ما يشاء قدير.

٢_  باسم: ابن عمي ، اُختُطِفَ في أيلول ٢٠٠٦ من ، على يَدِ مجهولين ، مِن غَيرِ ما جريرةٍ أو ذَنب ، نسألُ اللهَ أن يَرُدَّهُ إلى أهلهِ سالما .

٣_ ديار: نَجلُ ابنِ عمي ( ياسين) ، قُتِلَ على يَدِ المُحتلين الأمريكان ، وكان طِفلًا لا يتجاوز عمرهُ سَبعَ سنوات ، نسألُ اللهَ أن يجعله فَرَطًا لوالديه .

٤_في حسام: هو نَجلُ ابنِ عمي ( وليد ) ، قُتِلَ غَدرًا على يِدِ مَن هُم مسلمون في هويتهم فَحَسب ، لكنهم ملعونين بسفكهم دماء الابرياء ، نسألُ اللهَ أن يَتَغَمَّدَهُ بِشَآبيبِ رحمته.