السبت، 26 سبتمبر 2026

مجلة وجدانيات الادبية ((موقع صدى البلد صخر محمد حسين العزة عمان – الأردن))(( نافخة الكير))

 نــافــخــة الــكــيـر

بقلم : صخر محمد حسين العزة 

عندما خلق الله البشر ، وبدأت عملية تشكُل ونشوء الأُمم ، وأصبحت تتكون المجتمعات ، فبدأت تتشكل لكل أمة عادات وتقاليد تخُصها ، حيثُ يتجمعُ أفراد مُجتمع ما في بيئةٍ جٍغرافيةٍ مُحددة ، ومع مرور الزمن والتعامُل اليومي المُستمر تتحول السلوكيات إلى عادات ثُنائية ثم تقاليد جماعية مُلزمة تُشكل الهوية الثقافية الفريدة لكُلِّ أُمة ، وقد تصل بعضُ هذه العادات والتقاليد إلى القُدسية ، فما هو مفهوم العادة ، وما مفهوم التقاليد

العادة : العادة هي سلوك أو فعل يتكرر بانتظام حتى يصبح تلقائياً وسلساً ويحدث دون جهد ووعي كبير ، أو ما تكرر وصارت ديدناً ، وسُميت بذلك لأن صاحبها يعاودها مرةً أُخرى ، وتنشأ نتيجة التكرار بانتظام

التقاليد : هي مجموعة المعتقدات، والسلوكيات، والأعراف المتوارثة التي تنتقل عبر الأجيال داخل المجتمع، وتمتلك قيمة رمزية ومعنى خاصاً يربط الحاضر بالماضي ، وهي موروثات ثقافية وإجتماعية من سنن وأعمال وقيم يرثها الخلف عن السلف، وتُسهم في توجيه سلوك الأفراد وضبط إيقاع الحياة العامة ، وتنتقل تلقائياً من الآباء والأجداد إلى الأبناء والأحفاد ، وتبقى راسخة وثابتة لفترات زمنية طويلة مقارنة بالموضات أو السلوكيات العابرة

في كُل المجتمعات تتشكلُ عاداتٍ وتقاليد وموروثات تُصبح جزءاً من ثقافتها ، وللعادات أثرٌ لا يخفى في ثقافة المجتمع مما ينعكس عليه إيجاباً أو سلباً بشكلٍ كبير سيرهِ وسيرته  ، والعادات يُمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أقسام : مُكتسبة ومُستنسخة ومُتوارثة ، فالمُكتسبة هي  سلوكيات يتعلمها الإنسان ويمارسها بشكل متكرر حتى تصبح جزءاً تلقائياً من روتينه اليومي دون تفكير مسبق ، أما المُستنسخة فهي العادات والسلوكيات التي يُمارُسها أفراد في مُجتمعٍ ما من خلال التقليد والمُحاكاة الحرفية للآخرين دون تفكيرٍ نقدي أو تكييفها لتتناسب مع واقع وثقافة المُجتمع الخاص بهذه الفئة ، أما العادات المُتوارثة فهي الممارسات والسلوكيات الاجتماعية والثقافية التي تنتقل عبر الأجيال من الآباء والأجداد إلى الأبناء، وتشكّل هوية المجتمع وملامحه الحضارية ، والعادة بعد فترةٍ من الزمن تُصبح تقليداً وعادةً يتعود عليها المرء أو المُجتمع ، وبعض العادات مع مرور الزمن تصلُ أحياناً إلى مرحلة اللا عودة ، وتكتسبُ صفة القداسة بحيث تُصبح جُزءاً لا يُمكن فصلهِ عن ذلك الشخص أو عن ذلك المُجتمع ، وقد تصل إلى التضحية بالنفس والنفيس في سبيل الحفاظ عليها وعدم التخلي عنها وتبقى مصونة ، والعادات كما أوردت في البداية منها إيجابية مُرتبطة بالأخلاق الحميدة ، ومتصلة بالعقيدة السليمة والدين القويم الحنيف ، وتُساهم في غرس القيم الفاضلة في الأفراد والمُجتمعات ، وهناك عادات من قبيل المُباح وليس فيها أمرٌ ولا نهي عنها وهي ما كانت غير متصلة بالعقيدة والعبادات ، والمعاملات ، وليس فيها ضررٍ على أحد  ،وقد تتحول إلى عبادات يُثاب عليها الإنسان إذا صاحبتها النية الصالحة ، وهناك عادات سلبية سيئة يكون فيها الضرر على الفرد وعلى المُجتمع  

إن ما دفعني لكتابة مقالي هذا عن العادات والتقاليد ، عن عادة وسلوكية معينة مستشرية في مجتمعاتنا وبالأخص في مجتمعنا الأردني ، هو عادة شرب أو تدخين الأرجيلة ( الشيشة) من قِبَل الرجال والنساء ، والذي جعلني أن أهتم بالكتابة هي واقعة طلاقٍ حصلت في الأردن كان سببها الأرجيلة ، حيث أن سيدة مدمنة على تدخين الأرجيلة متزوجة ولديها طفلٌ واحد ، وطلب زوجها الإقلاع عن هذه العادة السيئة ، لأنه يُعاني من مشاكل صحية وضيق في التنفُس ، كذلك أدَّى إدمانها تدخينها الأرجيلة  بشكل مُستمر إلى تفاقم مرض الحساسية ومشاكل التنفس لدى طفلهما الصغير ، ولكنها رُغم ذلك  رفضت ، وتطور الأمر إلى أن وصل إلى القضاء ، فخيرها القاضي بين أمرين إما إلاقلاع عن شُرب الأرجيلة ، أو التخلي عن زوجها وإبنها ، فكانت الصدمة الكبرى ، أن اختارت الأرجيلة وحصل الطلاق ، وهذه الحادثة حدثت أيضاً في دولٍ أخرى كان سببها تمسك النساء بالأرجيلة ، ولهذا رغبت أن أكتب عن  هذا الموضوع لأهميته ،وأخص في مقالي النساء في بلدنا الأردن تحديداً 

لقد كرَّم الله المرأة وجعلها ريحانة المجتمع ، وأساس التربية ، ومنبع الجمال ، فعلى المرأة أن تُحافظ على هذه النعمة وهذه الخاصية التي كرمها الله بها ، ولكن في عصرنا الحالي ، ومع انتشار موروثات وعادات دخيلة على مجتمعنا ومع متغيرات العصر فأصبحت الكثير من النساء ينظرن  إلى بعض التقاليد أو العادات على أنها طابع حضاري وعصري ، وأنها نوعٌ من الحُرية ،  وتتطور بعض هذه العادات إلى أن تصل إلى حد القداسة ومن الصعب التخلي عنها ، وهذه العادة تؤدي إلى هدم الكيان الصحي والجمالي للمرأة عدا عن الخلل الإجتماعي الذي يؤدي إلى تفكك الأسرة ، وهذه العادة أو الظاهرة هي التي تشمل تدخين السجائر ، وشرب الأرجيلة ( الشيشة ) التي أصبحت معول هدمٍ للصحة والدين والمروءة ودمار للأسرة ، وشرعياً ففيها تحريمٌ مُطلق نظراً لضررها البالغ على الصحة وإلحاق الأذى بالنفس وبالآخرين  وإتلاف المال وإضاعته ، وقد قال تعالى في سورة البقرة – الآية 195 : { ولا تُلُقوا بأيديكُم إلى التَّهْلُكة }

لقد أصبحت الأرجيلة (الشيشة) تُعد في المجتمعات العربية أكثر من مجرد عادة تدخين، إذ تحولت لدى البعض إلى أسلوب حياة ونشاط اجتماعي يومي. ومع ذلك، تشير الدراسات والتقارير الاجتماعية إلى أن الإفراط في ارتياد المقاهي أو تدخين الأرجيلة داخل المنزل أصبح سبباً مُتزايداً للمشاكل الأُسرية وحالات الطلاق في عدة دول عربية ، وقد أظهرت إحصائية حديثة صادرة عن محاكم الأسرة أن عدد القضايا التى كان تدخين "السجائر "والشيشة" سببا رئيسيا فى تحريكها من قبل أحد الزوجين وصل إلى 17 ألف دعوى، كان تدخين النساء سببا فى 11 ألف دعوى منها، أما الـ6 آﻻف دعوى المتبقية فكان تدخين الرجال هو السبب .

إن شرب الأرجيلة كنافخ الكير فهو قد يؤذي نفسه ، ويؤذي غيره ، عدا عن الرائحة الكريحة وكذلك الحال بالنسبة للأرجيلة التي أصبحت أذىً لصاحبها ولغيره ، قد يتمتع بها وبرائحتها في لحظتها ولكن ما عواقبها بعد ذلك من أثر على الصحة تؤدي مع الإستمرار إلى الأزمات الصدرية وشحوب وذبول الوجه واصفرار اليدين والأسنان  ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي موسى الأشعري : ( إِنَّما مثَلُ الجلِيس الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا طيِّبةً، ونَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يَحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً )

إن جوهر المرأة الحفاظ على أنوثتها وصفائها ونقائها ، فكيف لك أن لا تحافظي على نعمة وهبها لك الله بأن تطمسي جمالك ، وتهلكي صحتك ، وتدمري أسرتك التي أنت مربية للأجيال ، وقد  تنقلي عادتك المدمرة لأبنائك لتهلكي صحتهم ويهدروا أموالهم من أجل نفثة دخان ، فكوني رفيقة بجمالك فلا تطمسيه تحت رماد سيجارة أو أبخرة أرجيلة للحظة نشوة عابرة ، وما تكرار هذه العادة السيئة إلا إنتحارٍ بطيئ عبر إستنشاق هذه السموم التي تُدمر أجهزة جسدك الحيوية  ، وقد قال الله تعالى في سورة البقرة – الآية رقم 195 :{ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ، وكما تفيد الدراسات أن الأرجيلة تحتوي على مواد ذات آثارٍ  كبيرة ومدمرة لجمال المرأة وصحتها كتغير لون الأسنان، وظهور علامات الشيخوخة في مرحلة مبكرةً من العمر ، كما أنها تضر بالصحة حيث تقل المناعة مما يجعل الفتاة عرضة لأمراض القلب والرئة والسرطانات المختلفة، كما تؤثر على الخصوبة وتؤدي إلى التشوهات الجينية، كما تقضي على مكانة الأم عند أبنائها ويكونون عرضة للإدمان بكل تبعاته .


وإن من الآثار المدمرة للمرأة في تدخين الأرجيلة لمن تكون حامل وتؤدي إلى أضرارٍ مضاعفةٍ للمرأة الحامل ، وتؤدي إلى التأثير على الجنين من إنقاصٍ للوزن وتعرضه لمشكلات تنفُسٍ خطيرة  ، فإن توجه الكثير من النساء نحو تدخين الأرجيلة ناتج عن قصور في فهم مضار ومخاطر التدخين على نمو الجنين، وعلى جهازه التنفسي أيضاً بالدرجة الأولى

  إن إنعدام الوعي الصحي والإجتماعي والثقافي قد ساهم إلى حدٍ ما في إنتشار هذه الظاهرة ، وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى تأخر الولادة ، وقد يولد بعض الأطفال مشوهين  

إن تدخين الشيشة ( الأرجيلة) في الأردن عند النساء نسبتها رقما صادماً حيث تتجاوز حسب تقرير منظمة الصحة العالمية 43% وهذه تتجاوز نسبة تدخينها من الرجال ، وقد قدرت "منظمة الصحة العالمية" عدد مستخدمي التبغ ومدخنيه في الأردن عام 2022 بـ 2.77 مليون شخص، منهم 2.29 مليون ذكر و483 ألف أنثى، وجاءت عمّان في المرتبة الأولى من حيث التدخين بين الأفراد في منطقة الشرق الأوسط بـ 36 في المئة، كما ورد في تقرير "اتجاهات تعاطي التبغ 2000-2030" الصادر عن منظمة الصحة العالمية ، وبحسب إحصاءات وزارة الصحة الأردنية فإن أكثر من 50 في المئة من الشباب الأردني الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و24 سنة يدخنون الشيشة بانتظام ، وأفاد  التقرير الذي بُني على نتائج مسح أجرته منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع وزارة الصحة الأردنية، وصل إلى خلاصة أن الأردن هو الأول على مستوى العالم في نسبة التدخين بين الذكور في الفئة العمرية بين 18 إلى 69 عاما ، في التقرير أيضاً ، نجد شيئا أكده كثيرون ممن تواصلت معهم مجلة مرايانا في الأردن، وهو أن العائلة الأردنية تنفق شهرياً على التدخين 73.6 دينار (104 دولارات)، وهو أكثر مما تنفقه كل عائلة على كل من الفاكهة (26.6 دينار)، والألبان والبيض (38.2 دينار)، والخضار والبقوليات (42.1 دينار) واللحوم والدواجن (50.4 دينار شهريا )

وهذه الظاهرة السلبية دخيلة على عاداتنا وتقاليدنا في مجتمعنا الأردني المحافظ ، فعدد كبير من النساء يرتدن المقاهي والمولات والمطاعم لتدخين الأرجيلة ، ولا يفارقنها في بيوتهن ، وهذه كلها لها آثارها السلبية من دمارٍ على الصحة والمجتمع ومظهر غير مألوف في القيم الإجتماعية ، وما هذه العادة إلا عملية تدميرٍ للذات وتقضي رويداً رويداً على أجهزة الإنسان الحيوية وأهمها الرئتان ، وفي العُرف الإجتماعي الكثير من الشباب يعزف عن الزواج من الفتاة المدخنة للسجائر وشرب الأرجيلة التي يعتبرها مخالفة للدين ، وذلك إقتداءاً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم – عن أبي هريرة قال : (تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا ،  وَلِجَمَالِهَا، ولِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاك ) لأن الإنسان المؤمن عند رغبته باختيار شريكة حياته ، يختارها : إمَّا لجمال، وإما لحسبٍ، وإما لمالٍ، وإمَّا لدينٍ، فوصَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم باختيار ذات الدِّين ( فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك)، وإن كان همُّك المال أو الحسب أو الجمال، فقد يُطغيها جمالها، وقد يُطغيها مالها، وقد يُطغيها حسبها، لكن عليك بالدِّين الذي هو الحافظ بتوفيق الله، فإذا اجتمع مع الدِّين حسبٌ أو مالٌ أو جمالٌ فهذا خيرٌ إلى خيرٍ

وختاماً أقول يا نساء الأمة وفي الأردن يا من تُشكلن عماد المُجتمع ، وأساس نهضته ، فأنتُنَّ صانعات الأجيال ، والمدرسة الأولى التي تُعد الرجال ، عليكُن أن تعتززن بهويتكُن وقيمكُن الإسلامية والإنسانية النبيلة ، وأن تتخلين عن كل مُنكر وعادات وتقاليد دخيلة التي يزينوها لكن على أنه نوعٌ من التحرر ، ولكن ما هو إلا معول هدم لقيمكن ولمبادئ دينكن وتفكيك لأسركن وضياع أبنائكن ، وصدق الشاعر الذي قال عن الدخان والشيشة وضررهما الأبيات التالية : 

                            أنــا السرطـان والـقـارُ              أنــا سِـــلٌّ وأخــطــارُ

                            أنا الأمـراض أجـمعها               ومــنهـا أنـت تـخـتـار

                            أنــا عُــلــبٌ مُــلـونــةٌ               وعندي الموتَ أشكالُ

                            حـــرمـــت مــمــن زاد              وهـان لأجـلي الــمـال

                            لـقـد سمـمـت أجـواءك              وناري أصبحت داءك

                            فــكـم آذيــت أبــنــاءك              وكم أحـرقت أحشاءك

                            بـجـيـبـك لي مـكـانـات              ومـن رئـتـيـك أقـتـات

                            فـكـم أوهــمـتَ ذا هـمٍّ               بـتدخيني لدى الغضب

                            تـعـالـوا يــا أحـبـائـي               لأقــتــلــكـم بـأوبـائـي

                           أنا وصديقتي الشيشة               نُـعـكِّـرُ صافـي العيشة                      

                           عـدوي صاحب الصبر              بـه يـقوى على قهري

                           نـجا بالعـزم والإيـمان              من كـدري ومن شري


 المصادر : 1 – الإندبندنت

              2 – مجلة مرايانا

             3 – موقع صدى البلد

صخر محمد حسين العزة 

عمان – الأردن

25/9/2026


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق