الأحد، 6 سبتمبر 2026

مجلة وجدانيات الادبية (( د. عبد الرحيم الشويلي))(( الانتظار))

 قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ جِدًّا

الانْتِظَار


مُنْذُ أَنْ فَتَحَ عَيْنَيْهِ عَلَى الدُّنْيَا، وَهُوَ يَنْتَظِرُ.


يَنْتَظِرُ فُرْصَةً تَفْتَحُ لَهُ بَابَ المُسْتَقْبَلِ، وَشَخْصًا يَأْخُذُ بِيَدِهِ، وَمَالًا يُغَيِّرُ حَيَاتَهُ، وَحُبًّا يُعَوِّضُهُ عَنْ سَنَوَاتِهِ، وَصُدْفَةً تَقْلِبُ مَوَازِينَ حَظِّهِ، وَحَتَّى مُعْجِزَةً صَغِيرَةً لَا يَعْرِفُ شَكْلَهَا، لَكِنَّهُ مُتَيَقِّنٌ أَنَّهَا فِي الطَّرِيقِ.


كُلَّمَا سَأَلَهُ أَحَدٌ:


ـ مَاذَا تَنْتَظِرُ؟


يَبْتَسِمُ بِثِقَةٍ وَيَقُولُ:


ـ شَيْئًا كَبِيرًا... لَمْ يَصِلْ بَعْدُ.


مَرَّتِ السِّنُونَ، وَكَبُرَتْ قَائِمَةُ انْتِظَارِهِ، وَصَغُرَ هُوَ.


صَارَ يَنْتَظِرُ الصَّبَاحَ لِيَبْدَأَ، وَ يوم الأحد لِيَعْمَلَ، وَالشَّهْرَ القَادِمَ لِيَتَحَسَّنَ، وَالسَّنَةَ الجَدِيدَةَ لِيُصْبِحَ شَخْصًا آخَرَ.


وَفِي صَبَاحٍ، دَخَلَ عَلَيْهِ صَدِيقُهُ، فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي المَكَانِ نَفْسِهِ.


قَالَ لَهُ:


ـ أَلَمْ يَأْتِ شَيْءٌ مِمَّا تَنْتَظِرُ؟


هَزَّ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا:


ـ لَا... لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَنَّهُ قَرِيبٌ جِدًّا.


نَظَرَ صَدِيقُهُ إِلَى يَدَيْهِ، فَرَآهُمَا تَرْتَجِفَانِ، وَعَلَى أَصَابِعِهِ طَبَقَةٌ خَفِيفَةٌ مِنَ الصَّدَإِ.


قَالَ مُذْهَلًا:


ـ مَا هَذَا؟


نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى يَدَيْهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، ثُمَّ ابْتَسَمَ:


ـ يَبْدُو أَنَّنِي انْتَظَرْتُ طَوِيلًا.


كُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الانْتِظَارُ هُوَ أَنْ يُرَاكِمَ الصَّدَأَ فَوْقَ أَجْسَادِنَا...!!.


بقلمي

د. عبد الرحيم الشويلي

القاهرة

1.سبتمبر.أيلول.2026م.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق