الــشــيــعــة بــيــن الــمــاضــي والــحــاضــر
بقلم : صخر محمد حسين العزة
ختم الله عزَّ وجلْ الرسالات السماوية بالإسلام ، وكان خاتم الأنبياء والرُسُل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلّم ، ولحكمة إلهية فقد اصطفى الله عزَّ وجلْ جميع أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وهم صغار إلى جوارهِ حتى لا يُفتنَ بهم بعض المُحبين ، ويظنوا أن النبوة سيرثها أحد أبنائه كما كانت تُورثُ في بني إسرائيل ، ولذلك أكدت النصوص أنَّ الرسالة خُتِمت ، ولا نبيَّ بعده ، قال تعالى في سورة الأحزاب – الآية 40 : { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} وقبل وفاته أيضاً لم يترك وصية لخلافته في إدارة شؤون دولة الإسلام ، ولم يُحدد طُرُقاً تُتبع في اختيار الحاكم ، ولكنه وضع قواعد عامةٍ يجبُ أن يُراعيها الحاكم في سيرته بين الناس ، وأرسى الإسلام باب الإجتهاد وفق الأُصول والثوابت والقيم والمبادئ ومُراعاة تغُير الزمان والمكان وتعاقُب الأجيال ، وتقلُبات الظروف الإجتماعية والإقتصادية والسياسية ، وغيرها مما يتحكم بالنظام السياسي ويؤثر عليه ، وسلَّم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أمر اختيار الحاكم ونظام الحُكم للناس ليُقدروا ما يُناسب متطلبات الزمان والمكان والظروف المتغيرة حسب الحقبة التي يعيشون فيها ، واضعاً لهم نظام الشورى ، الذي هو أعظم نظام ديموقراطي رسخهُ الإسلام لاختيار الحاكم المناسب ، مُستعيناً بقول الله تعالى في سورة الشورى- الآية 38 { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} .
وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم في الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشر للهجرة إجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة حول زعيم الخزرج سعد بن عُبادة رضي الله عنه لتداول الأمر بينهم في اختيار من يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وكان ذلك بدون علم المُهاجرين ، فعلم عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق وأبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنهم بذلك فانطلقوا إليهم لحضور هذا الإجتماع ولمواجهة الأمر بالعقل والتدبُر والتشاور لأن مصلحة الأُمة ودولة الإسلام فوق كُلِّ مصلحة وفوق كُلِّ اعتبار ، ولو لم يحضروا لحدث واحدٌ من الأمرين كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (وإنَّا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة: ( أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد ، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين، فلا يتابع هو ولا الذي بايعه ) ولدرء الخلاف بين المُهاجرين والأنصار تقدم أحد الصحابة من الأنصار وبايع أبا بكر ، فبايعهُ المُهاجرون ، ثم بايعهُ الأنصار، وبعد ذلك أثنى أبو بكر على الأنصار قائلاً ما قالهُ رسول الهم صلى الله عليه وسلم: (لو سلك الناس وادياً وسلك الأنصار وادياً لسلكت وادي الأنصار ) ووجه كلامه لسعد بن معاذ قائلاً : ( ولقد علمت يا سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنت قاعد "قُريش ولاة الأمر" ) وهكذا بحكمة أبو بكر درء فتنة كادت أن تقع بين المهاجرين والأنصار ، مُستعيناً بكتاب الله عزَّوجلْ ، وبسُنة نبيه صلى الله عليه وسلَّم ، وذكرهم بوصية رسول الله لهم بأن يقبلوا من مُحسنهم ويتجاوزوا عن مُسيئهم ، وذكرهم بقول الله عنهم وعن المُهاجرين بأن سمَّى المُهاجرين بالصادقين ، والأنصار بالمُفلحين بقوله تعالى في سورة الحشر – الآيات [8-9] : { لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(8) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(9)}.
ولكن هل انتهى الخلاف في سقيفة بني ساعدة ، أم كان هناك جانبٌ آخر من الخلاف ؟!! فقد كان يوجد وجهٌ آخر من الخلاف يُدار حيثُ أنهُ لم يحضر في الإجتماع أي أحدٍ من الصحابة من بني هاشم وعلى رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، واعتبروا مُبايعة أبي بكر دون الرجوع إليهم مُخالفة لأمر الشورى ، ولكن ما قام به أبو بكر وإعلان مُبايعته لعامة الناس لمنع فتنة كادت أن تقع بين عموم المسلمين ، ولكن بعض الأنصار قالوا أن الشخص المؤهل لتولي الخلافة ، ولا أحد يُمكن أن يقدر على مُنافسته هو علي بن أبي طالب ، ولم تتم مبايعة أبي بكر على الخلافة من علي بن ابي طالب وأبناء بني هاشم وصحابة آخرين إلا بعد وفاة فاطمة الزهراء رضي الله عنها .
أما بالنسبة لرأي الشيعة في موضوع اجتماع السقيفة فهم يقولون إن ما تمخَّض عنه الإجتماع كان مخالفةً عن صريح وصايا النبي صلى الله عليه وسلَّم حول استخلاف علي بن أبي طالب رضي الله عنه من بعده ، ويذكرون واقعة غدير خُم إن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال : ( إن عليَّاً مني وأنا منه ، وهو وليُّ كُل مؤمنٍ بعدي "ولكل نبيٍّ وصي ، وأنَّ وصيي علي بن أبي طالب" وقال : "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها"
ولكن حسم الأمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمبايعته لأبي بكر ، وبدأ أبو بكر بإرساء قواعد الدولة الإسلامية وبدأ خلافة الراشدين ، ليكون أول حاكم لدولة الإسلام ، ودامت خلافته سنتان وثلاثة أشهر وفي فترة خلافته أنفذ بعث أسامة بن زيد لقتال الروم وحارب المرتدين وقاتل مسيلمة الكذاب ، وفي عهده حصلت معركتا اليرموك وأجنادين ، واستلم الخلافة بعده عمر بن الخطاب واستمرت خلافته عشر سنوات ، وفي عهده بلغ الإسلام مبلغاً عظيماً ، وتوسع نطاق الدولة الإسلامية ، وفي عهده تم فتح الشام وأدخل القدس تحت حكم المسلمين ، وقضى على دولة الفُرس ، وفتح مصر وبرقة وطرابلس ، وتم اغتياله على يد الفُرس وقام بذلك أبو لؤلؤة المجوسي حقداً عليه لأنه أنهى إمبراطوريتهم ، وبويع بالخلافة بعده عثمان بن عفان رضي الله عنه بالشورى ، وقد استمرت خلافته نحو اثنى عشر عاماً، تم فى عهده جمع القرآن وعمل توسعة للمسجد الحرام وكذلك المسجد النبوي، وفتحت فى عهده عدد من البلدان وتوسعت الدولة الإسلامية، فمن البلدان التى فتحت فى أيام خلافته أرمينية وخراسان وكرمان وسجستان وإفريقية وقبرص ، وأنشأ أول أسطول بحري إسلامي لحماية الشواطئ الإسلامية من هجمات البيزنطيين ، وفي النصف الثاني من خلافته ظهرت أحداث الفتنة التي أدت إلى اغتياله ، وقد افترى جماعة من أهل الفتنة تصرفات باطلة على عثمان رضي الله عنه، وهاجموا ولاته في الأمصار، وطعنوا بمصداقيتهم، وقد كبرت الفتنة على يد عبد الله بن سبأ اليهودي، المعروف باسم ابن السوداء، وكان يدعي الإسلام ، وقد توجه إلى البصرة وحاول أن يحدث فتنة فيها ، فاجتمع عليه نفرٌ سمعوا له ، لكنه أُخرج منها ، وقصد الكوفة ففعل فيها مثل ما فعل في البصرة، وأخرج منها، فاستقر في مصر، وبقي على تواصل مع أهل الفتنة من البصرة والكوفة ، وكان جُلّ حديث عبد الله بن سبأ عن التشنيع بولاة عثمان ، والطعن بهم ، ومهاجمتهم ، ثم تجرأ حتى أصبح يهاجم الخليفة نفسه، وكانوا يخططون للقدوم إلى مكة في موسم الحج والخروج على أمير المؤمنين وعصيانه علناً ، وتفاقمت الفتنة إلى أن حاصر من قاموا بالفتنة بيت عثمان بن عفان لمدة تقارب أربعين يوماً وحتى لم يسمحوا له بالذهاب إلى الصلاة ، وبقي كذلك الحال إلى أن دخل عليه إثنان وعشرون رجلاً وتناوبوا على قتله ، وكان استشهاده في شهر ذي الحجة سنة خمسة وثلاثين للهجرة ، واستلم بعده علي بن أبي طالب رضي الله عنه وحكم مدة خمس سنواتٍ وثلاثة أشهر ، ويعتبره الشيعة أول أئمتهم ، وقد شهد عهده تقدم حضاري ملموس وخاصة في عاصمة الخلافة الجديدة في الكوفة ، ولكن شابت فترة خلافته الفتن وحصلت معارك كثيرة وكانت امتداداً لفتنة مقتل عثمان بن عفان ، مما أدى لتشتت صفوف المسلمين وانقسامهم إلى شيعة علي الخليفة الشرعي ، وشيعة عثمان بن عفان .
وبعد مقتل عثمان بن عفان وفي سنة خمس وثلاثين للهجرة أراد الصحابة مبايعة علي بن أبي طالب لكنه رفض في البداية ، ولكن مع إلحاحهم طلب أن تكون المبايعة في المسجد حتى تكون برضا المسلمين ، فبايعه المهاجرون والأنصار ، وفي سنة ست وثلاثين للهجرة أرسل الرُسُل للأمصار من أجل أخذ البيعة له ، فمنهم من بايع بانتظار بقية الأمصار ، ومنهم أراد الأنتظار حتى يتبين الأمر في قتلة عثمان بن عفان ، وكان الرأي الأول لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها والزبير وطلحة وبعض الصحابة بوجوب عقاب قتلة عثمان أولاً ، ولكن كان علي بن أبي طالب له رأيٌ آخر بتأخير ذلك بعد استقرار الدولة لأنها كانت بحالة ضعف ، وبعد ذلك يتم محاسبة الخوارج ، فاتفقوا على ذلك ، ولكن عبدالله بن سبأ أجج الفتنة بين الصحابة بأن قسَّم أتباعه إلى قسمين ؛ قسمٌ منهم انضم إلى جيش علي بن ابي طالب رضي الله عنه ، وقسم آخر إنضم إلى جيش عائشة رضي الله عنها ، وأصبحت هذه المجموعات تهاجم الجيشين ، مما أدى إلى نشوب الإقتتال ، وقد ذهب عبدالله بن سبأ إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال له : ( أنت الله ، أنت الإله الحق ) وهو ادعاء الأُلوهية لعلي ، مما دفع بعلي بن أبي طالب لإحراقه ، ومنهم بعد ذلك تأسست فرقة العلويين ، وحصلت واقعة الجمل ، والتي أوقع فيها المنافقون قتلة عثمان رضي الله عنه بين جيش أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم وبين جيش علي رضي الله عنه بعدما اتفقوا على الصلح بينهم، فوقعت مقتلة عظيمة ، وفيها كان مقتل الزبير وطلحة رضي الله عنهما ومحاولة قتل عائشة رضي الله عنها من أولئك المنافقين ومدافعة الناس عن عائشة والجمل الذي عليه هودجها ثم انتهاء القتال ورجوع عائشة رضي الله عنها وإكرام علي رضي الله عنه لها ، وفي نفس السنة كانت وقعة صفين أيضا بين جيش العراق وأهل الشام ، وذلك أن علياً رضي الله عنه لما بلغه امتناع معاوية رضي الله عنه خرج بالجيش إلى الشام ودعا معاوية ليدخل فيما دخل فيه الناس من الطاعة فأبى إلا أن يقاد أولاً من قتلة عثمان رضي الله عنه ، وجرت العديد من المحاولات للصلح بينهما ، ثم جرى التحكيم بين معاوية وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ، ثم بعد ذلك خرجت الخوارج على علي رضي الله عنه رافعين شعار لا حكم إلا الله ، وهي كلمة حق أرادوا بها باطلاً ، ثم تسير الأحداث تباعاً ، إلى أن يتم اغتيال علي بن أبي طالب من قِبلِ عبد الرحمن بن عمرو المعروف بإبن مُلجم الحميري، وكذلك كان هناك محاولة قتل لمعاوية رضي الله عنه من قِبل البرك بن عبدالله التميمي ، بعد كل ذلك تؤول الخلافة الى الحسن بن علي رضي الله عنهما ، وقد علم عجز أهل الكوفة وما هم عليه من الخلاف والشر فعمل على الصلح بينه وبين معاوية وتوحيد كلمة المسلمين ، في سنة إحدى وأربعين من الهجرة النبوية ، وفيها سلم الحسن بن علي الأمر لمعاوية بن أبي سفيان ، وطلب من أهل العراق السمع والطاعة لمعاوية ، ولكنهم خالفوه وطعنوه ، فازداد لهم بغضاً وعرف تفرقهم واختلافهم عليه ، فأرسل إلى معاوية ليسالمه ويعقد الصلح بينهم ، وبتنازل الحسن بن علي لمعاوية عن الخلافة إستتبت الأمور ، وهدأت الفتنة ، ولكن الشيعة والخوارج لم يهدؤوا ، وبقوا يؤججون الفتن بين المسلمين ، وحصلت معركة كربلاء ، وأرسل الشيعة الحسين بن علي إلى العراق ومعه إثنان وسبعون من أهله لمواجهة جيش يزيد بن معاوية الذي استلم الحكم بعد والده ، ونصحه الصحابة بعدم الذهاب ، ولكنه قرر ذلك وعدم التراجع ، ليتواجه مع جيش يزيد الذي كان تعداده خمسة آلاف فرد ، فوجد نفسه لوحده مع أهله في مواجهة هذا الجيش ، بعد أن خانه الشيعة وتخلوا عنه ، ووقعت الواقعة وقضى الله أمراً كان مفعولاً ، وقام الشيعة بعد ذلك لأنهم خذلوه وخانوه بإنشاء جيشٌ أسموه جيش التوابين تكفيراً لخيانتهم للحسين بن علي ، ولكن قضى عليهم يزيد بن معاوية وفروا من العراق ، وانتقلوا من مذهب الشيعة الذي يريد السيادة والحُكم إلى مذهب ديني يُكفر عن ذنوبهم ، وبدؤوا بوضع القواعد الفقهية التي هي سائدة حتى يومنا هذا ، وانقسموا إلى عدة طوائف تابعين لأبناء علي زين العابدين الإبن الوحيد الذي بقي لسيدنا الحسين بن علي والذي أنجب ثلاثة أولاد هم : يزيد بن علي ومحمد الباقر وجعفر الصادق ، فانقسموا إلى طوائف كل طائفة تتبع لإمام وهي : ( الزيدية والجعفرية والروافض الذين يتبعون محمد الباقر ) وأخطر هذه الطوائف هي الطائفة الجعفرية والتي تُسمى الإثنا عشرية أو الإمامية ، ويذكرون أن هؤلاء معصومون بداية من علي بن أبي طالب رضي الله عنه وانتهاءاً بمحمد العسكري الذي يقولون عنه أنه المهدي ، وأنه دخل سرداباً ولم يخرج منه ، ولا يُعرف متى سيخرج منه ، ويعتقدون بأنه سيخرج آخر الزمان ، وبعد هؤلاء ظهرت طائفة الإسماعيلية نسبةً إلى إسماعيل بن جعفر الصادق وهم الفاطميون الذين كانوا يعيشون في مصر ، وبعد ذلك ظهر القرامطة الذين قتلواالحجاج بن يوسف الثقفي ، وأخذوا عندهم الحجر الأسود إلى أكثر من مائة سنة ، وبعد ذلك ظهرت طائفة العلويين الذين يعبدون سيدنا علي رضي الله عنه ، وبعده البهرة ، وغير ذلك من طوائف تزيد عن خمسة وأربعين طائفة ، وعلى مرِّ العصور إستغلتهم الأُمم الكافرة أكبر استغلال بداية من المغول والروم والصليبيين ، وإلى يومنا هذا وهم يُستغلون في حربهم على المسلمين .
بعد هذا الطرح الشمولي لتاريخ الشيعة وكيف كانت بدايات تأسيسهم ، وهم لم يكونوا يوماً مع الأمة الإسلامية منذ نشأتهم إلا في فترات معينة لن ننكرها عليهم كمحاربة الدولة العبيدية للصليبيين والدولة المرداسية للبيزنطيين ، ولن ننسى ثورة الشيعة عام 1920م في العراق ضد البريطانيين ، ولكن منذ تاريخ التشيع دخل المسلمون في صراعٍ محموم بين أنفسهم قبل أن يكون بينهم وبين أعدائهم ، وقد كان للشيعة دورٌ كبير على مر التاريخ في سقوط الكثير من الدول الإسلامية التي تقوم عقيدتهم في الأساس على تكفير كل من لم يؤمن بولاية الأئمة الإثني عشر ، وعلى هذا الأساس يُكفرون أهل السُنة ويرون أن أموالهم ودمائهم وأعراضهم حلالٌ لهم ، وكم من دولٍ إسلامية كان سقوطها بسببهم أو خذلانهم لأئمة الإسلام ، نستعرضُ بعضاً منها :
أولاً : خُذلانهم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وهو كما يزعمون أنه إمامهم المكرم ورأس أئمتهم ، حيث غدر به أهل العراق أكثر من مرة وتخاذلوا عن نُصرته ، لا سيما عبدالله بن سبأ الذي كان ينشر سمومه تحت ستار التشيُع وحب آل البيت
ثانياً : خُذلانهم للحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، حيثُ تظاهروا بُنصرته ثم تخاذلوا وغدروا به وأخذوا أمواله وابتغوا قتله ، ونفس الأمر حدث مع الحسين بن علي رضي الله عنه حيث تنكر الكوفيون له وخذلوه مقابل أموال ابن زياد العالم الإسلامي في العصر الأموي
ثالثاً : تعاون الدولة الفاطمية مع الفرنجة وتقويض الحكم السُني ، وتحالف شاور الفاطمي مع الصليبيين ضد صلاح الدين الأيوبي
رابعاً : دولة القرامطة الذين قتلوا الحجاج بن يوسف الثقفي ، وأخذوا الحجر الأسود
خامساً : إنهاء الخلافة العباسية في بغداد بتعاون الوزير العلقمي مع المغول الذي سهَّل لهم دخول بغداد وجمع سادات وعلماء بغداد إلى هولاكو فقتلهم جميعاً فعاث المغول فيها فساداً وذبحاً في المسلمين ، وقتلوا الخليفة المستعصم بالله دعساً بالأقدام ،
سادساُ : دولة الأندلس: قيام الشيعة بثورات ضد الحكم الأموي في الأندلس والإنفصال عن الخلافة ، وإقامة دولة المرابطين وكانت عامل من عوامل سقوطها
سابعاً : أما في عصرنا الحاضر نستذكر تحالف شيعة ولاية باميان في أفغانستان مع الروس ، وحصول الغزو الروسي للأراضي الأفغانية ، وكان لهم نفس الدور في الغزو الأمريكي لأفغانستان ، وما حصل في العراق بعد عام 2003م وتحالف شيعة إيران مع أمريكا من أجل إقصاء السنة ، ولن يغيب عنا تدخل إيران في اليمن وسوريا وما حصل فيهما من قتل وتدمير من قبل حلفائها
ولكن يتساءل الكثيرون ويقولون ها هم الآن داعمون للمق اومة الفلسطينية في غزة وعلى رأسها حم اس والج هاد الإسلامي ، فلماذا نجرمهم ونعيب عليهم وهم الداعمون والمناصرون للحق الفلسطيني في وقتٍ تخلت الدول العربية السُنية عن واجبها في دعم المقاومة التي تُدافع عن شرف الأمة كلها ؟!!! فالجواب واضحٌ وجلي بالتخاذل والتواطؤ الذي هو شاهدٌ عليهم ، فلم تلجأ حم اس أو الجه اد الإسلامي إلى إيران أو غيرها إلا بعد أن أُغلقت كل المنافذ في وجهها ، ولكنها لم تتخل عن مبادئها ، وبرهان ذلك عندما حصلت الأحداث في سوريا ، أغلقت حركة حم اس مكاتبها في سوريا حتى لا يقولون عنها أنها مناصرة للعدوان على الشعب السوري بل رافضةً لما حصل فيها من قتل ودمار وتهجير للناس ، فلجؤوا إلى إيران بعد أن قدمت لهم الدعم بالمال والتسليح ، وفي التاريخ دائماً الضُعفاء في مرحلة من المراحل التي تتوجب فيها الضرورة أن يلجأوا لعدو عدوهم إن كانت المصلحة تقتضي ذلك ، وتبقى إيران ومن معها من حلفاء إسمهم مسلمون ، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لجأ إلى صفوان ابن أُمية بن خلف الذي كان والده معروفاً بعدائه الشديد للإسلام ، فاستعار منه أربعمائة درع وأسلحة أخرى ، وحتى أنه شارك في غزوة حنين وكان لا يزال على كفره وشارك في قتال الكفار ، وكذلك تحالف الرسول مع قبيلة بني خزاعة في صلح الحديبية قبل فتح مكة ، ولن ننسى أنَّ من فك الحصار عن المسلمين في شعب بني طالب الذي دام ثلاثة سنين هم مجموعة من كفار قريش ، وكان منهم المطعم بن عدي الذي أجار رسول الله صلى الله عليهم وسلم بعد أن عاد إلى الطائف وأراد أن يدخل مكة فحماه من كفار قريش ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه عند غزوة بدر ، عندما أتى كفار قريش للمطالبة بإخلاء سبيل أسراهم: ( لو كان المُطعم بن عُدي حياً وأتى طالباً إطلاق الأسرى لشفعت لهم وأطلقتهم إكراماً له )
ولهذا فإن المقا ومة الفلسطينية عندما لجأت إلى إيران لدعمها عندما تخليتم عنها فكيف لها أن تُعد نفسها لمواجهة هذا العدو الذي يقوم بذبح وقتل الشعب الفلسطيني كل يوم وليس منذ طو فان الأق صى بل منذ ما يزيد عن ستة وسبعين عاماً ، ولن يتوقف عن ذلك بل سيكون بعد فلسطين أنتم يا من تناصرونه وتتمنون إنتهاء المق اومة والقضاء عليها ، وأن قول الله عزَّ وجلْ (وآخرين غيرهم) في الآية الكريمة 60 من سورة الأنفال : { وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ }فالآخرون في هذه الآية الآن هي تخص الفئة التي تُناصب العداء والخذلان لأبناء فلسطين وتنتظر من الكيان المحتل نهاية مقاومتهم ، ونقول لهؤلاء المتخاذلين والذين يزاودون على المقاومة وتتهمونهم بالتحاف مع إيران ، ماذا قدمتم لفلسطين منذ احتلالها ؟ّ!! فلم نسمع منكم إلا جعجعة بدون طحن ، ونذكرهم بخذلانهم للشهيد عبدالقادر الحسيني الذي طلب سلاحاً للدفاع عن القدس وخوض معركة القسطل فما وجد إلا التهكم والنكران ، فعاد ليجاهد هو ورفاقه ليستشهد على أرض القسطل وبعدها بما يقارب الشهر حدثت نكبة عام 1948م وجرت المذابح والتهجير لأبناء فلسطين ، وقد قال لهم قبل عودته : ( إنني ذاهبٌ إلى القسطل وسأفتحها وأحتلها ، ولو أدى ذلك إلى موتي ، ووالله لقد سئمت الحياة ، وأصبح الموت أحب إليّ من نفسي من هذه المعاملة التي تعاملنا بها الجامعة العربية ، إنني أصبحت أتمنى الموت قبل أن أرى اليهود يحتلون فلسطين ، إن رجال الجامعة والقيادة يخونون فلسطين ) وحاول مرة أخرى قبل استشهاده فلم يجد آذاناً صاغية ، فقال لهم : ( نحن أحقُّ بالسلاح المُخزن من المزابل ، أن التاريخ سيتهمكم بإضاعة فلسطين ، وإنني سأموت في القسطل قبل أن أرى تقصيركم وتواطأكم ) فما أشبه اليوم بالبارحة!!! ، ولنقول مثالاً لو أن الله سخَّرَ لهذه الأمة حالياً رجُلاً كصلاح الدين الأيوبي أو سيف الدين قطز ، وجمع الأمة على كلمة واحدة ، وكان في العالم قُطبين متناحرين كأمريكا التي حاربت المسلمين في كل مكان تطأه قدمها والقطب الآخر الصين التي ارتكبت المجاز فقط ضد المسلمين من أبناء شعبها في ولاية الإيغور وهذان القطبان أوغلوا في دم المسلمين ، ولكن توجد أحدهما معروفة بتاريخها الطويل في محاربة الإسلام وهذا متمثل في أمريكا التي هي عدو للإنسانية ، وكان لا بد كدولة إسلامية أن تختار تحالفاً لمواجهة الأخطار المحدقة بها ، فمن الطبيعي أن تلجأ للصين لأنه ليس لها تاريخ في الإجرام كأمريكا ، فالمصالح والضرورة هي التي تفرض علينا مع من نكون ، فالضرورات تُبيح المحظورات .
ما أود قوله أن المقا ومة الفلسطينية بعد معركة طو فان الأق صى التي مرَّغَ أبطالها أنف الإحتلال الصه يوني وكسروا شوكته وعلى رأسهم كتائب القس ام والجه اد الإسلامي ، لم يجدوا حليفاً لهم في معركتهم المُشرفة إلا إيران ومن يدور في فلكها من حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن ، وأنصار الله في العراق ، وبغض النظر عن أهداف إيران من دعمها كما يقول البعض ، فلا أحد ينكر لهم ذلك بما يقدموه من دعم ، ويقوم رجال حزب الله في لبنان باستهداف هذا العدو الص هيوني ، وقام العدو بحملة من الإغتيالات لقادة الحزب واستهدف الآلاف من المدنيين بأجهزة اللاسلكي ( البيجر ) وكان آخر اغتيالاتهم ؛ اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله ، فاختلطت مشاعر الناس في الأمة العربية بين حُزنٍ وفرح ، وهذه المشاعر فطرة بشرية موجودة في الإنسان تحكمها عوامل الأحداث مع أفراد المجتمع ، فمن فرحوا باغتيال حسن نصر الله في سوريا وفي لبنان وفي بعض الدول الأخرى فهم معذورون بذلك بسبب ما تعرضوا له في بلدانهم من قتل وتدمير وخاصة في سوريا على يد افراد حزب الله الذين أوغلوا في دماء الشعب السوري ، وأما من حزن لمقتله فهو لدوره في التصدي للكيان الصه يوني ، فلا يمكن أن نمنع الفرح أو الحزن عن طرف دون الآخر ، وفي الإسلام موجود مفهوم الإعذار والتفهم كلٍ للآخر ، فحزن أبناء فلسطين لن ينسيهم ما قام به حزب الله ضد إخوانهم في سوريا ، ففرحنا بقطرة دم مسلم تسيل من قبل الصه اينة يُثلج صدورهم ، وحُزننا يُدميهم ، فلا تعطوا الفرصة لهم بالنشوة والإنتصار بل يجب أن نكون سيوفاً مُسلطة عليهم شيعةً كُنا أو سُنة .
في الختام - رسالتي لأمة الإسلام أن الخلاف الشيعي والسُني هو خلاف أزلي وسيبقى أبد الدهر إلى أن يشاء الله تعالى وقد قالها عثمان بن عفان رضي الله عنه لمن حاصروه من الخوارج ويريدون قتله وقد كانت لديه بصيرة عظيمة واستشراف ونظرة كبيرة للمستقبل فقد قال : ( وفروا دمي فوالله لو قتلتموني لا ترجعوا بعدي صفاً واحداً أبداً ، ولا تُصلون بعدي خلف إمام أبداً ) ولهذا فأقول يا أمة الإسلام من عربٍ وأعاجم ومن شيعتها وسُنتها ، تناسوا خلافاتكم الطائفية ، وتذكروا أن قرآنكم واحد ، ودينكم واحد ، ونبيكم واحد ، وتجتمعون كلكم على كلمة : ( أشهدُ أن لا إله إلا الله ، وأشهدُ أن محمداً رسول الله ) نقول لكم تناسوا خلافاتكم المذهبية ، فكلٍ له معتقده ، وتفرغوا لمن يتربص بكم ولن يفرق بين سنيٍّ أو شيعي ولا حتى مسيحي إن كان في كنف دولة عربية أو دولة مسلمة ، فهؤلاء لا يريدون أن تُرفع للمسلمين راية من الصه اينة وحلفائهم ، فخلافكم وتفرقكم هو انتصار لهم ، فأن أخطر شيئٍ على الأمة هو اختلاف القلوب وتفرق الصف فهو أعظم الأسباب في القضاء على كيان الأمة الإسلامية لاستلزامه الفشل وذهاب القوة والدولة ، فلتُمح الفواصل والحواجز برابطة الإسلام الجامع والعقيدة الرابطة بين القلوب والنفوس وأن نتمسك بقول الله عز وجل في سورة آل عمران – الآية 103 : { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }
المصادر :
1 – المؤرخ علي الصلابي – الجزيرة
2 – الإسلام ويب
3 – الموسوعة العالمية
4 – طريق الإسلام – دور الشيعة في تقويض الحُكم السُني
5 – مواقع إلكترونية
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
5/10/2024
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق