الأحد، 25 أكتوبر 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( الواجب )) بقلم الأستاذ أبو شيماء كركوك




......................
الواجب
أبو شيماء كركوك.
****************************
أوقات الليل والنهار ضاعت ساعاتها في بلادي، تضيع علينا غالبا من كثرة زلازل المحن ، في كل أركان الكرة الأرضية ينامون ست ساعات وأكثر في سكينة تعلوها أحلام وردية ،الا أهلنا نتفقد أحبابنا هل غيبه الظلام ؟ أم تاه عن الطريق ؟ أم عانق التراب ؟حتى كوابيس الأحلام أصبحت صديقتنا ،
نأكل الخبز والجبن والزيتون ، وفوقنا زخات دخان الرصاص والحرائق التي تخلفها صواريخ ومدافع العدو ،ل يجبرنا على الرحيل أو وضع أيدينا بالوحل،
صغيرتي تتعرق قلقا وخوفا ، كنت أحسبها من أصوات الانفجارات ،ولكن دموعها كتبت على خديها الحنطاوين
- لم أكتب واجب الرياضيات
مسحت دموعها وخطواتي تناغمت مع خطواتها الناعمة وانشد لها:
موطني موطني ،تقاطعني بجرأتها وتقول:
- هل تعود بلادنا؟
في غيابي عن البيت، أذهب مع المجموعة ،نخطط كيف نجعل القمر يفرح بتنظيف بقعة من أرضنا ،الشمس تغني لأيدينا السمراء ،حتى الطيور تأكل رؤوسها مرفوعة.
ولكن سؤال ابنتي الصغيرة صداه ملأ اركان خاطري وحرك كل الخلايا النائمة التي تحاول الهدوء والسكينة ،
كأن حروفها عاصفة فيها سلاح فعال مد يده كي يعيننا على الصولة الشجاعة ويحرق كل الأعشاب الزائدة التي تتغذى على أشجارنا،
دخلنا المدرسة وهي متأبطة يدي بشدة ،معلمتها شديدة المحاسبة ،وحريصة على بناء سلم أفكار الصغار بناءا لايخترقه الكسل أو الوهن ،وشرحت لها : الهجوم الصاروخي الجبان على أحيائنا الخالية من السلاح ،هجوما جعل الحيوانات لاتعرف اوكارها ،دخلت الواحدة بدل مكان الاخرى ،ولم يتسنى لها الرجوع الى التنفس الا بعد رحيل السلاح الأهوج، شرعت أنادي عند عودتي :
ياقدس يا فلسطين
انتي قلبي والعين
قبلتنا الاولى في الدين
شرفتي بسيد المرسلين
داس ترابك سيدنا الامين
صلوا عليك المرسلين
صعد البراق لرب العالمين
مازلنا في طور هجمة تقض السماء تمطر شهبا ،وتفجر الأرض حمما تحرقهم ، وكانت هذه المرة نصنعه في البيت ،
تذكرت طالبة جاءت الى المديرة تبكي وتقول ،
سألت المعلمة وضربتني :
- ماالفرق بين ياالله ،وياحبيبي؟
تأملت المديرة في وجه التلميذة الذكية بسؤالها الغير اعتيادي وأطالت الصمت ،
كسرت الصمت وأجبت:
- بنتي : يالله معناها ننادي رب العالمين باسمه
وياحبيبي نقول له : نحن نحبك
ارتسمت على وجه الطفلة الرضا
ارتاحت المديرة من الهواء الجاثم على قلبها حائرا لايعرف أين الفضاء ،
بدأت أبحث عن مواد مكونات الفتيلة التي أصنعها في البيت في غرفة منزوية خلف الدار وعن العائلة ،وامارات الخوف واضحة على وجه زوجي الذي يموت عشقا في حبي
يحضنني في كل عودة من الخارج ،أو الخروج وكأنه يودعني
يتمتم كلمات عندما يشم عطري ،
كنت أحسها شعر غزل ،لكن يدعوا
دعاءا يحرق القلب والوجدان ،
ولسان حاله :
لاترحلي أنتي أملي
برحيلك يأتي أجلي
ارمي العدو وصلي
أنفاسك أروم ظلي
انتي روحي وكلي
في الدنيا انتي لي
انتي نورعيوني علي
لاتفجعي بنتي وأهلي
أدور في السوق ك نحلة تبحث في خبايا الورود شيئا يرضي الملكة بما جادت من حلو العطور والرسائل التي تبعثها الازهار لترسم بسمة على وجهها
أرى امراة تمسك بطفلة تومئ بيدها الناعسة ،تقربت وعلى وجهها الفرح
- مااسمك؟
- فدائية اسمي ،الا تتذكرين سؤالي عند المديرة
- تذكرتك ،يالله ياحبيبي
حضنتها وتهمس في اذني، أريد أن أكسر زجاج العدو وأجعله يتطاير يذبحه ويجرحه ولكن أمي لاتوافق ،
كلماتها جعلت البذور في روحي تخرج من داخلها وبدت الاوراق الخضراء تورق وتنفث رائحتها الزكية وثمارها لابد أن تخرج للعيان ،
ألهمتني بالأخذ بيد بنتي الى مساعدة اشعال النيران ،صغار النار يشعل جدار العدو ،يرعبهم ب حجارة من سجيل ،وأنفاس الصغار التي تحرق الاوكسجين الذي يحتضن الحجارة والقناني التي تحمل الفتيلة ،
صغار قلوبهم نور
وجوه ك ورد جور
قلوب ك جبل طور
كرمهم ك ماء زهور
يشبهون ملائكة حور
أصوات الطائرات التي تغطي سماء بلادي ،تجعل الحمام يحضن افراخه بأجنحته ويضع رأسه بجوارهن ،
والغيوم تجعل الظلام سرمدا مؤقتا ،العربة التي تحمل القنبلة بيدي تزاحمني ابنتي الصغيرة تدفعها حينا ،قبل موضع التفجير شاهدت بنتا تبحث عن أهلها ،خاطبت بنتي
- خذي هذه البنت وأعطيتها عباءتي
وبعد هنيئات كانت سيارة الأعداء أشلاءا متناثرة مع أصوات الرعد
بنتي تعود لأبيها ملتحفة بعباءتي تصاحبها الدموع...
ابوشيماء كركوك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق