(رحلتُنا إلى الجنّة / ربيع دهام)
لفتةٌ واحدة إلى الوراء وإذ بي أرمقُه. متعبٌ كان،
كأنّما أصاب أطرافه الوهْنُ.
رجعتُ إلى حيث كان لأشدَّ من أزْرِه.
- تماسك حبيبي. أمامنا قمَّة نصبو إليها، وخلفنا جوعُنا المحتَّم، قلتُ له.
أجابني بصوتٍ متهدِّجٍ التهمَت حروفَهُ أنيابُ الشّهيقِ:
- وماذا على تلك القمّة كي نكدّ ونتعب هكذا؟
للمرّة الثالثة يسألني، وللمرّة الثالثة يريدني أن أجيبه. لكن لا بأس ولا عتب عليه. فلطالما لم تكن القوة البدنيّة، ولا القدرة على التحمّل، من ميّزاته.
- ألم أقل لك عن الكنز التي ينتظرنا هناك؟
- أيُّ كنز؟، يسألني كأنّه لا يعرف. بل ربما يريد بأسئلته المتكرّرة أن يتأكّد.
- الكنز الذي يغنينا عن جوع.
وانفرجت أساريره ما إن سمعها. طعام.
ومن مِنّا لا يحلم بما يسدّ رمقه بعد طول جوع؟
عادت الحياة إلى أوصاله، رفع رأسه، رقص قليلاً، ثم استأنف بحماسٍ شديدٍ عمليّةَ الصعود.
وبعد مسافةٍ ليست بقصيرة، لاح الكنزُ أمامنا.
اقتربتُ بشغفٍ من حبيبي المتعب وأشرتُ نحو مجرى الماء العذب.
- هناك!، قلتُ له
صوبّ نظراته إلى حيثما أشرتُ.
- نهر الفردوس!، صاح.
وكم رقص، وكم فرح، وكم هلّل لمّا رآها. وزعق وصرخ. وضحك. ثم بكى. نعم بكى.
- أخبريني يا حبيبتي، قال. أأنا في حلم أو حقيقة؟
- لحظات ونعرف يا حبيبي، أجبتهُ.
وعلى فسحة البياضِ المديدة تقدّمنا. نرمقُ النهرَ العظيمَ، ومع كل خطوةٍ جديدة نقوم بها، كانت تتلألأ أكثر في تربتِنا الأحلامُ.
وفعلاً، ما مرّت لحظات حتى عرفنا.
ففجأةً، ومن دون سابقِ إنذارٍ، تتحرّك الفسحةَ البيضاءَ المديدة تحت أقدامنا. وتهوجُ وتموجُ كأنّما القشرة الأرضيّة كلها تضطربُ.
وينزلقُ جزءٌ من الفسحة وينزلق معها حبيبي.
وأركضُ نحوه لأحاول التقاطه لكنّي لم أستطع.
سرعةُ سقوطه كانت أكبر من سرعتي في الوصول إليه.
وأراهُ. أراهُ في لحظةِ نحسٍ يتقهقر. يسقط أمام ناظري ويختفي.
وأبكي أنا وأنوح.
ويلوح وجهه في بالي وأرتجف.
منذ لحظةٍ كان ها هنا أمامي مثل الصغار يرقص، وها القدر اللعين الماكر الغدّار قد خطفه بدمٍ باردٍ مني.
وتعود وتتوقّف الفسحة. وتتجمّد في أرضِها كأنّما هي والزمان والقدر قد أكملوا عمليّة الاغتيال، وعادوا جميعاً إلى ثكناتهم سالمين.
عادوا كلّهم إلا حبيبي!
- حبيبي!، أصرخ.
ويصفعُ وجنةَ ندائي السّكوت.
وأقف هكذا مثل الفنجان الفارغ. لا أعرف ماذا أحكي وماذا أقول.
أأبكي حبيبي الذي ضاع، ومثل الأرامل أنتحبُ؟
أأستسلم وأعود أدراجي إلى أرض القحط في الأسفل،
أم أكمِل طريقي وحيدةً إلى القمّة؟
ويصول التفكيرُ في رأسي ويجولُ.
وما هي إلا لحظات حتى أراني أستأنف عمليّة الصعود،
وفي داخلي يتعارك خصمان لدودان.
واحدٌ ينعتني بصاحبة القالب القاسي والدم البارد، والكائنة التي تركت على الأرضِ حبيبها، وراحت تبحث عمّا يسد رمقها. وآخر يحثُّها على استكمال مسيرة الصعود،
لأن الذي رحل لن يعود.
ولأنّ الجوع، وكم شهدت نفسٌ على ذلك، كافر.
وأكملُ أنا صعودي حتى أصل النهر العظيمَ.
لكن قبل أن أقترب لألعق ما تيسّر من طعام، أسمع صوتاً مخيفاً يصيح:
- لطّختَ قميصك الأبيض بالقّطْر يا سعيد!
ألم أقُل لك ضَعْ الكنافة في الصّحن لا على القميص؟
وبسحر ساحرٍ، تنقضُّ يدُ إنسانٍ من السماء، وتزيل بجرّةَ قدرٍ، نهر الفردوس العظيم.
وأراني أنسحقُ بين قطعةِ الإسفنج وسائل الجلي.
ثم يحملني إصبعُ يدٍ ويرفعني، ويقترب إبهامٌ ويرميني بعيداً.
فأطير في الهواء وأسقط على الأرض وأترنّح.
وقبل أن ألفظ أحلامي الأخيرة، أدير رأسي، فأرى حبيبي
المقتول أمامي...
أقتربُ منه، أغمره، و...
- لمَ خلقتَني يا إلهي نملةً؟، أقولُ.
وكانت تلك جملتي الأخيرة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق