مسرحية قصر الرمال
حين يلتقي الحلم بالواقع على طاولة مقهى عتيق، وتتحول الكلمات إلى جذور.. ماذا يتبقى عندما تحزم الأحلام حقائب السفر؟
**قصر الرمال**
*(نص درامي في مشهد واحد – بروح الواقعية النفسية والرمزية، على خطى المسرح الذهني لتوفيق الحكيم، والتكثيف الدرامي ليوسف إدريس)*
**الشخصيات:**
* يُوسُف: 25 عاماً، كاتب حرّ، حالم.
* سَارَة: 27 عاماً، مهندسة ديكور، واقعية.
**المكان:**
مقهى أدبي قديم – رائحة البُنّ العتيق تمتزج بعطر الورق القديم. جدران مزينة برسومات شعراء وكُتّاب رحلوا – ضوء ذهبي خافت يسري من مصابيح نحاسية. في الخلفية، رفّ كتب يضم دواوين شعر ونصوصاً مسرحية قديمة.
[يُوسُف يجلس عند طاولة خشبية عليها أوراق مبعثرة، يقلب مفكرة قديمة. بجانب كرسيه حقيبة سفر صغيرة. بينما سارة تدخل بحقيبة تصميم أنيقة، تجلس مقابله بصمت.]
**يُوسُف:**
(يغلق المفكرة بهدوء)
كنتِ ترسمين شجرة بلوط في مقهى الجامعة.. يوم رأيتك أول مرة. قالوا إن مهندسة الديكور تهتم بالشكل فقط.. لكنني رأيت في عينيك عمقاً يبحث عن الجذور.
**سَارَة:**
(تلمس فنجان القهوة بحنان)
وكنتَ تكتب قصيدة عن طائر يبني عشاً من كلمات.. كم كانت بريئة تلك الأيام.. قبل أن تحملنا رياح المسؤولية.
[تسقط ملعقة صغيرة من حقيبة سارة، يصمتان 5 ثوانٍ]
**يُوسُف:**
(بصوت مرتجف)
أحلم بالزواج منكِ..
[تتجمد سارة. تضع الفنجان على الطاولة دون صوت.]
**سَارَة:**
(بعد صمت)
وماذا تملك غير الحلم؟
**يُوسُف:**
(ينظر إلى يديه، ثم يرفعهما أمامها)
قلماً.. وراتباً لا يشتري فيلا.
**سَارَة:**
(تحرك الملعقة في فنجان فارغ)
ولا أريد فيلا. أريد بيتاً لا يسقط حين يهبّ عليه الواقع.
**يُوسُف:**
لا أملك ضماناً. أملك فقط أني لا أعرف كيف أكتب سطراً لا تكونين فيه.
**سَارَة:**
(بجفاف)
جملة جميلة.. وسمعت مثلها.
[صمت.]
قبلك بنى لي أحدهم قصراً من رمال. أول موجة واقع جرفته.. ومنذ ذلك اليوم صرت أعرف سُمك كل حبّة.
**يُوسُف:**
(يمسك حافة الطاولة)
وأنا خائف أن أكون القصر الثاني.
**سَارَة:**
(تنظر إليه مباشرة لأول مرة)
وأنا خائفة أن أصدّقك.
[يشيح يوسف بنظره إلى الحقيبة. سارة تتبع نظره.]
**سَارَة:**
(بهدوء)
لمن الحقيبة؟
**يُوسُف:**
لي. غداً. عرض عمل.. سنتان.
**سَارَة:**
(تضع الملعقة على الطاولة، صوتها مكتوم)
وتقولها الآن؟ بعد «أحلم بالزواج منكِ»؟
**يُوسُف:**
كنتُ سأقولها قبلها.. فجبنت.
**سَارَة:**
وعودتك؟
**يُوسُف:**
لم أحجز عودة.
**سَارَة:**
(ضحكة قصيرة بلا فرح)
لم تحجز عودة.. وتطلب مني أن أصدّق.
[صمت طويل. الملعقة بينهما. يلتقطها يوسف ويمدّها إليها.]
**يُوسُف:**
لا أطلب أن تنتظريني. أطلب فقط ألّا تُغلقي الباب.
[تأخذ سارة الملعقة. تنظر إليها طويلاً. لا تقول شيئاً.]
**يُوسُف:**
لنبدأ.. كشجرة البلوط.
**سَارَة:**
(تبتسم للمرة الأولى)
سنتان.. والبلوط لا يستعجل.
[تخرج سارة بالملعقة في يدها.]
[يبقى يوسف جالساً. يفتح مفكرته. تسقط ورقة بيضاء على الأرض. يقلب الصفحات حتى يصل إلى الرسمة القديمة: شجرة بلوط رسمتها سارة.]
[ينحني. يلتقط الورقة. يضعها فوق الرسمة.]
"الفصل الأول: قصة حب."
[يضع قلمه فوق الورقة البيضاء التي كتب عليها. يغلق المفكرة. يأخذ حقيبته. يقف. يخرج.]
[الإضاءة تبقى على الطاولة. المفكرة مغلقة. القلم فوقها.]
[صمت 5 ثوانٍ كاملة. لا موسيقى. صوت الماكينة فقط.]
[تدخل سارة ببطء.. تفتح المفكرة. ترى الرسمة، وترى سطر يوسف. تبتسم. تأخذ القلم، وتكتب تحته بخط واضح:]
> "الفصل الثاني: رواية سفر."
>
[تغلق المفكرة برفق، وتترك القلم فوقها كأمانة معلقة بين الحلم والواقع. تلتفت وتمضي.]
[الإضاءة تخفت تدريجياً، لتبقى بقعة ضوء دافئة حاضنة المفكرة على الطاولة. في الخلفية، تبدو ظلال شجرة بلوط عملاقة كأنها تنبت من عمق الحروف.]
تسدل الستار ببطء على هذه الصورة
[ظلام.]
*تأليف الكاتب: هاني فتحي عبد العزيز خليفة*
*جمهورية مصر العربية – الإسكندرية – باكوس*
*جميع الحقوق الأدبية والفكرية محفوظة للمؤلف 2026*
#أدب #مسرح #نص_درامي #هاني_فتحي_عبد_العزيز_خليفة #الإسكندرية #باكوس #إبداع_أدبي #ثقافة #مسرحيات

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق