السبت، 26 أكتوبر 2024

مجلة وجدانيات الأدبية (( أُســطــورة الــقــيــادة والــشــهــادة )) بقلم الكاتب / صخر محمد حسين العزة



أُســطــورة الــقــيــادة والــشــهــادة
بقلم : صخر محمد حسين العزة
أرادوا في التطبيع إنهاء القض ية الفلسط ينية ، وأرادوا التحضير لهدم الأقص ى لمعرفتهم أن الأمة العربية والإسلامية في حالة الوهن والخذلان التي هي فيهما لن يحركوا ساكناً ، ولتجربتهم السابقة عندما حرقوا الأق صى في عام 1969م ، وقالت جولدا مائير رئيسة وزرائهم آنذاك : ( لم أنم طوال الليل كنت خائفة من أن يدخل العرب إسرائيل أفواجاً من كل مكان، ولكن عندما أشرقت شمس اليوم التالي علمت أن باستطاعتنا أن نفعل أي شيء نريده ) وبعد مسيرات الإستسلام والتطبيع بدأ العدو الصه يوني يُكشر عن أنيابه علناً ، وأصبح يُعلنها صراحة أمام العالم عن مخططاتهم لإقامة إسر ائيل الكبرى ، وعن تهجير أبناء الضفة الغربية وأبناء غزة إلى الأردن ومصر ، وكل هذه الأمور حلقة من حلقات شطب القضية الفلسطينية تماماً وإغلاق ملفها إلى الأبد ، ولكن في حين كانوا يخططون ويفكرون ويرسمون لتنفيذ مشاريعهم الخبيثة ، كان هناك من يرقُبُهم ويُعد العُدة لهم ، وإعلان ساعة الصفر لهدم كل ألاعيبهم ، وسيكون السابع من تشرين أول عام 2023م طلقة البداية لردم كل ما خططوه وبنوه ويجتاح أبناء الطائفة المنصورة حفظة القرآن من شعب الجبابرة أبط ال غزة ليُدمروا فرقة غزة خلال ساعات ولضرب عاص متهم ( تل ابي ب ) بثلاثة آلاف صاروخ ، ويدير هذه المعركة البطو لية التي لم يشهد التاريخ مثيلاً لها بالقوة والتنفيذ والتخطيط بطلها وصانع التاريخ وكاتب صفحة مجدٍ وشرف في تاريخ نضال الشعب الفلس طيني إنه القائد البطل يح يى الس نوار الذي كان لهذا الشهر حظٌ معه فهو مواليد 29 تشرين أول عام 1962م وخرج محرراً من الأسر في 18 تشرين أول عام 2011م ، ومن ثم معركة طو فان الأق صى في السابع من تشرين أول عام 2023م ، ومن ثم يرتقي شهيداً في 18 تشرين أول عام 2024م ، وبهذه المعركة البطولية أخرجت القضية من حالة الجمود والفتور ، واُخرِجت من غرفة الإنعاش إلى الحياة بقوة تُغذيها دماء الشهداء من أبناء فلسطين الذين ارتقوا شهداء بمجازر الإبادة البشعة على يد هذا الكيان المحتل ، لتنتفض شعوب العالم الحرة قاطبة ، وليكتشف الوجه القبيح لدول الغرب الراعية للإرهاب ، وتُسقط ورقة التوت عن الدول المنبطحة دول الخذلان والتطبيع المتواطئة مع هذا العدو البغيض ، ولتظل المقا ومة البطلة بهذا التحدي والصمود الأسطوري لما يزيد عن عام وقدمت خيرة قادتها في هذه المعركة من ص الح العار وري وإسما عيل هن ية ( ابو العبد ) ومن ثم الآن صانع هذه المعركة البطولية يح يى السن وار ( أبو إبراهيم ) وليعلم الجميع أن القض ية الفلس طينية حيةٌ لا تموت ، ولا تموت باستشهاد قادتها بل أنَّ دماءهم تزيد المقاومة تأجُجاً واتقاداً ، وإن عروبة فلسطين تحميها سواعد قوية وعيونٍ ساهرة مصرة على بقاء فلسطين أرضاً عربية مقدسة من النهر إلى البحر وعاصمتها القدس المقدسة الموحدة لا شرقية ولا غربية ، ولنقول لهم أن التاريخ لا يصنعه إلا الأقوياء الشجعان الذين يُصرون على انتزاع حقوقهم ، وأما المتخاذلون والمنبطحون فليس لهم إلا الخزي والعار ، ونتاج أعمالهم وبالٌ على رؤوسهم ، وأتى الطو فان ليُعري سوءة المُطبعين وانبطاحهم أمام الص هاينة ، وأصبحوا مفضوحين لا شيء يستر عورتهم .
إنَّ مُفجر معركة الط وفان –معركة الإعجاز والتحدي من أجل المسرى والأسرى أسدُ فلسطين الذي عجَّز الإحتلال أثناء أسره بعقليته وعبقريته ودرسهم نفسياً وعرف كيف يتعامل معهم ، هذا البطل الهمام هو يح يى الس نوار ( أبو إبراهيم ) الذي وقف العالم مشدوهاً أمام جبروته وعناده وصموده وقد صنع من المستحيل حقيقة ، وهزَّ كيان هذا العدو المختلق خلال ساعات وأن هذا الجيش الكرتوني الذي لم تصمد خمس جيوش عربية أمامهُ أياماً بل ساعات في نكبة عام 1948م وعام 1967م لتُحتل فلس طين بأكملها ويتشرد الشعب الفلسط يني في دول الشتات في العالم ، وليأتي بعد ذلك صناديد فلسطين من شعب الجبابرة في غزة البطولة بسحق فرقة غزة التي كانت تعيث قتلاً وتدميراً وحصاراً وتجويعاً لغزة على مدار عشرين سنة فخلال ثلاث ساعات فقط دمروها وجرّوا جنودها ومستوطنيهم أسرى إلى غزة ودمروا منظومتهم الأمنية التي كانوا يتفاخرون بها .
إن معركة طو فان الأق صى المستمرة حتى الآن لما يزيد عن عامٍ كامل وعجز الكيان الص هيوني عن تحقيق أهدافه ومنها القضاء على حم اس وقادتها وعلى رأسهم القائد البطل أسد فلسطين وأُسطورة المقاومة وسيد الشهداء القائد العظيم يح يى الس نوار ( أبو إبراهيم ) الذي طالما تمنى الشهادة ، وتحدى الإحتلال في طلبها إلى أن اختاره الله ليستشهد بتاريخ 18 تشرين أول 2024م وبالصدفة وليس عملية خاصة للجيش الص هيوني واستشهد مُقبلاً وليس مُدبر ممتشقاً بندقيه وقنابله ومتوشحاً بكوفيته الفلسط ينية في مواجهة جراذين الإحتلال مُستقبلاً رصاصهم في جبهته ورأسه مُقبلاً غير مُدبر ، وقد ظهر في الصورة مبتور اليد وقد ربطها بسلك لكي يوقف نزيف الدماء ، ويُلقي بعصا نحو طائرةٍ مُسيرة ، ويستمر في مقاومتهم حتى آخر لحظة في حياته إلى أن قصفته دبابة بقذيفة ليرتقي شهيداً ،وهذه تظهر عظمة هذا الرجل ، وكما قال الشاعر :
إربط الجرح وقاوم وامسح الدمع الحزين
لن ينال الحُزن منا لن نساوم لن نلين
أيُها الثائرُ قُل لي كيف ترجو الياسمين
إن نثرتَ العزم يوماً في دروب الخائفين
يا ابن أُمٍ لا تلُمني إنني قلبُ سجين
سوف يأتي النصرَ يوماً فوق إشلاء السنين
، وهم لم يعرفوا أن الذي كان يُقاتلهم هو القائد الشهيد أبو إبراهيم ، فبعد يومٍ من استشهاده عادوا إلى مكان المعركة ليتفاجأوا بأن هذا المقاوم ما هو إلا من قضَّ مضاجعهم ودمر فرقتهم ، وشرَّد فئران المستوطنين من أرضنا في غلاف غزة ، وجعل المستوطنين في تل اب يب يعيشون في الملاجئ بعد أن دكت صواريخه قلب عاصمتهم ، وكان استشهاده طوفاناً آخر يدل على فشل منظومتهم الأمنية التي كانت تبحث عنه على مدى عامٍ كامل وتدمر كل شيء في غزة ، زاعمة أنه مختبئٌ في الأنفاق ويحتمي بأسراهم ، ليثبت في استشهاده أنه منذ مدة ستة أشهر وهو موجودٌ في رفح في تل السلطان فوق الأرض يقاومهم مع رفاق السلاح ، فكم من معركة خاضها معهم ، وكم قتل من جراذينهم قبل أن يرتقي شهيداً إلى العلى ، فلا تفرحوا أيها الص هاينة ومن ناصرهم وحالفهم من أمة الكفر أو خونة العرب ، فأن مات السن وار سيخرج ألف سن وار ، وموته أثبت أن القائد يتقدم جنوده ويستشهد قبلهم فلا فرق بين جندي وقائد في أرض فلسطين وفي أرض غزة العزة والكرامة والشرف ، يبذل روحه طواعية ويثبت في مواجهة الموت ويسمو على الحياة التي نحرص عليها ، فالشهادة أحد المرامي التي كان يطمح إليها ، وقد نالها وأغاظ أعداءه باستشهاده كما أغاظهم في حياته ، وكما قال الشهيد عبدالرحيم محمود :
سأحمل روحي على راحتي واُلقي بها في مهاوي الردى
فإما حياةٌ تسرُّ الصديق وإما مماتٌ يغيظ العدى
ونفسُ الشريف لها غايتان ورود المنايا ونيلُ المنى
إن يح يى الس نوار ( أبو إبراهيم رجلٌ عاهد الله مُحتسباً أجرهُ لربه ، ويسمتد عزيمته من إيمانه بدينه وقضيته ورسالته التي حملها وأداها بجدارة إلى أن ارتقى شهيداً ، وكما قال الله عزَّ وجاْلْ لنبيه يحيى في سورة آل عمران- الآية 12 : { يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا } وهنا خص الله يحيى بكتاب خاصٍ به كباقي الأنبياء وعمل بقوة وصبرٍ وعزم بتنفيذ أمر النبوة وكان شديد المعارضة للملك الطاغية اليهودي هيرودوس الذي كان يخاف على ملكه حيث أمر بذبح كل الأطفال من مواليد بيت لحم عندما علم أن المسيح قد ولد فيها ، وهو من أعدم النبي يحيى لمعارضته الشديدة له ، فما بين يحيى النبي وبين يح يى الس نوار عاملٌ مُشترك هو حمل الرسالة والإيمان العميق وبصدق رسالتيهم ، فالنبي يحيى أدى رسالة الله عزَّ وجلْ بهدي الناس إلى عبادة الله الواحد الأحد ، ويح يى الس نوار حمل رسالة شعبه وقضيته وأدى مهمته في نصرة شعبه ودينه بقوةٍ واقتدار أمام قوى الطُغيان والمتخاذلين من أبناء قومه الذين تنكروا لشعبه الذبيح ، ونال الشهادة كما تمناها ، ونستشهد من بعض أقواله فعن قضاء الله وقدره قال عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
أيُّ يوميَّ من الموت أفِر يوم لا يَقدرُ أم يوم قَدِر
يَومَ ما قُدِّرَ لا أَرهَبُهُ وَإِذا قَدِّرَ لا يُنجي الحَذَر
فهما يومين يومٌ مكتوبٌ فيه الموت ، ويومٌ ليس مكتوبٌ فيه الموت، يوم ما قُدِرَ لا يقدر لا إرهاب ، ولا أحد في الدنيا يقدرُ أن يقتلني يوم يكون ليس مكتوباً فيه عليَّ الموت ، ومن المقدور لا ينجو الحذِر
وقال أيضاً : أقول أن أكبر هدية يُمكن أن يُقدمها العدو والإحتلال لي هو أن يغتالني على يده ، وأن أقضي إلى الله سبحانه شهيداً على يده ، فأنا عمري الآن تسع وخمسون سنة ، وأنا حقيقة أُفضل أن أستشهد بالإف 16 على أن أموت بالكورونا أو الجلطة
ومن أعظم أقواله موجهةً لمن اختلفوا مع حركة حم اس : نقول لمن اختلف معنا ، خلوا بيننا وبين عدونا ، فإن قضى علينا فقد كُفيتمونا ، وإن انتصرنا عليه ، فنصرنا نصركم ، وعِزّنا عزكم
وقال نقلاً عن الشيخ المؤسس الشهيد أحمد يا سين : أن القوي لا يبقى قوياً ، وأن الضعيف لا يبقى ضعيفاً ، وأن الأيام دول ، وقد دالت إن شاء الله هذه الأيام
وبرسالة منه موجهة إلى قادة الإحتلال وإلى المتخاذلين من الأمة قال : وليعلم قادة الإحتلال إنَّ للأق صى رجالٌ يحموه ، فإن تراخينا أو توانينا فسيضيع منا المسجد الأق صى ، وسيسجل علينا التاريخ وصمة عارٍ في جباهنا أعاذنا الله منها ، وستكشف هذه المدينة ( غزة ) حقيقة كل المُفرطين والمُتنازلين
وأقول للقائد الشهيد أبو إبراهيم نعم إنك صدقت الوعد والعهد ، وأكملت الرسالة ، وكشف طوفانك وجه الإحتلال القبيح وحلفاءه من محور الشر وعريت حقيقتهم أمام العالم أجمع ، وكشفت حقيقة المطبعين الشيوخ المنافقين وأبواق الضلال فشتان بين عقيدةٍ لا تنحني وعقيدة عرَّابُها الدولارُ
إن استشهاد القائد المجاهد يح يى الس نوار خسارة كبيرة ليس للشعب الفلسطيني وحده بل للأمة كلها ، فهو قد غير مجرى التاريخ بكشف حقيقة هؤلاء الص هاينة التي كانت مغيبة لما يزيد عن مائة سنة أمام العالم ، ولكن استشهاده ليس نهاية المطاف ولا نهاية للمقاومة ، فالشعب الفلسطيني ولاد وصانع القادة العظماء ، فكم من القادة العظماء إستشهدوا ، ولكن يكون إستشهادهم وقوداً يزيد جذوة المقاومة إستعاراً وقوة فمن عزالدين القسام إلى عبدالرحيم الحاج محمد وفرحان السعدي إلى عبدالقادر الحسيني ومن ثم الشيخ المؤسس أحمد يا سين وعبدالعزيز الرنتيسى وياسر عرفات ( ابو عمار ) وأبو جهاد وأبو إياد وغيرهم كثير فالقائمة تطول ، فهؤلاء كلهم مشاعل تُضيئ طريق التحرير لأرض فلسطين ، والقادة والجنود ينبتون كما ينبت شجر الزيتون كما قال أبو عبيدة : ( نحنُ نعملُ بإرادة الله وبعينه ، يخلفُ القائد قادة والجندي عشرة ، والشهيد ألف مقاوم ، فهذه الأرض تُنبت المقاومين كما تنبت الزيتون ، وتورث الإباء للأجيال كما ورثته من آلاف الأنبياء والصحابة الصالحين والمجاهدين )
وأختتم مقالي بدعاء للقائد الشهيد رحمه الله وأسكنه فسيح جنانه ، وجعله مع الأنبياء والصديقين ، ومع شفيع أمتنا يوم القيامة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم :
اللهم اكسر بنا شوكتهم
اللهم نكَّس بنا رايتهم
اللهم أذِلَّ بنا قادتهم
اللهم حطِّم بنا هيبتهم
اللهم أزل بنا دولتهم
اللهم أنفذ بنا قدركَ فيهم بالزوال والتدمير والتتبير يا رب العالمين
اللهم حقِقّ بنا آمال شعبنا بالعودة والتحرير والصلاة بالأقصى مُحرراً مَطهراً يا نعم المولى ونعم النصير
رحِمَ الله القائد الشهيد يح يى الس نوار ( أبو إبراهيم ) فما غاب منك إلا الجسد ، وستبقى روحك مُحلقة تبث العزم والقوة في مقاومتك التي ما زالت صامدة ، وأبناء فصائل المقاومة على اختلاف أيديولوجياتها ثابتون على العهد وعلى منهجك ومشروع التحرير الذي رسمته لهم ورويته بدمائك الطاهرة ، فنم قرير العرين ، وسلامٌ لكل الشهداء القادة من اأبطال المقاومة ، وسلامٌ لأبناء شعبك الوفي الذين ارتقوا وكانوا صامدين ثابتين وداعمين لمقاومتهم مُضحين بدمائهم الزكية ، فلن أُرثيك يا أبا إبراهيم بل أُرثي أُمة الملياري مسلم الذين تركوا أبناء فلسطين لوحدهم يدافعون عن الأقصى والمقدسات وشرف الأمة ، وستبقى شوكة في حلق الإحتلال وأعوانه من شياطين الغرب ، ومن المتواطئين والمتخاذلين من أمة العرب ، وسيبقى شعار عز الدين القسام ( أنه لجهاد نصرٌ أو استشهاد ) الذي باستشهاده فجَّرَ الثورة الفلسطينية الكُبرى عام 1936م - حاضراً في نفس كل عربيٍّ ومسلمٍ حُر ، قال تعالى في سورة الأحزاب – الآية 23 : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا }
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
18/10/2024

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق