السبت، 26 سبتمبر 2026

مجلة وجدانيات الادبية ((موقع صدى البلد صخر محمد حسين العزة عمان – الأردن))(( نافخة الكير))

 نــافــخــة الــكــيـر

بقلم : صخر محمد حسين العزة 

عندما خلق الله البشر ، وبدأت عملية تشكُل ونشوء الأُمم ، وأصبحت تتكون المجتمعات ، فبدأت تتشكل لكل أمة عادات وتقاليد تخُصها ، حيثُ يتجمعُ أفراد مُجتمع ما في بيئةٍ جٍغرافيةٍ مُحددة ، ومع مرور الزمن والتعامُل اليومي المُستمر تتحول السلوكيات إلى عادات ثُنائية ثم تقاليد جماعية مُلزمة تُشكل الهوية الثقافية الفريدة لكُلِّ أُمة ، وقد تصل بعضُ هذه العادات والتقاليد إلى القُدسية ، فما هو مفهوم العادة ، وما مفهوم التقاليد

العادة : العادة هي سلوك أو فعل يتكرر بانتظام حتى يصبح تلقائياً وسلساً ويحدث دون جهد ووعي كبير ، أو ما تكرر وصارت ديدناً ، وسُميت بذلك لأن صاحبها يعاودها مرةً أُخرى ، وتنشأ نتيجة التكرار بانتظام

التقاليد : هي مجموعة المعتقدات، والسلوكيات، والأعراف المتوارثة التي تنتقل عبر الأجيال داخل المجتمع، وتمتلك قيمة رمزية ومعنى خاصاً يربط الحاضر بالماضي ، وهي موروثات ثقافية وإجتماعية من سنن وأعمال وقيم يرثها الخلف عن السلف، وتُسهم في توجيه سلوك الأفراد وضبط إيقاع الحياة العامة ، وتنتقل تلقائياً من الآباء والأجداد إلى الأبناء والأحفاد ، وتبقى راسخة وثابتة لفترات زمنية طويلة مقارنة بالموضات أو السلوكيات العابرة

في كُل المجتمعات تتشكلُ عاداتٍ وتقاليد وموروثات تُصبح جزءاً من ثقافتها ، وللعادات أثرٌ لا يخفى في ثقافة المجتمع مما ينعكس عليه إيجاباً أو سلباً بشكلٍ كبير سيرهِ وسيرته  ، والعادات يُمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام : مُكتسبة ومُستنسخة ومُتوارثة ، فالمُكتسبة هي  سلوكيات يتعلمها الإنسان ويمارسها بشكل متكرر حتى تصبح جزءاً تلقائياً من روتينه اليومي دون تفكير مسبق ، أما المُستنسخة فهي العادات والسلوكيات التي يُمارُسها أفراد في مُجتمعٍ ما من خلال التقليد والمُحاكاة الحرفية للآخرين دون تفكيرٍ نقدي أو تكييفها لتتناسب مع واقع وثقافة المُجتمع الخاص بهذه الفئة ، أما العادات المُتوارثة فهي الممارسات والسلوكيات الاجتماعية والثقافية التي تنتقل عبر الأجيال من الآباء والأجداد إلى الأبناء، وتشكّل هوية المجتمع وملامحه الحضارية ، والعادة بعد فترةٍ من الزمن تُصبح تقليداً وعادةً يتعود عليها المرء أو المُجتمع ، وبعض العادات مع مرور الزمن تصلُ أحياناً إلى مرحلة اللا عودة ، وتكتسبُ صفة القداسة بحيث تُصبح جُزءاً لا يُمكن فصلهِ عن ذلك الشخص أو عن ذلك المُجتمع ، وقد تصل إلى التضحية بالنفس والنفيس في سبيل الحفاظ عليها وعدم التخلي عنها وتبقى مصونة ، والعادات كما أوردت في البداية منها إيجابية مُرتبطة بالأخلاق الحميدة ، ومتصلة بالعقيدة السليمة والدين القويم الحنيف ، وتُساهم في غرس القيم الفاضلة في الأفراد والمُجتمعات ، وهناك عادات من قبيل المُباح وليس فيها أمرٌ ولا نهي عنها وهي ما كانت غير متصلة بالعقيدة والعبادات ، والمعاملات ، وليس فيها ضررٍ على أحد  ،وقد تتحول إلى عبادات يُثاب عليها الإنسان إذا صاحبتها النية الصالحة ، وهناك عادات سلبية سيئة يكون فيها الضرر على الفرد وعلى المُجتمع  

إن ما دفعني لكتابة مقالي هذا عن العادات والتقاليد ، عن عادة وسلوكية معينة مستشرية في مجتمعاتنا وبالأخص في مجتمعنا الأردني ، هو عادة شرب أو تدخين الأرجيلة ( الشيشة) من قِبَل الرجال والنساء ، والذي جعلني أن أهتم بالكتابة هي واقعة طلاقٍ حصلت في الأردن كان سببها الأرجيلة ، حيث أن سيدة مدمنة على تدخين الأرجيلة متزوجة ولديها طفلٌ واحد ، وطلب زوجها الإقلاع عن هذه العادة السيئة ، لأنه يُعاني من مشاكل صحية وضيق في التنفُس ، كذلك أدَّى إدمانها تدخينها الأرجيلة  بشكل مُستمر إلى تفاقم مرض الحساسية ومشاكل التنفس لدى طفلهما الصغير ، ولكنها رُغم ذلك  رفضت ، وتطور الأمر إلى أن وصل إلى القضاء ، فخيرها القاضي بين أمرين إما إلاقلاع عن شُرب الأرجيلة ، أو التخلي عن زوجها وإبنها ، فكانت الصدمة الكبرى ، أن اختارت الأرجيلة وحصل الطلاق ، وهذه الحادثة حدثت أيضاً في دولٍ أخرى كان سببها تمسك النساء بالأرجيلة ، ولهذا رغبت أن أكتب عن  هذا الموضوع لأهميته ،وأخص في مقالي النساء في بلدنا الأردن تحديداً 

لقد كرَّم الله المرأة وجعلها ريحانة المجتمع ، وأساس التربية ، ومنبع الجمال ، فعلى المرأة أن تُحافظ على هذه النعمة وهذه الخاصية التي كرمها الله بها ، ولكن في عصرنا الحالي ، ومع انتشار موروثات وعادات دخيلة على مجتمعنا ومع متغيرات العصر فأصبحت الكثير من النساء ينظرن  إلى بعض التقاليد أو العادات على أنها طابع حضاري وعصري ، وأنها نوعٌ من الحُرية ،  وتتطور بعض هذه العادات إلى أن تصل إلى حد القداسة ومن الصعب التخلي عنها ، وهذه العادة تؤدي إلى هدم الكيان الصحي والجمالي للمرأة عدا عن الخلل الإجتماعي الذي يؤدي إلى تفكك الأسرة ، وهذه العادة أو الظاهرة هي التي تشمل تدخين السجائر ، وشرب الأرجيلة ( الشيشة ) التي أصبحت معول هدمٍ للصحة والدين والمروءة ودمار للأسرة ، وشرعياً ففيها تحريمٌ مُطلق نظراً لضررها البالغ على الصحة وإلحاق الأذى بالنفس وبالآخرين  وإتلاف المال وإضاعته ، وقد قال تعالى في سورة البقرة – الآية 195 : { ولا تُلُقوا بأيديكُم إلى التَّهْلُكة }

لقد أصبحت الأرجيلة (الشيشة) تُعد في المجتمعات العربية أكثر من مجرد عادة تدخين، إذ تحولت لدى البعض إلى أسلوب حياة ونشاط اجتماعي يومي. ومع ذلك، تشير الدراسات والتقارير الاجتماعية إلى أن الإفراط في ارتياد المقاهي أو تدخين الأرجيلة داخل المنزل أصبح سبباً مُتزايداً للمشاكل الأُسرية وحالات الطلاق في عدة دول عربية ، وقد أظهرت إحصائية حديثة صادرة عن محاكم الأسرة أن عدد القضايا التى كان تدخين "السجائر "والشيشة" سببا رئيسيا فى تحريكها من قبل أحد الزوجين وصل إلى 17 ألف دعوى، كان تدخين النساء سببا فى 11 ألف دعوى منها، أما الـ6 آﻻف دعوى المتبقية فكان تدخين الرجال هو السبب .

إن شرب الأرجيلة كنافخ الكير فهو قد يؤذي نفسه ، ويؤذي غيره ، عدا عن الرائحة الكريحة وكذلك الحال بالنسبة للأرجيلة التي أصبحت أذىً لصاحبها ولغيره ، قد يتمتع بها وبرائحتها في لحظتها ولكن ما عواقبها بعد ذلك من أثر على الصحة تؤدي مع الإستمرار إلى الأزمات الصدرية وشحوب وذبول الوجه واصفرار اليدين والأسنان  ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي موسى الأشعري : ( إِنَّما مثَلُ الجلِيس الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا طيِّبةً، ونَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يَحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً )

إن جوهر المرأة الحفاظ على أنوثتها وصفائها ونقائها ، فكيف لك أن لا تحافظي على نعمة وهبها لك الله بأن تطمسي جمالك ، وتهلكي صحتك ، وتدمري أسرتك التي أنت مربية للأجيال ، وقد  تنقلي عادتك المدمرة لأبنائك لتهلكي صحتهم ويهدروا أموالهم من أجل نفثة دخان ، فكوني رفيقة بجمالك فلا تطمسيه تحت رماد سيجارة أو أبخرة أرجيلة للحظة نشوة عابرة ، وما تكرار هذه العادة السيئة إلا إنتحارٍ بطيئ عبر إستنشاق هذه السموم التي تُدمر أجهزة جسدك الحيوية  ، وقد قال الله تعالى في سورة البقرة – الآية رقم 195 :{ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ، وكما تفيد الدراسات أن الأرجيلة تحتوي على مواد ذات آثارٍ  كبيرة ومدمرة لجمال المرأة وصحتها كتغير لون الأسنان، وظهور علامات الشيخوخة في مرحلة مبكرةً من العمر ، كما أنها تضر بالصحة حيث تقل المناعة مما يجعل الفتاة عرضة لأمراض القلب والرئة والسرطانات المختلفة، كما تؤثر على الخصوبة وتؤدي إلى التشوهات الجينية، كما تقضي على مكانة الأم عند أبنائها ويكونون عرضة للإدمان بكل تبعاته .


وإن من الآثار المدمرة للمرأة في تدخين الأرجيلة لمن تكون حامل وتؤدي إلى أضرارٍ مضاعفةٍ للمرأة الحامل ، وتؤدي إلى التأثير على الجنين من إنقاصٍ للوزن وتعرضه لمشكلات تنفُسٍ خطيرة  ، فإن توجه الكثير من النساء نحو تدخين الأرجيلة ناتج عن قصور في فهم مضار ومخاطر التدخين على نمو الجنين، وعلى جهازه التنفسي أيضاً بالدرجة الأولى

  إن إنعدام الوعي الصحي والإجتماعي والثقافي قد ساهم إلى حدٍ ما في إنتشار هذه الظاهرة ، وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى تأخر الولادة ، وقد يولد بعض الأطفال مشوهين  

إن تدخين الشيشة ( الأرجيلة) في الأردن عند النساء نسبتها رقما صادماً حيث تتجاوز حسب تقرير منظمة الصحة العالمية 43% وهذه تتجاوز نسبة تدخينها من الرجال ، وقد قدرت "منظمة الصحة العالمية" عدد مستخدمي التبغ ومدخنيه في الأردن عام 2022 بـ 2.77 مليون شخص، منهم 2.29 مليون ذكر و483 ألف أنثى، وجاءت عمّان في المرتبة الأولى من حيث التدخين بين الأفراد في منطقة الشرق الأوسط بـ 36 في المئة، كما ورد في تقرير "اتجاهات تعاطي التبغ 2000-2030" الصادر عن منظمة الصحة العالمية ، وبحسب إحصاءات وزارة الصحة الأردنية فإن أكثر من 50 في المئة من الشباب الأردني الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و24 سنة يدخنون الشيشة بانتظام ، وأفاد  التقرير الذي بُني على نتائج مسح أجرته منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع وزارة الصحة الأردنية، وصل إلى خلاصة أن الأردن هو الأول على مستوى العالم في نسبة التدخين بين الذكور في الفئة العمرية بين 18 إلى 69 عاما ، في التقرير أيضاً ، نجد شيئا أكده كثيرون ممن تواصلت معهم مجلة مرايانا في الأردن، وهو أن العائلة الأردنية تنفق شهرياً على التدخين 73.6 دينار (104 دولارات)، وهو أكثر مما تنفقه كل عائلة على كل من الفاكهة (26.6 دينار)، والألبان والبيض (38.2 دينار)، والخضار والبقوليات (42.1 دينار) واللحوم والدواجن (50.4 دينار شهريا )

وهذه الظاهرة السلبية دخيلة على عاداتنا وتقاليدنا في مجتمعنا الأردني المحافظ ، فعدد كبير من النساء يرتدن المقاهي والمولات والمطاعم لتدخين الأرجيلة ، ولا يفارقنها في بيوتهن ، وهذه كلها لها آثارها السلبية من دمارٍ على الصحة والمجتمع ومظهر غير مألوف في القيم الإجتماعية ، وما هذه العادة إلا عملية تدميرٍ للذات وتقضي رويداً رويداً على أجهزة الإنسان الحيوية وأهمها الرئتان ، وفي العُرف الإجتماعي الكثير من الشباب يعزف عن الزواج من الفتاة المدخنة للسجائر وشرب الأرجيلة التي يعتبرها مخالفة للدين ، وذلك إقتداءاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم – عن أبي هريرة قال : (تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا ،  وَلِجَمَالِهَا، ولِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك ) لأن الإنسان المؤمن عند رغبته باختيار شريكة حياته ، يختارها : إمَّا لجمال، وإما لحسبٍ، وإما لمالٍ، وإمَّا لدينٍ، فوصَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم باختيار ذات الدِّين ( فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك)، وإن كان همُّك المال أو الحسب أو الجمال، فقد يُطغيها جمالها، وقد يُطغيها مالها، وقد يُطغيها حسبها، لكن عليك بالدِّين الذي هو الحافظ بتوفيق الله، فإذا اجتمع مع الدِّين حسبٌ أو مالٌ أو جمالٌ فهذا خيرٌ إلى خيرٍ

وختاماً أقول يا نساء الأمة وفي الأردن يا من تُشكلن عماد المُجتمع ، وأساس نهضته ، فأنتُنَّ صانعات الأجيال ، والمدرسة الأولى التي تُعد الرجال ، عليكُن أن تعتززن بهويتكُن وقيمكُن الإسلامية والإنسانية النبيلة ، وأن تتخلين عن كل مُنكر وعادات وتقاليد دخيلة التي يزينوها لكن على أنه نوعٌ من التحرر ، ولكن ما هو إلا معول هدم لقيمكن ولمبادئ دينكن وتفكيك لأسركن وضياع أبنائكن ، وصدق الشاعر الذي قال عن الدخان والشيشة وضررهما الأبيات التالية : 

                            أنــا السرطـان والـقـارُ              أنــا سِـــلٌّ وأخــطــارُ

                            أنا الأمـراض أجـمعها               ومــنهـا أنـت تـخـتـار

                            أنــا عُــلــبٌ مُــلـونــةٌ               وعندي الموتَ أشكالُ

                            حـــرمـــت مــمــن زاد              وهـان لأجـلي الــمـال

                            لـقـد سمـمـت أجـواءك              وناري أصبحت داءك

                            فــكـم آذيــت أبــنــاءك              وكم أحـرقت أحشاءك

                            بـجـيـبـك لي مـكـانـات              ومـن رئـتـيـك أقـتـات

                            فـكـم أوهــمـتَ ذا هـمٍّ               بـتدخيني لدى الغضب

                            تـعـالـوا يــا أحـبـائـي               لأقــتــلــكـم بـأوبـائـي

                           أنا وصديقتي الشيشة               نُـعـكِّـرُ صافـي العيشة                      

                           عـدوي صاحب الصبر              بـه يـقوى على قهري

                           نـجا بالعـزم والإيـمان              من كـدري ومن شري


 المصادر : 1 – الإندبندنت

              2 – مجلة مرايانا

             3 – موقع صدى البلد

صخر محمد حسين العزة 

عمان – الأردن

25/9/2026


الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

مجلة وجدانيات الادبية (( الشاعرة ليلى رزوقة الجزائر))(( صهد المجاز))

 صَهْدُ المَجازْ

بقلم ليلى رزوقة  الجزائر

التمسوا لنا عُذر الشظايا حين تنكسر

وحين يصير في حَلق المساء خَدَر...

نحن الذين إذا ابتسمنا غامضين

تكفّنت في قعر أعيننا مجازر لم ترها الأعين

ولا فهمت نداها الأسطر

تجنّبوا طَرق النوافذ كلّما انطفأ المجاز

فالروح ترتدي الزجاج

تمشي على حَبل المواجع حافية

لا الضوء ينقذها

ولا هذي البلاد المائعة

تدري بأنّ الجمر حين يحاصر الأنفاس

يصبح صمتنا غابةً خرساء تمتدّ...

وتستعر

لا تسألوا ماذا دهاكِ؟

فكلّ حرف جمرة في فم الحَيْرى تسيل

ولقد تعبتُ من الشروح

ومن رمال التيه

من خطواتيَ العطشى إلى نَفَق طويل

تعبت كفوفي من حِصاب الوقت

من غَسَق ينازع في الحنايا

كلّما لاحت ظلال الغائبين

أو ارتمى في حضن خوفي مستحيل

أنا ههنا...

وطن تشقّق صخره

بئر يراودها النضوب

امرأة تطرّز من خيوط الليل كَفْنَ غيابها

وتفرّ من وجع الهبوب...

لا شيء يشبه صمتنا

ذاك الذي كتبته أوردة الصبايا دمعةً

فوق الجبين تقطّرت

حتّى استفاق من الوَجى حجر...

وغارت أنجم وتفرّقت سُحب

وضاع الأثر

كونوا ملاذًا باردًا

ظلًّا خفيفًا لا يهزّ سكينة الروح العليلة

كونوا جِوارًا كي ننام على أصابعكم

فقد ثَقُلت حقائبنا

وطالت في عراء الموت هذي الرحلة المملولة

التمسوا عُذر الحروف العاجزات

إذا تآكل نبضها خلف الجفون

فالقلب هدهده السهر

ورماده أضحى شموعًا لا تضيء

ولا تذوب

ولا تهون...

أنا لستُ إلّا كائنًا من خَفقة

يمشي الهُوَيْنا نحو سرّ لا يباح

فدعوا الملامة عن غَمامي

وارحموا نزف الجراح

إنّا إذا صمت المدى

كنّا الحديث العذب

والشوق المكابر

والأنين

وكلّ ما خبّأتُ من كَلِمٍ...

يموت ليستقرّ به القدر

كُفّوا عن اللوم العقيم

فلستُ ممّن يستريق عواطف العابرين رجاء

أنا نخلة عَرَفت مقامات العطش

وتوضّأت بالجمر في سَحَر الفناء

هذا انكساري...

ليس خوفًا من وعورة دربكم

بل هيبة البحر الذي

يأبى ارتطام مَوجه... 

بسواحل الخيلاء

التمسوا عُذري إذا أسدلتُ سِتر غيابي

وإذا استَفَقتُ على حُطام شبابي

فأنا انبعاث الشمس من شقّ الرّدى

وأنا امتداد الريح في وجه المدى

لا يُطفئ الحزن المعتّق جذوتي

ولا تُعجز الليل البهيم سمائي...

خُذوا كلّ أسئلة الفضول

واتركوا لي وحشتي

فغدًا إذا رفّت جناح فراشتي

ستعلمون بأنّ مَن نزفت هنا...

لم تنكسر

بل أوقدت من كسرها

مجد القصيدة

وانتمت للكبرياء...

فخلّدت أبدًا صداها في القدر!





الأحد، 6 سبتمبر 2026

مجلةوجدانياتالادبية (( الشاعر عـــــــــــــــدنان الــــــــــــــرحيماوي))(( عيش الوحدك من غير دوخة راس))

 عيش الوحدك مـن غير دوخة راس

واگـــــــــطعها العلاقة العيب تتامن 

هــــــــوايه الموتوا ينعاهم التاريخ

راحـــــــــوا والعيون خلافهم يعمن

 بيهم حـــــجر عثرة تكيف بممشاه

وسبع حصوات كون بظهرة ينشمرن

مارايد فزعته ولاحــــــــوال.   بخير

وليالي السود مـــــــــــرني و لا ذرن

انفظهن نفظ واتلاوه ويــــــا العوز

جبت اسنين عمري  مسرفن تسرفن

انه شايل خلك بدوي بصفنةلصحراء

يضحك والمصايب كـــــــلهن التمن 

مـــــــــاعايش لفو ولا دبچت علدار 

صگر حـر وعلى الحيطان ما احطن

انا بگلبي حـــــــــقد ماشيل للخوان

الاگيهم هـــــــــلا وسنون اليضحكن

ولاچنهم هذوله الامس شعلوانار 🔥

وچويات بظهرمـــــــــــگفاي  يلچمن 

اغض طرفي واحاول انسه كل الراح

بس كــــــــون الضعون الطشن يردن 

علمني الوكت وادري الحياة ادروس

تــــــــرى طيور اليصعدن لابد ينزلن 

وامد احبال وصلك و اعگد لمگطوع

واعـــــــــــرفها المنايل بالحبل گصن

واطول بال صبري وعل رمح ركواي 

رغم كثرة جـــروحي وصعب ينعدن

انا الـــما يصدا گلبة ويحمل  الزنجار

مــــو كـــــل المعادن تنحسب معدن.

--------------------------------------------

عـــــــــــــــدنان الــــــــــــــرحيماوي



مجلة وجدانيات الادبية (( المُفَكِّرُ العَرَبِيّ عِيسَى نَجِيب حَدَّاد مَوْسُوعَةُ رَاعِي الحُرُوفِ))

 مَعَهُمْ تَاهَتْ تَفَاصِيلِي

مِنِّي بَيْنَ سُجُونِ الأَمْسِ،

وَنُكْرَانِ الحَاضِرِ بِغَدْرِ يَوْمِي.

عَلَى بَوَّابَةِ الدُّمُوعِ تَآلَفَتِ الحَسَرَاتُ،

وَاشْتَدَّتْ عَلَيَّ طَعَنَاتُ الحُلَفَاءِ بِالظُّلْمِ جَهْرَا،

تَكَالَبُوا زُورًا نِقْمَةً مِنَ الحَقَائِقِ المُرَّةِ الَّتِي أَبْهَرَتْهُمْ،

تَنَاسَوْا حُقُوقَ البَارِي فِي مَوَاسِمِ عِشْرَتِهِمْ فَخَذَلُوا.

فَرَمَيْتُ مِنْهُمْ سِهَامَ المَعْرِفَةِ لِلْمَجْهُولِ تَزَامُنًا لِلرَّأْفَةِ،

صَبَبْتُ كُؤُوسَ قَطِيعَتِهِمْ وَأَسْقَيْتُ شَوْكَ ذَاكَ المَرَارِ،

عَلَى سُوَيْدِ البَرِّيَّةِ عَلَّقْتُ مِنْهُمْ أَسْمَاءً لِلْغِرْبَانِ دِمَاءً،

بَسَطْتُ وَسْطَ سِدْرَةٍ أَوَاخِرَ ذِكْرَاهُمْ مَرْهُونَةً لِلنِّسْيَانِ.

بَائِعٌ فِيهِمْ حَقْلَ العِشْرَةِ بِالرُّخْصِ، مُوَدِّعٌ أَمَانَةَ الوَفَاءِ،

صَرَخْتُ بِعُلُوِّ الصَّوْتِ: جُهَّالٌ سَكَنُوا تَلَّةَ الخَرَابِ هُبَلًا،

لَوْنُ العِتَابِ أَسْوَدُ وَنَدَى فَجْرِهِمْ مَسْمُومٌ مَفْرُوزٌ سُمًّا،

لِلْإِيضَاحِ مَنْهَجٌ، لِلسَّكِينَةِ غَازٌ يَلْذَعُ بِسَوْطِ جَلَّادِينَ.

لِمُفْتَرِشِينَ الخُبْثَ، شَاهِدِينَ الزُّورَ بِمَحَافِلِ حَقَائِقِنَا،

ذَابَ تَحْتَهُمْ ثَلْجُ الكَذِبِ لِيُقَالَ إِنَّهُمُ المُرَاوِغُونَ هُنَا،

تَفَاصِيلُ مِنْ مَعْمَعَةٍ ضَمَّتْهُمْ عَلَى دَرْبِ انْقِلَابِ قَهْرٍ،

المَاءُ مُرٌّ وَتَجَرُّعُ المَعْرِفَةِ شَقَاءٌ وَالمُسَافِرُ أَسِيرُ نَكْبَةٍ.

عَلَى مَنْفَذِ زَمَانِ المُرِّ لِيَشْرَبُوا مِنْ نَقِيعِ صَنِيعِهِمْ لَذَّةً،

عَسَاهَا تَتَجَعَّدُ بَشَرَتُهُمْ بِقَطْرَانِ الرَّحِيلِ فَلْيَمْضُوا لَهَا،

مَكْسُورِي الخَوَاطِرِ، مَنْظُورِينَ بِمَزَابِلِ الذُّلِّ كُلَّ الأَيَّامِ،

مُحَمَّلٌ قِطَارُ عُمْرِي بِتَنَمُّرِهِمُ المَأْسُوفِ بِالنَّارِ لَاهِبٌ.

عَسَاهَا تَذُوبُ أَنْيَابُ جَمْعٍ جَمَعَتْهُمْ لِخَرَابِ البُومِ وَالغُرَابِ،

بِأَوَّلِ القَوْلِ وَمُنْتَصَفِهِ وَآخِرِهِ تَتَزَيَّنُ السَّقَطَاتُ بِهِمْ،

لِيُدْمَجُوا فِي دَفَاتِرِ الأَيَّامِ مَنْبُوذِينَ فِي صَفْعِ الذُّلِّ،

رَسَائِلُ القَطِيعَةِ عَنَاوِينِي لَهُمْ بِلَا أَسَفٍ لِأُجَاهِرَهُمْ،

بِيَوْمِ الضَّحَّاكِ عُرْسُهُ وَحَفْلُ البَيْعِ رَخِيصُ الأَثْمَانِ.


                            المُفَكِّرُ العَرَبِيّ

                        عِيسَى نَجِيب حَدَّاد

                     مَوْسُوعَةُ رَاعِي الحُرُوفِ




مجلة وجدانيات الادبية(( الشاعر عـــــدنان الـــرحيماوي))(( نرينه بيكم حمد))

 مرينه بيكم حـــــــمد  

 مـــــاچنه مـــــــرينه

--------------------------

وندري بقــــطار العمر 

مـــــــــاتوگف اسنينه

ادم ابونه الاصـــــــــل 

واحنه بفــــــرد طينه

چـــــــا ليش بالتفرقة 

الشيطان يغــــــــوينه

(مرينه بيكــــــم حــمد 

مـــــــــــــا چنه مرينه)

*****************

چا ليش فـرقنا الوكت 

مامش بگـــــلبك رحم

وتدري اليگاطع بخوته 

تاليها يشبع نــــــــــدم

مــــــا تدري بمواصلي 

ربك يزيــــــــــد النعم

فـــــــــــاز ورفع رايته

 اللي اخــوانه حاوينه 

(مرينه بيكــــــم حــمد 

مـــــــــــــا چنه مرينه)

*****************

مـــــــرينه بيكم حمد

 مــــره بصفة خــطار

ماشفنه ضحكة گــبل

 بس الحزن عالــــدار 

وين الأهــــــل ياحمد

 بس الصــــــور تذكار

واليمر بيكم حــــــمد

 يملي الدمـــــع عينه 

(مرينه بيكــــــم حــمد 

مـــــــــــــا چنه مرينه)

****************

مـــــــرينه بيكم حمد 

وانعــــاد بينه الوجع 

ونرغب وصالك حمد

 مـو لجل غاية وطمع

ليش الهـــــجر والبعد 

صـاير بشخصك طبع

واحنا بوصالك حــمد

 نشتــــــــــاگ تدرينه

(مرينه بيكــــــم حــمد 

مـــــــــــــا چنه مرينه)

****************

مرينه بيكم حـــــــمد

 والشعر گـالب شيب 

ماشفنه خــــــوة گبل 

لاشفنه ذاك الطــــيب

لــــو تعلم اشگد حمد 

ربك بظـــــــهر الغيب

بمواصل اهـل الرحم

ربك مــــــــــــوصينه

(مرينه بيكــــــم حــمد 

مـــــــــــــا چنه مرينه)

****************

مرينه بيكــــــم حــمد

 والگــــــــــــالها يغني 

مريت مو لاجل الطرب 

 للخـــــــــــــوة متعني

حسيت چني من الغرب 

موش من اخوتك چني

چاوين شرع الله حمد

ونصه وكــــتابه ودينه

(مرينه بيكــــــم حــمد 

مـــــــــــــا چنه مرينه)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عـــــدنان الـــرحيماوي

مجلة وجدانيات الادبية (( د. بحة الناي أحمد مصطفى الأطرش))(( مقدمة الكتاب))

 مقدمة الكتاب

يأتي هذا الكتاب استجابةً لحاجة ملحّة في النقد العربي الحديث إلى إعادة النظر في مفهوم الشعر، وفي المسار الطويل الذي عبرته القصيدة العربية منذ الجاهلية حتى قصيدة النثر المعاصرة ولم يكن الهدف من هذا العمل أن يكون دراسة تاريخية فحسب، بل أن يكون منهجًا نقديًا يربط بين تطوّر الشكل الشعري وبين التحوّلات الثقافية والفكرية التي رافقت هذا التطوّر .

لقد بُني هذا الكتاب على رؤية واضحة أن قصيدة النثر ليست قطيعة عصور التراث، بل هي نتيجة طبيعية لمسار طويل بدأ قبل

الخليل، ومرّ بالعصور الكبرى للشعر العربي، ثم وصل إلى الحداثة، حيث تغيّر مفهوم الشعر نفسه، وتحوّل من الوزن إلى اللغة، ومن التفعيلة إلى الإيقاع الداخلي، ومن الشكل إلى التجربة

ولكي يكون هذا الكتاب منهجيًا، فقد قُسّم إلى عشرة أبواب متتابعة، كل باب يمهّد للذي يليه، بحيث تتكوّن لدى القارئ صورة شاملة عن تطوّر الشعر العربي، وعن الظروف التي جعلت قصيدة النثر ممكنة، ثم ضرورية، ثم جزءًا من المشهد الشعري الحديث .

الباب الأول: ماهية الشعر عبر التاريخ :

يضع هذا الباب الأساس النظري للكتاب، فيعرّف الشعر لغةً واصطلاحًا، ويبحث في العلاقة بين الإيقاع واللغة والخيال، ثم يتتبّع تطوّر مفهوم الشعر عبر العصور. هذا الباب ضروري لأنه يحدّد ما الذي نسمّيه شعرًا قبل أن نناقش قصيدة النثر .

الباب الثاني: الشعر الجاهلي :

يقدّم هذا الباب قراءة جديدة للشعر الجاهلي، بوصفه شعرًا شفاهيًا يعتمد على الإيقاع السمعي أكثر من التفعيلة. ويُبرز دور المعلّقات في تشكيل الذائقة العربية، ويكشف عن مرونة الوزن قبل الخليل، وهي المرونة التي ستصبح لاحقًا أحد جذور قصيدة النثر .

الباب الثالث: الشعر في صدر الإسلام والعصر الأموي

يبحث هذا الباب في التحوّل اللغوي والديني الذي أثّر في الشعر، وفي ظهور النقائض والغزل العذري والخطاب السياسي، وهي تجارب أسّست لوعي جديد بالشعر، وبوظيفته، وبقدرته على التعبير عن المجتمع .

الباب الرابع: العصر العباسي :

يمثّل هذا الباب ذروة التطوّر الشعري العربي، حيث ظهرت التجديدات الكبرى في الصورة والبناء والموسيقى. ويُبرز دور أبي تمام والبحتري والمتنبي في توسيع مفهوم الشعر، وفي كسر بعض القيود التقليدية، مما مهّد لظهور أشكال شعرية أكثر حرية

الباب الخامس: عصر الانحطاط

يقدّم هذا الباب قراءة نقدية لمرحلة الركود، ويكشف أسباب التراجع في اللغة والخيال والبناء، وهي أسباب ستدفع لاحقًا إلى البحث عن أشكال جديدة للتعبير

الباب السادس: عصر النهضة (اليقظة)

يبحث هذا الباب في عودة الروح إلى الشعر العربي عبر البارودي وشوقي وحافظ إبراهيم، وفي أثر الاحتكاك بالغرب، وفي ظهور المدارس الأدبية الحديثة. هنا تبدأ البذور الأولى للخروج من عمود الشعر .

الباب السابع: شعر التفعيلة (الشعر الحر)

يمثّل هذا الباب نقطة التحوّل الكبرى في الشعر العربي الحديث، حيث ظهرت التفعيلة بوصفها شكلًا جديدًا يكسر وحدة البيت، ويعتمد على السطر الشعري والإيقاع الداخلي. ويعرض تجارب نازك الملائكة والسياب والبياتي، ويبيّن كيف مهّد الشعر الحر لظهور قصيدة النثر

الباب الثامن: قصيدة النثر

هذا هو قلب الكتاب. يبحث الباب في الجذور العالمية لقصيدة النثر، وفي دخولها إلى العربية عبر أنسي الحاج وأدونيس والماغوط، وفي خصائصها الفنية

الغنائية الداخلية

الصورة المركّبة

اللغة المكثفة

وحدة الشعور

الإيقاع غير الوزني

كما يناقش الجدل النقدي حولها، ويعرض رأي المدرسة التقليدية، وخاصة رأي صاحب كتاب «شعرنا الحديث إلى أين؟» الذي يرى أن قصيدة النثر خروج عن الشعر نفسه. ويوازن الكتاب بين هذا الرأي وبين الرؤية الحداثية التي ترى في قصيدة النثر شكلًا شعريًا جديدًا له شرعيته وجمالياته.

الباب التاسع: أسس وقواعد كتابة قصيدة النثر

يقدّم هذا الباب منهجًا عمليًا لكتابة قصيدة النثر، فيبحث في :

بناء الجملة الشعرية

صناعة الصورة

الإيقاع الداخلي

وحدة الشعور

الدهشة الشعرية

معايير الحكم على النص

وهذا الباب هو الجانب التطبيقي للكتاب، ويصلح للباحثين والكتّاب معًا.

الباب العاشر: نماذج تطبيقية

يقدّم هذا الباب تحليلات لنصوص عربية وعالمية، ويقارن بين نصوص ناجحة وأخرى ضعيفة، ثم يقدّم تطبيقًا عمليًا لكتابة قصيدة نثر خطوة بخطوة، ليكون الكتاب منهجًا نقديًا وتعليميًا في آن واحد

بهذه البنية، يصبح الكتاب رحلةً نقدية متكاملة، تبدأ من تعريف الشعر، وتمتد عبر العصور، ثم تصل إلى قصيدة النثر بوصفها نتيجة طبيعية لمسار طويل من التحوّل الإيقاعي واللغوي. إنه كتابٌ لا يدافع عن قصيدة النثر ولا يهاجمها، بل يضعها في سياقها التاريخي، ويقدّم منهجًا علميًا لفهمها وكتابتها، ويوازن بين التراث والحداثة، وبين الوزن والإيقاع الداخلي، وبين الشكل والتجربة

الباب الأول: ماهية الشعر عبر التاريخ :

الشعر كائنٌ حيّ، لا يموت، وإن خبا وهجه في زمنٍ ما فإنه يعود ليشعّ بسحره وجماليته ..

 وكما يتطوّر الكائن الحيّ عبر أطوار الخلق، يتطوّر الشعر عبر أطوار اللغة والوجدان.

يقول الله تعالى في محكم آياته :

 ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ ثم يصف مراحل الخلق في قوله تعالى :

 ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً… ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾  .

وكما يتحوّل الإنسان من طورٍ إلى طور، يتحوّل الشعر من شكلٍ إلى شكل، ومن إيقاعٍ إلى آخر، دون أن يفقد جوهره .

ما هو الشعر؟

عرّف العرب الشعر بأنه الكلام الموزون المقفّى المقصود، وجعلوا الوزن والقافية معيارًا أوحد للشعر، وميّزوه بذلك عن سائر الفنون الأدبية.

وظلّ هذا التعريف قائمًا عند غلاة التقليديين حتى يومنا هذا، حتى أصبح المساس به مساسًا بالذات الشعرية نفسها .

غير أنّ المدرسة الحديثة قدّمت رؤية مختلفة، كما يقول الدكتور ** إبراهيم أنيس في كتابه : موسيقا الشعر **

( الشعر فنّ من الفنون الجميلة، يخاطب العاطفة ويستثير الوجدان، جميلٌ في ألفاظه، جميلٌ في تراكيبه، جميلٌ في موسيقاه الداخلية، بحيث تتردّد مقاطعه في الأذن نغمًا منتظمًا )

بهذا المعنى، يصبح الشعر جمالًا لغويًا قبل أن يكون وزنًا، وطاقةً وجدانية قبل أن يكون تفعيلة وقافية وروي .

الفصل الأول: الشعر الجاهلي – ماله وما عليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

يُعدّ الشعر الجاهلي أقدم ما وصل إلينا من التراث الشعري العربي، غير أنّ ما نملكه اليوم ليس بالضرورة ما قاله الشعراء الجاهليون حرفيًا، بل ما حفظته الرواية الشفاهية عبر القرون. وقد أشار الجاحظ إلى هذه الحقيقة حين قال إن أقدم قصيدة وصلت إلينا لا يتجاوز عمرها مئة وخمسين سنة قبل الإسلام، وهو تصريح يكشف حجم الفجوة الزمنية بين زمن القول وزمن التدوين، ويطرح سؤالًا نقديًا جوهريًا هل الشعر الجاهلي نصٌّ أصيل أم نصٌّ مروي؟

إنّ هذا البعد الزمني الطويل يجعل الشعر الجاهلي أقرب إلى “الذاكرة الجمعية” منه إلى “النصّ المكتوب”، ويُفسّر كثيرًا من الظواهر التي نجدها فيه، مثل اختلاف الروايات، وتعدّد النسخ، وتباين الألفاظ، بل وظهور بعض الكسور العروضية التي لا يمكن تفسيرها وفق نظام الخليل .

. فالشعر الجاهلي لم يكن يُكتب، بل كان يُؤدّى، وكان الشاعر يعتمد على الإيقاع السمعي، لا على التفعيلات، مما يجعل الأداء جزءًا من النص، والرواية جزءًا من التكوين .

ولهذا السبب، فإن دراسة الشعر الجاهلي ليست دراسة وزنٍ وصورةٍ فحسب، بل دراسة شفاهية ورواية وأداء، ودراسة مجتمعٍ كاملٍ كان يرى الشعر ديوانًا للحياة، لا مجرد فنّ لغوي .

وإلى اللقاء مع الشعر الجاهلي : الأسلوب – العروض وما لهذا الشعر وما عليه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

د. بحة الناي أحمد مصطفى الأطرش





مجلة وجدانيات الادبية (( د. عبد الرحيم الشويلي))(( الانتظار))

 قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ جِدًّا

الانْتِظَار


مُنْذُ أَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ عَلَى الدُّنْيَا، وَهُوَ يَنْتَظِرُ.


يَنْتَظِرُ فُرْصَةً تَفْتَحُ لَهُ بَابَ المُسْتَقْبَلِ، وَشَخْصًا يَأْخُذُ بِيَدِهِ، وَمَالًا يُغَيِّرُ حَيَاتَهُ، وَحُبًّا يُعَوِّضُهُ عَنْ سَنَوَاتِهِ، وَصُدْفَةً تَقْلِبُ مَوَازِينَ حَظِّهِ، وَحَتَّى مُعْجِزَةً صَغِيرَةً لَا يَعْرِفُ شَكْلَهَا، لَكِنَّهُ مُتَيَقِّنٌ أَنَّهَا فِي الطَّرِيقِ.


كُلَّمَا سَأَلَهُ أَحَدٌ:


ـ مَاذَا تَنْتَظِرُ؟


يَبْتَسِمُ بِثِقَةٍ وَيَقُولُ:


ـ شَيْئًا كَبِيرًا... لَمْ يَصِلْ بَعْدُ.


مَرَّتِ السِّنُونَ، وَكَبُرَتْ قَائِمَةُ انْتِظَارِهِ، وَصَغُرَ هُوَ.


صَارَ يَنْتَظِرُ الصَّبَاحَ لِيَبْدَأَ، وَ يوم الأحد لِيَعْمَلَ، وَالشَّهْرَ القَادِمَ لِيَتَحَسَّنَ، وَالسَّنَةَ الجَدِيدَةَ لِيُصْبِحَ شَخْصًا آخَرَ.


وَفِي صَبَاحٍ، دَخَلَ عَلَيْهِ صَدِيقُهُ، فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي المَكَانِ نَفْسِهِ.


قَالَ لَهُ:


ـ أَلَمْ يَأْتِ شَيْءٌ مِمَّا تَنْتَظِرُ؟


هَزَّ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا:


ـ لَا... لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَنَّهُ قَرِيبٌ جِدًّا.


نَظَرَ صَدِيقُهُ إِلَى يَدَيْهِ، فَرَآهُمَا تَرْتَجِفَانِ، وَعَلَى أَصَابِعِهِ طَبَقَةٌ خَفِيفَةٌ مِنَ الصَّدَإِ.


قَالَ مُذْهَلًا:


ـ مَا هَذَا؟


نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى يَدَيْهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، ثُمَّ ابْتَسَمَ:


ـ يَبْدُو أَنَّنِي انْتَظَرْتُ طَوِيلًا.


كُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الانْتِظَارُ هُوَ أَنْ يُرَاكِمَ الصَّدَأَ فَوْقَ أَجْسَادِنَا...!!.


بقلمي

د. عبد الرحيم الشويلي

القاهرة

1.سبتمبر.أيلول.2026م.