الأربعاء، 8 مايو 2024

مجلة وجدانيات الأدبية (( قراءة تحليلية في كتاب (( كم حياة ستعيش )) للكاتب كريم الشاذلي بقلم الكاتب صخر محمد حسين العزة



قراءة تحليلية في كتاب (( كم حياة ستعيش ))
للكاتب كريم الشاذلي
المقدمة
إن الله عزَّ وجلْ عندما خلق الكون ، ومن ضمنه الأرض ، وهذه الأرض كانت بحاجة لمن يعمرها ، فخلق الله آدم عليه السلام واستخلفه على الأرض ، وذريته من بعده من بني البشر من أجل إعمارها وعبادته ، قال تعالى في سورة الأنعام – الآية 165 : { هُوَ الَّذي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْض } وقال جلَّ وعلا في سورة ص – الآية 26 : { يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَليفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ } وقد سبق أن عُرضت خلافة الأرض على الجبال والسماء فأبين أن يحملنها خوفاً من أن لا يستطعن بالقيام بالواجب عليها وسيعاقبن على ذلك ، فحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً ، قال تعالى في سورة الأحزاب – الآية 72 : { إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا } ، وقد ميز الله آدم عن باقي كائناته بالعقل للتفكير وتمييز الخير من الشر ، وبلسان ناطق لكي يُعلم ويتعلم ، ومما لا شك فيه أن الله بعث آدم عليه السلام وهو على عقيدة سليمة من عالم الألوهية ، وعالم الجنة ، وعالم الملائكة ، وكان مزوَّداً بالمبادئ الأخلاقية الصالحة ، وبثَّ آدم ذلك في أبنائه ، واستجاب له من هداه الله ، وشذَّ عنه من أغواه الشيطان ، والله يبعث الرسل عندما يحيد العباد عن دينه وشرعه ويبتعدون عن فطرة الله التي فطر الناس عليها ، فيتبعون الهوى ويشركون بالله ويجعلون له أنداداً ، وحسب قول إبن القيم يقول : ( إنَّ الفطرة الإنسانية مقتضية لقبول الإسلام لأنه دينُ الحق الموافق للفطرة السليمة والعقول المستقيمة ولكن هنا تعود تعبئة صفحات حياة الإنسان عبر مراحلها وحسب ما تفرضه نفسه وطواعيتها للمؤثرات الخارجية عليها وقبول الخير أو الشر ، ويكون قبوله للحق وللخير إذا لم تؤثر عليه شياطين الإنس والجن ، فإما أن تكون نفسه أمارةٌ بالسوء وترشده إلى المعصية والضلال فتكون مسيرة حياته شقاء وعناء ، ويكون مصيره في النهاية إلى جهنم ، وإما تكون أمَّارةٍ بالخير والصلاح ويؤدي ذلك إلى سعادته في الدُنيا والآخرة ومصيره الجنة ، والله عزَّ وجل منحه العقل للتفكير واختيار الأفضل فإما خيرٌ وإما شرٌ ، قال تعالى في سورة البلد – الآية 10 : { وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } وقال أيضاً في سورة الإنسان – الآية 3 : { إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا }
لقد أحببت أن أستهل قرائتي لكتاب ( كم حياة ستعيش ) للكاتب المبدع كريم الشاذلي الذي شرَّح فيه النفس الإنسانية بأسلوب سلس وممتع وضمن فصول كتابهُ قصصاً تتناسب مع الموضوع المطروح لكي يشد القارئ للكتاب ولا يمل من قراءته وغاص في أعماق النفس وشرحها واستكشف بواطنها ، لكي نستجلي عظمة الله في خلقه للإنسان وكيفية تصرفه في حياتها التي حباها الله له ، ووجب علينا أن نشكره على ما أنعمه علينا من نِعَمٍ ومِنَحٍ ربانية حباها لنا في أنفسنا من عقلٍ للتفكير ولسانٍ للكلام ، فما قدمه في كتابه هي دروسٍ وعبر مهمة يجب على كل ربُّ أسرة أن يطلع عليها ، لأنها دروس في الحياة لا غنى لنا عنها
الغرض من الكتاب
وقد كان غرض الكاتب من هذا الكتاب أن يبين لنا أن الحياة التي نعيشها هي واحدة ، وبعدها سنغادرها إلى موطننا الأصلي إلى السماوات العلى ، كلٍ حسب ما قدمه في حياته ، فما نحن في هذه الحياة إلا ضيوف ، ولا بد أن تأزف ساعة الفراق والمغادرة ، وكما قال المفكر الهندي رابندرانات طاغور : ( أيتها الأرض وطئت شاطئك غريباً وعشت في داركٍ ضيفاً وأغادرك صديقاً ) ولهذا فإننا جئنا إلى الدنيا غُرباء ونعود غُرباء .
في رحلة طوافنا في أعماق النفس الإنسانية الفلسفية والدينية مع كاتبنا كريم الشاذلي استلهمنا دروساً يجب أن تكون مصابيح هداية ونور في طريقنا وفي مسار حياتنا ، وأوجزها بما يأتي :
الدروس المُستفادة
أولاً : يجب عليك أيها الإنسان خلال رحلتك في الحياة أن تحدد مسار حياتك والنهج الذي ستسير عليه
ثانياً : الثقة أهم شيء في معرفة من تختار أن يكون عوناً لك ، لا عليك ، وأن يكون معك في السراء والضراء
ثالثاً : ثقتك بنفسك وقوة إرادتك وإيمانك العميق بقدارتك هي أسباب نجاحك
رابعاً : يجب أن يكون قرارك من نفسك والإستفادة من الآخرين وتجاربهم واختيار الأفضل منها
خامساً : على الإنسان الأَّ يجعل لليأس مكاناً في قلبه ، فليس الفشل نهاية المطاف ، فلكل جواد كبوة
سادساً : على الإنسان الإيمان بقضاء الله وقدره ، وأن لكل أجل كتاب ، ولن يأخذ الإنسان معه إلا عمله ، قال تعالى في سورة الرعد الآية 38 : { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ }
الأفكار المطروحة في الكتاب
من قرائتي لفصول الكتاب بعمق والتي أبدع في طرحها الكاتب بأسلوب سلس وضمنها قصصاً لتكون داعمة لنقل الأفكار التي أراد أن يوصلها لكل إنسان مهما كانت ثقافته أو مركزه ، فكان أسلوباً رائعاً ومبسطاً ، يُبين فيه أن عُمر الإنسان محدود مهما طال عمره ، فلكل أجل كتاب ، ولكن ما قيمة الإنسان مما مضى من عمره ، إذا لم يترك لهُ أثراً بعد حياته ، يُخلدُ فيه ، فالجسد يفنى وتبقى الذكرى بما قدم من أعمال تُخلده ، قال تعالى في سورة البقرة – الآية 281 : { وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} .
عُمر الإنسان محدود مهما طال عمره ، فلكل أجل كتاب ، ولكن ما قيمة الإنسان مما مضى من عمره ، إذا لم يترك لهُ أثراً بعد حياته ، يُخلدُ فيه ، فالجسد يفنى وتبقى الذكرى بما قدم من أعمال تُخلده.
وقد حوت الفصول الأفكار الآتية :
أولاً : العطاء : لا قيمة للحياة بدون عطاء وترك أثرٍ له في نفوس الناس ، تكون رصيداً له في الحياة الآخرة ، قال الله تعالى في سورة التوبة – الآية 105 : { وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }
ثانياً : الدروس والعِبر وامتلاك الوعي العالي : على الإنسان أن يتعلم مما يمر عليه في حياته من تجارب الآخرين ، وأن يُمحص منها الغث من السمين ، ويختار الأفضل ليكون نجاحك في الحياة ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار الأفضل لأمته فقال(رواه البخاري) : ولما أسري به عرض عليه إنآن في أحدهما لبن وفي الآخر خمر، فَقَالَ: [اشْرَبْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ ، فَقِيلَ: أَخَذْتَ الْفِطْرَةَ ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ ]
ثالثاً : التعامُل مع تقلُبات الحياة : كيفية التعامُل مع تقلُبات الحياة من حلوها ومُرِّها ، وأن لا نُسلِّم للأمر الواقع الذي نعيشُه ونُكافح من أجل الأفضل ، والصراع هو جزء من حقيقة الحياة ، قال تعالى في سورة البلد – الآية 4 : { لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }
رابعاً : الخير والشر : الحياة البشرية مقسومة إلى صنفين –خيرٌ وشر ، وبأحدهما تُحدد مصير حياتك فإما إلى الهدى والصلاح وإما إلى الضلال والضياع ، فلا بُد للإنسان أن يعرف كيف يتعامل مع من فُطرت نفسهُ على الشر ، وكيف له أن يُحافظ على المبادئ التي يؤمن بها
خامساً : الثبات على مُعتقدك : الإيمان بمُعتقدك ومبادئك والقتال من أجلها ، لأن الصلاح والخير لا يأتي إلا بمواجهة قوى الشر وقتالها ، فمهما كنت ضعيفاً فعليك أن لا تستسلم وأن تُقاتل بشرفٍ وكرامة ، لأن الله يقفُ مع صاحب الحق ولو بعد حين
سادساً : عدل الحياة : عدم الحُكم على الحياة بأنها غير عادلة ، وعلينا الإيمان بفلسفة أحكام القضاء والقدر ، فأن المُقدر لك هو الذي ستأخذه في حياتك ، وهذا هو الحق من عند الله العلي القدير، قال تعالى في سورة الذاريات – الآيات 22+23: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(22)فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ(23) }
وعلينا أن نتبع النصائح الآتية :
أ: الإيمان بقضاء الله وإن الأمور التي نرى فيها إعوجاجاً في الدُنيا كما يُخيل لنا قد تكون عكس ما نعتقد ، وإن رضانا وصبرنا لم يضيع هباءً عند لقاء الله عند الحساب ، وكما قال لاوتسو : ( من يُدرك أن ما يملكه يكفيه ، يمكلك دائماً ما يكفيه ) فالقناعة بما قسمه الله يوصلنا إلى الصواب وعدم الشطط
ب: التوفيق أو عدم التوفيق في عمل ما في حياتك له حساباته عند الله ، فما قد تراهُ خيراً لك ، قد يكون الله منعهُ عنك لأن فيه شر ، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما(رواه البخاري): [اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم فإنك تقدر ولا أقدر وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به ]
ج – الرضا والطموح : على الإنسان أن لا يُقصر في اخذ الأسباب للوصول للغاية المنشودة والهدف الذي يطمح له ، وعليك أن تشكر الله وترضى بما كتبهُ الله لك في حال فوزك أو في حال خسارتك فكل شيء مكتوب بقدر ، قال تعالى في سورة القمر – الآية 49: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ }
د – الرزق مسألة نسبية : الرزق ليس بالمال وحده ، فالطمأنينة والصحة وراحة البال لا تُقدر بثمن ، فكم من أصحاب الأموال مستعدون أن يتبرعوا بكل اموالهم مقابل أن تعود لهم صحتهم ويشعرون بالإطمئنان وراحة البال
هـ- عدل الله : الله عزَّ وجلْ هو مقسم الأرزاق ، فعلينا أن نرضى بما قسمه الله لنا ، وعلينا أن نأخذ العِبرة من رُسُله الكرام الذين تعرضوا للأذى والبلاء ، ولكنهم كانوا صابرين شاكرين لله وأن بيده كل شيء
سابعاً : الإعتماد على النفس : على الإنسان الإعتماد على النفس ، وعدم انتظار المُساعدة والعون من الغير ، وأن تؤمن أن حسابات البشر تختلف عن حساباتك واهتماماتك ولن تكون متوافقة مع اهتماماتك ، وعليك اختيار الأصدقاء الذين يقفون معك في السرَّاء والضرَّاء ، وإن غاب عنك أحدهم فالتمس له العذر ، فليس هو من أصحاب المصالح الذين يغيبون عند الشدة ، وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
فما أكثر الإخوان حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل
وقال أيضاً عُمر بن الخطاب رضي الله عنه : ( ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجتبيك منه ما تُعليه على ظنك ) أي يجب أن نجد العُذر لمن غاب عنا في محنتنا فقد يكون هناك سبباً لغيابه
ثامناً : حُسن التعامل مع الناس : حُسن تعاملك مع الناس تفرضها الكلمة الطيبة ، وتفرض احترام الناس لك ويكونوا سعداء بتعاملهم معك ، فالقلوب المعطاءة تترفع عن حُب الذات ، وسعادتها بسعادة الناس وحبها لها ، قال تعالى في سورة إبراهيم – الآيات 24+25 : { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء(24)تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ(25)}
تاسعاً : حُرية الإختيار وتحديد المستقبل : إنَّ إدراك الآباء لمفهوم الإستقلالية الشخصية ، وعدم الضغط على الأبناء في تحديد مسار حياتهم وتوجهاتهم أمرٌ مهم في تكوين شخصية الأبناء ، وأنْ يُترك لهم حُرية اختيار ما يُناسبهم في حياتهم العلمية والعملية ، فضغط الآباء على الأبناء فيما يريدون هم لأبنائهم قد تكون له ردة فعلٍ سلبية عكس توقعاتهم لأبنائهم ، وعليهم أن يُدركوا أن ما كان يُناسبهم ليس بالضرورة أنْ يُناسب توجهات أبنائهم ، وكما قال صمويل جونسون : ( لم يحدث حتى الآن أن ظهر رجل بالتقليد ) فحُرية الإختيار هي الدافع للإبداع والإرتقاء ، فلا تجعله رهينةً لما تراهُ صواباً بدافع حُبك له ، وكما قال جبران خليل جبران : ( إنَّ الإنسان وإنْ وُلِدَ حُراً يظلُّ عبداً لقسوة الشرائع التي سنَّها آباؤه وأجداده )
عاشراً : دوام الحال من المُحال : سُنَّة الله في الكون ألَّا تبقى الحياة على حالٍ واحدة ، وعلينا أن نحتكم إلى ما قدَّرهُ الله لنا ، ومن يظُن أنه في مأمنٍ من القدر فقد خاب وخسر ، فالأيام دول ؛ يومٌ لك ويومٌ عليك ، وكما قال الله تعالى في سورة آل عمران – الآية 140 : { وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ } وكما قال محمد الغزالي : ( ليس العُمر ساعة واحدة ، إنه ساعات شتى ، بعضُها يسُر وبعضُها يضُر ، والمهم هو المُحصل الأخير ) وأيضاً قال الشاعر أبو البقاء الرندي:
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يُغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان
حادي عشر : الإنسان خليفة الله على الأرض : مهما ما ملكت أيها الإنسان من مالٍ وثروات فهي محكومة بوقت وتبقى مؤتمناً عليها لنقلها لغيرك ولورثتك ، وأن نضع قناعةٍ في أنفسنا إنَّ كل ما تملكهُ هو هبةٌ من الله لك وهو مقسومٌ لك ، فلا تطمع في المزيد واقبل بما هو مُلك يديك ، وكما قال أندرو كارنيجي : ( نحنُ مُجرد مؤتمنين على الثروات المُعطاة لنا مؤقتاً على هذه الأرض ، فليتنا نُشاركها مع الآخرين ،
ثاني عشر : الصبر وقُدرة التحمُل : إن عدم النظر إلى بعض الأمور بفطنة وحكمة فقد يؤدي خطأ بسيط إلى دمار ما بنيناهُ بسنين ، فعلينا أن نبني كل تصرفاتنا وعلاقاتنا مع غيرنا على مبدأ أنَّ كُل شيء له حُدود وطاقة للتحمُل ، وعلينا أن ننتبه لما نقوله ، فالكلمة كالرصاصة إذا انطلقت صعبٌ أن تُعيدها ، ولن تعرف ما أثرها عليك وعلى غيرك ، وعلينا أن لا نستخف بالتوافه أو صغائر الأمور ، وكما يقول إبن القيم الجوزية في مطلع قصيدة له :
كلُّ الحوادثِ مبداها من النظرِ ومُعظَمُ النارِ مِنْ مُستَصْغرِ الشَررِ
ثالث عشر : مرآة الحقيقة : على الإنسان قبل أن يتهم غيره أن ينظُر إلى نفسه قبل أن يوجه أصابع الإتهام للغير ، ولا تعتبر نفسك مُنزهاً عن الخطأ ، فتفقد لسوء تقدير أعز أصدقائك أو من يكون تحت إمرتك إذا كنت في موقع مسؤولية ، يقول موليير:( على الإنسان أن ينظر لنفسه بتأمل وعمق قبل أن ينتقد الآخرين ) ويقول المثل : ( يرى الشعرة في عين سواه ولا يرى الجسر في عينه )
رابع عشر : الانتقام وصوت العقل : خروج الإنسان عن العقلانية المؤدي إلى الغضب ومن ثمَّ الإنتقام ، يؤدي إلى إلهام الروح عند الإنسان ، وتركها في حالة بشعة مقيتة ، فعلينا عند الغضب أن نلجأ إلى صوت العقل ونُحكم الأمور ونوزنها بضبط النفس ، وإلا سيكون الخُسران الكثير من الرصيد الإنساني ، فالانتصار للنفس وتحقيق الانتقام لن يجلب لك إلا الضيق والقلق ، فاجعل سلاحك العقل وليس لسانك ، والتسامح أكبر مراتب القوة وحب الانتقام أحد مظاهر الضعف
خامس عشر : ضريبة الحياة : خلق الله عزَّ وجلْ الإنسان واستخلفه في الأرض من أجل إعمارها ، والإعمار والبناء لايتم بدونِ جُهدٍ وعناء ،قال تعالى في سورة البلد – الآية 4 :{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ }
فالألم والمُعاناة هما القاسم المُشترك بين جميع البشر ، فالرسُل والأنبياء كابدوا وجاهدوا في سبيل نشر الرسالات السماوية ، وكانت عظمتهم في صلابتهم وتحملهم ضريبة الحياة ، وثمن الحياة العيش بكرامة وشرف
سادس عشر : التعامُل مع قضاء الله بإيجابية : على الإنسان أن يؤمن بقضاء الله وقدره ، فالحياة لها وجهان : فإما عُنفٌ وقُسوة ، وإما فرجٌ ويُسر ، وعلينا أن نُسلم بامر الله ، ألَّا نُعاند القدر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه( المحدث الألباني) : [ إن عِظَمَ الجزاءِ مع عِظَمِ البلاءِ، وإن اللهَ – عز وجل - إذا أَحَبَّ قومًا ابتلاهم ؛ فمن رَضِيَ فله الرِّضَى، ومن سَخِطَ فله السُّخْطُ ] فعلينا أن نسير على قاعدة : ( لا تدع الأشياء التي ليس لك يدٌ في تغييرها تأخذك عن الأشياء التي لك يد في تغييرها ) فلا مقدرة لنا في تغيير سُنن الحياة فقط يجب علينا أن نفهمها بشكلٍ مُختلف
سابع عشر : المال وسيلة لغاية : المال ضرورة للحياة ، ولا أحد يستطيع أن يُنكر ذلك ، قال تعالى في سورة التوبة – الآية 46 : {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا } ولكن ليس هو كل شيء في الحياة ، ولا يحمل لك صكِّ السعادة والنجاة ، ولكن علينا أن نعرف كيف أن نتعامل به وبأي الأوجه نصرفه ، فهو قد يكون فيه سعادتك ، وقد يكون فيه فخ تعاستك وبوابة الجحيم ، وخسران الدنيا والآخرة ، وما فائدة المال إذا لم يُنجدك وقت الأزمات ؟!! وما قيمة المال إذا فقدت صحتك أو فقدت الحب والصداقة والأخوة وبقيت مُنعزلاُ ووحيداً ، فالمال زائل ولن تأخذه معك إلى قبرك ، وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :
لا تأسفن على الدنيا وزينتهـا وأرح فؤادك من همٍّ ومن حزن
وأنظر إلى من حوى الدنيا بأجمعها هل راح منها بغير القطن والكفن
ثامن عشر : مبدأ التدافع والتنافُس في الحياة : لقد خلق الله البشر ، وخلق فيهم التمايز في التفكير، فكل إنسان له رؤيته وتصوره الخاص في الحياة ، وله تحاليله التي تختلف عن غيره ، وقد أوجد الله هذا التمييز بين البشر من أجل أن يوجهنا إلى التدافُع والتنافُس في حركة إعمار الأرض التي إستخلفه فيها ، وأهم شيءٍ في الحياة كيفية التعامل مع البشر ، كُلٍّ حسب أذواقه وميوله الفكرية واختيار الأفضل فيها ، قال تعالى في سورة المُطففين – الآية 26 : { وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ }
تاسع عشر : العُزلة عن الناس : ما طعم حياة الفرد إذا لم تكن فاعلة ومشاركة مع بقية أفراد المجتمع ، فالحياة بدون مشاركة الآخرين لا قيمة لها ، فحياتُك معزولاً ستكون باردة مهما غلفتها من إيمان وصلاح ، وما فائدتها دون مشاركتك مع الآخرين ، فعليك ان لا تكون كالجمرة التي تنطفئ إذا عزلتها عن باقي الجمرات ، فعليك ان تبقى مُشتعلاً بالأخذ والعطاء مع باقي أفراد مجتمعك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خُطبة له في الشام قال(رواه أحمد والترمذي وآخرون) : [ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَامِي فِيكُمْ ، فَقَالَ: اسْتَوْصُوا بِأَصْحَابِي خَيْرًا ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ ؛ حَتَّى يُعَجِّلَ الرَّجُلُ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ، وَبِالْيَمِينِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا، فَمَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ، فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ ، وَمِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، فَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ، وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ ]
عشرون : التسامُح : يجب على الإنسان أن يتعامل مع الناس الذين أسا}وا له بمبدأ التسامُح ، الذي هو أفضل علاج للروح حتى لو ظن الآخر أنه انتصار له ، ونعلم أن الصفح ونسيان الإساءة صعب ، ولذلك نجد أن ثِماره في الدنيا والآخرة عظيمة ، يقول المُفكر الفرنسي جان جاك روسو في علاج روحه للانتقام : ( حين أرى الظُلم في هذا العالم ، أُسلي نفسي بالتفكير في أن هناك جهنم تنتظر الظالمين ) فدع المخلوق للخالق ، ونظف تفكيرك من أولئك الذين لا يستحقون منه ذرة ، وانشغل فقط بكل ما هو مفيد وإيجابي وابحث عن الأفضل في حياتك والتسامح من صفات الأنبياء ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معقل بن يسار : [ أفضلُ الإيمانِ الصبرُ والسماحةُ ]
واحد وعشرون : الاهتمام بالذات : على الإنسان أن يبدأ بنفسه بعلاج الخلل والتعامل بإيجابية مع خلل السلوك في نفسه ليكون مدخلاً لمواجهة عالمك الخارجي ، فالفوز والنصر ينبُع من ثباتنا العقلي واتزاننا النفسي والعاطفي قبل أن نبحث عن الحل في مكان آخر ، قال الله تعالى في ذلك في سورة آل عمران – الآية 165 : { أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فالإنسان السوي هو من يستطيع أن يسمع صوت ضميره وروحه وسط صخب وضجيج هذا العالم ، وهو القادر على أن يُقيم محكمةً بينه وبين ذاته
ثاني وعشرون : الثقة بالنفس والإيمان بالله : إن ثقة الإنسان بنفسه وإيمانه بما يُقدِّرهُ الله ، فمهما كانت الظروف صعبة أمامه ، فلن تهزهُ إذا كان داخلهُ صلباً وقوياً ، و قلبه مملوئاً بالإيمان والثقة بالنفس ، قال محمد الغزالي : ( مصاعب الحياة تتماشى مع هِمم الرجال عُلوّاً أو هُبوطاً )
ثالث وعشرون : الإشاعة وأثرها في الناس : إن من أعظم الأمور الطعن والهمز واللمز في الناس ، وتلفيق الأخبار الكاذبة التي قد تودي بصاحبها إلى التهلكة ، فعلينا التنبه لما يصدر من كلامنا ، وأن أسوأ ما يمكن أن نندم عليه في الدنيا والآخرة ، وأن يؤدي إلى نهاية سيئة ومريرة زلةُ لسان وردت منك ، ولأن اللسان سلاحٌ ذو حدين فقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن نستخدمه بالإيذاء إذ قال عن عبد الله بن عمرو : [ ‏"الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ‏"،‏ وسُئل أي المسلمين أفضل قال: "من سلمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ" ]
رابع وعشرون : لا مكان للحظ في الحياة : التوفيق في الحياة من عدمه هو مرهونٌ بأمر الله ، ولكن ما علينا إلا بذل الجُهد والعطاء لتحقيق مُبتغانا وطموحاتنا ، فالتوفيق والفضل الإلهي يُعطيه الله لمن يستحق ويحرمه ما دون ذلك ، قال تعالى في سورة الأعراف – الآية 188 : {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ }
خامس وعشرون : النصيحة في غير محلها : قد تكون نصيحتك لإنسانٍ ما ، يُراد بها صلاحه ، ولكن عندما تكون في غير محلها سيكون فيها دماره وتغيير مسار حياته ، فعلى كل إنسان أن يستمع للنصيحة ويُقيمها ، ثُمَّ يعود لذاته ، وأن يكون عقله يرسم له خطوط حياته وفقاً لبياناتٍ ومُعطياتٍ يكون فيها قادراً على تخطي أمرها أو الفوز بشيءٍ ما ، فرؤية الإنسان لذاته هي أهم جزء في منظومة النجاح دون تأثيرات خارجية عليه ، قال نابليون بونابرت : ( الرجال كالأرقام قيمتهم تتوقف عند مواضعهم )
سادس وعشرون : الحياة قصيرة فاستغلها بالإنجاز والعمل : الإنسان المؤمن هو الذي يُدرك معنى الموت والحياة ، فرحلة الإنسان في الحياة قصيرة ، ولا بُدَّ له أن يستغلها بالعمل الصالح حتى يلقى ربه مُحتسباً أمرهُ لله عزَّ وجلْ ، وأن يتذكر أن الحياة فانية ، ولن ينفع الندم عندما يُلقى في قبره ، فلن ياخذ معه إلا عمله ، ويصرخ مُستنجداً ربه ، ولكن بعد فوات الأوان ، قال تعالى في سورة المؤمنون – الآيات 99+100: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(100)}
سابع وعشرون : الاختيار الخطأ : على الإنسان في مسيرة حياته أن يختار الشخص المناسب الذي يُعينه ويساعده في خطواته في درب الحياة ، فاختيار الشخص الخطأ مهما كان مركزه وموقعه الذي قد تحسبه من يشُدَّ يدك إلى الأعلى ويرفعك قد يكون هو عنوان دمارك من حيث لا تحتسب ، وذلك باستنزافه كل طاقتك ويُلقيك بعد أن يأخذ حاجته منك ، فعليك أيها الإنسان أن لا تتنازل عن جهدك وطموحك في الحياة لغيرك مهما كان موقعه
ثامن وعشرون : الأكفان ليس لها جيوب : يكدُّ الإنسان ويتعب ، ويجمع المال ، وفي النهاية يغادر الدنيا وقد ترك كل شيء ، ولن يأخد معه إلا عمله .
الخاتمة
وفي ختام طوافنا ورحلتنا في عالم النفس الإنسانية ، نُجيب عن سؤال كاتبنا ( كم حياة تعيش ) ، فالعيش في الحياة لمرةٍ واحدة ، ولهذا على الإنسان أن يُدرك أنه في هذه الحياة هو ضيفٌ عليها ، ولا بد أن يتوقف قطار العمر عند محطته الأخيرة ، وأن ما كُنت عليه من جاهٍ ومال ومن كنوزٍ كسبتها في حياتك ، فستتركها وتغادر الدنيا ، ولن يكون معك فيها إلا أعمالك في الدنيا ، وكما قال الشاعر أبو البقاء الرندي يصفُ حال هؤلاء :
أين الملوك ذوي التيجان من يمن وأين منهم أكاليلل وتيجان؟
وأين ما شاده شداد في إرم وأين ما ساسه في الفرس ساسان؟
وأين ما حازه قارون من ذهب وأين عاد وشداد وقحطان؟
وهذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان
فآجالنا محدودة وأعمارنا معدودة ، فما نغرسه من نباتٍ أو بذار صالحة فسيكون حصادها طيباً مباركاً ، عند الوقوف بين يدي الله عزَّ وجل في يوم الحساب فكل نفس بما كسبت رهينة ، ولن يكون معك إلا عملك شاهدٌ عليك ، قال تعالى في سورة المدثر – الآية 38 : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ }
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
4/5/2024

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق