الأحد، 12 مايو 2024

مجلة وجدانيات الأدبية ((العائد )) قصة قصيرة من كتابي ،الخريف والبيادق// /فيتوري العبيدي البيضاء ليبيا


( العائد ) قصة قصيرة من كتابي ،الخريف والبيادق//
بداية شتاء الثمانينات،صقيع يلسع الوجوه وينزل حتى تهترىء منه العظام ،الحالة المعيشية متدنية جداً،مدينتي الجليدية مدينة الثلوج ،زخات باردة من امطار شهر فبراير ،وقت العصر البارد،سيارتي (داتسون140) المثيرة للشفقة ،عي كل مالدي ،هي التاكسي وهي مورد رزقي ،وهي كل مرتبي،فالمرتب يتأخر أشهر عديدة حتى يصل إلى جيوبنا الفارغة،ولتطعم افواهاً جائعة تنتظر كل مساء رجوعنا ،دجاجة ،كيلو مكرونة ،جالون مصنع بوعطني (الكثير الشبهات )
عند المسجد الكبير ،انتظر الزبون فالأجرة داخل المدينة (دينار ) واحد .......
مدفأة السيارة ذات الصوت الصاخب والمُتْرِبُ كانت لتعطيني شيئاً من الدفءِ.....
شريط (ابوعبعاب ) وسمسميته المشهورة بأغنية (ياقلبي تحملهم ) كان ثورة في عالم الموسيقى البدوية
آنذاك .....
أعرف صديقاً لي اشترى صورة (الشيخ الصديق بوعبعاب ) ب(12) دينار من رسام هندي وعلقها في مربوعة الضيوف ،ليتفاخر بها أمام ضيوفه !!!
هل تعلمون هذا الشريط لي معه ذكريات جميلة وحزينة في نفس الوقت ، اما شريط (وين الغالي يادار) فقصته قصة .أحلام الدار والأطلال وكحيل العيون ......اسكت ساكت !!!
في ذلك العصر البارد جلست في كرسي سيارتي انتظر الفرج من السماء وماهي سوى لحظات حتى طُرِقَ زجاج نافذتي طرقاًخفيفاًينم عن إنه صاحب الطرقِ إنسان مهذب
==مرحبا ....كيف حالك ...؟ نبي تاكسي ... بس الأجرة نعطيها لك وين مانوصلوا!! للحَوش ....موافق .
==قلت له :وين تبي ؟
==بَرَّه المدينة(خارج المدينه في إحدى الضواحي )
==تمام الأجرة(10)دينار المسافة بعيدة .
==ياسيدي مافيش مشكلة .
الرجل من هيئته إنه ثلاثيني ،يلبس اللباس العسكري ،ووجه يغطيه الشيب المتناثر،شحوب وجهه يدل على أنه قد مر بوقتٍ عصيب !!!
حتى وصوله إِلَي ........
سَرَدَ قصته الحزينة وهي بكل مافيها من تراجيديا مؤلمة [فالكتُ العسكري المرافق له خيرُ دليلٍ على ماهو فيه ....
اسْتَرسَلَ معي في الحديث المحزن بأنه كان في (تشاد ) حيث أُسِرَ هناك،وأن أهله قد أُخْبِرُوا بوفاته نتيجة (الملاريا) المميتة والتي فَتَكَتْ بالكثير هناك..... أهله قاموا بالعزاء وصَلَّوا عليه صلاة الغائب ...
هذا مااخبره به صديقٌ مقرب بعد رجوعه ...
الغريب ان هذه هي لحظة وصوله للوطن ولم يعلم أحد بقدومه (سواي ) حتى أهله لايعلمون بشيء وهو الآن راجع لأهله ........
صحيح (الرجال ياما تنظر ) وماسُمِىَ الرجلُ رجلاً إلا ليتحمل الشدائد !!
هز رأسه بكل أسف وقال (ماشغلتني غير العجوز ) هي اللي ديمة تنشد علي وماظني إلا انعمت علي شاني ببكاها علي ليل نهار !!!
عزيتَه بكل حزن وقدمت له سيجارة اخذ منها نفس بكل قوة وحزن !!!.
اقلعت سيارتي الواهنة من مرفأها وشريط بوعبعاب (وين الغالي. يادار) وصاحبي يهز رأسه بكل حزنٍ ولوعةٍ على شبابه الضائع ،وانا استرق النظرة تلو النظرة إلى محيَّاه الحزين !! حدثت نفسي بأنني سأحملُ الخبرَ السعيد إلى أسرته،وسيارتي التي هي دائماً ماتحمل الاخبار السعيدة ،أزفه في سيارتي المتهالكة ،فالمكان يبعد عن المدينة عشرون كيلومتر
تخيلت نفسي [وعقود الضي وخِيَمُ الفرحِ منصوبةٌ والذبائح ستكون على شرفي وتلك الزينه .......
سأكون البشير الرائع في نفس الوقت الذي [يحمل هذا البطل الاسطوري ] والذي عاد اخيراًمن المعتقلِ المقيتِ !!
وترحيبهم بي وأنا أحمل[العائد] والذي ذكرني بفلمِ الثمانينات [فرست بلود] سيلفستر ستالون...
حين عاد من فيتنام وتعرض لظلم ضابط شرطة أحْرَقَ مدينة بأكملها.جراء ذلك [وَهَيْتْ ياخَيَال ] المهم دُسْت على البنزين حيث وصلت سرعة سيارتي )الستين كيلومتر في الساعة ، بدأت الشمسُ تأذن بالغروب وشريط بوعبعاب يداوي الجروح الواهنة...
صاحبي لم يتكلم بِبِنْتِ شفة سوى همهمات حزينة كنت اسمعها من شفتيه بين الحين والحين ،ونظرة الحزن لم تغب عن سحنته الحزينة ،نظرةٌ تأسرُ القلوب الرحيمة،عندها قررت في قرارة نفسي ان اتنازل عن الأجرة لهذا البطل المغوار ،والعائد من سجون الاعتقال !!
[يافقر ماغَنَاكْ قُعُودْ] (1)
سيارتي الداتسون كانت تنهب الأرض نهباً واصابعي بلا شعور تقترب من [كلاكس] السيارة والذي هو أقوى شيء فيها فهو لم يخيب ظني ابداً. له قوةالنفير وكثيراًما تم دعوتي لحضور حفلات الزفاف لقوة [الكلاكس] غير اني لم احظى بزفاف العروس مرة واحدة في حياتي !! فسيارة العروس إما[داتسون 200L]او مرسيدس 200 ... أنا سيارتي فنصيبها عجائز شمطاوات يغنين العلم حتى بيت العرس....
اصاب زجاج السيارة قطرات مطر خفيفة ... شغلت المساحات الامامية ،حفر كثيرة كانت تعترضني في طريق المسير ،فجأة اعترضنا كلب أهوج بنباحه الغليظ !!
دست على [زمور ] السيارة ابتعد عن الطريق وفجأة عاد بسرعة البرق فكدت ان الصدمه بمقدمة السيارة لولا مناورة حكيمة مني لتَكَسَّرَ الفنار الأمامي!!
وصاحبي غارق في صمته وحزنه مطرق الرأس مهموماً
وصلنا إلى مشارف الاهل والاحباب اول طريق على يسار الطريق غير معبد تكثر فيه الحفر والصخور الناتئة ،مسافة ثلاثة كيلومترات مابين حفر مغمورة بالمياه ،وعلاوي ومنحدرات ،وصخور كأنها رؤوس متاحف حجرية،وكثيرا ماكانت تصطدم بها سيارتي المسكينة فخلت انها ستتركنا مابين ارتفاع وهبوط واصطدام وأنا غير آبه بها لأني في فرحة عارمة،وحزن عميق على مرافقي الذي تركته زوجته حينما علمت بوفاته تزوجت رجلاً آخر !!
[أعْصَيْرْ] خانق ،طالعتنا مشارف الاهل من بعيد ....البراريك...ونار هادئة تنبعث من فوهة التنور ودخانه المتصاعد في الاعالي ..... أغنام تاكل العشب الطري في سعادة غامرة ....
انجرحت نفسي لهذا الموقف لأن الزمام بيدي ... نعم زمام المبادرة بيدي ....
الآن الآن ... الكلاكس ... كدوة صغيرة اصطدمت بمقدم السيارة فارتفع قليلاً... ونظرة للبراريك!!! عجوزٌ أمام التنور تغرف بيديها العجين لترميه في الفرن الحار
همَّتْ [برمي خبزها ] ولم تفطن للسيارة !!الكهل الجالسُ بجانبها بيده عكاز الحديد ينظر إلينا بصمت !!!.
نعم زمام المبادرة بيدي ... الكلاكس القوي والمدوي.. دست عليه بكل قوتي بيدي الاثنين،فتحت نافذتي ،أخرجت جسدي من خلالها ،لوحت بيدي اليسرى [فريتشات الأربعة ] اضيئت
سيارتي صاحبة المهام الصعبة .......
أطلقت عقيرتي وحنجرتي بكل مااوتيت من قوة :
يانسكم الغائب!!!
يانسكم الغائب !!!
يانسكم الغائب !!!
ولدكم الغائب !!!
روح الحمد لله علي سلامته ......
وهكذا لم يعرني أحد اي انتباه سوى (كلاب البيت ) فقد نبحت قليلاً ثم سكتت وحلست منطوية على حالها كصاحبي !!!
دستُ على البنزين ،اقتربتُ من العجوزمن ناحيتي !!!
يانسكم الغائب
يانسكم الغائب ...ياعمتي يانسك ولدك ...يانسك ولدك
كأن العجوز قد أصيبت بصدمة من جرائها نسيت من هو ابنها .... فقد كنت انتظر [الزغرودة ] أو ترحيب جميل من الأب!!ولكن لاحياة لمن تنادي !!
تكلمت العجوز اخيراً:
هو جابك؟؟!!!
صُدِمْتُ لهول المشهد واللقاء ،فأين عقود الزينة ،والذبائح ،الزغاريد ،
النسوة ،وتصفيق الرجال !!كله تبخر وذهب أدراج الرياح
اللهم سوى ]نباح الابقع (كلب البيت )
نزل مرافقي ... بعد خبطه للباب بكل قوة ....
ابتسم ابتسامة عريضة ...
تنم عن مقلب كبير شربته !!!!!
نظر إلي وقال : [هَلَكْ يالَقَاقْ]
مال ناحية اليمينثم ناحية الشمال ..ودخل البراكة ...
وانا وسط دهشة وذهول !!!!
تقدم مني الكهل:سامحنا ياوليدي ...
راه مهفوف ...
موش أول مرة ...
رضاح سوك ....
رجعت للبيت محطم الأركان،وفردة خبزة تنور هي آخر أجرتي ...
لم أنم تلك الليلة ،وأنا افكر في ذلك المقلب !!.
انتهت -------------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق