أمام مبنى منهار!
وقفت أمام هذا المبنى، وهو كما ترونه منهار، المنهار ليس هو المبنى فقط، بل انهار كل ما بجانبه، انهارت المدينة بأسرها، وانهار البلد بأسره، هنا كل شيئ مدمر حتى القلوب والأرواح وكل من فيها، مدينة ملايين الرجال أصبحت وكأنها لم تغن بالأمس، يسودها الظلام والصمت والجمود، مدينة أصبحت بلا صوت وحراك، رحل منها كل شيئ، حتى العصافير والطيور غادرتها، تحولت إلى مجمع التراب والأحجار والنقوض والرماد؟ فأين ذهب من فيها؟
لكن الذي ترونه هنا هو المبنى فقط، أما أنا فأرى فيه الكثير، أرى أرضا يمكلها أمة المليار، وتتمثل أمام عيني أعمال لعبت بقداستها، ورجالا باعوها بثمن بخس دراهم معدودة، وآخرين تركوها خوفا وحرصا، وآخرين لا يحركون ساكنا تجاهها ذلا وهوانا، يعرفون أنها ملكهم لكنها لاتُهمّهم طالما كانوا بخير! إنها قطعة من أرض، وماذا سيحدث إذا احتلها العدو فلهم أراض ودول أخرى، وماذا سيحدث إذا قُتل من فيها أو ظلم فإنهم أحد أكثر الأمم رجالا وأفرادا؟ وماذا سيحدث إذا تحولت إلى خراب ودمار فدولهم راقية ومتقدمة ذات غنى وثروة! وكل ذلك يكفيهم؟
لكنهم لايعرفون أن المبنى هذا والقطعة هذه أحد أكثر الأراضي قيمة وكرامة! وأنها إذا انهدمت انهدمت الشعوب وإذا احتُلّت احتُلّ معها النفوس! وإذا مُسحت مسحت معها معاني الغيرة والحمية والوفاء! وإذا انخمدت انخمد معها الإيمان والعواطف! وإذا غُصبت غصب معها الرجولة والشجاعة!
أرى في أبعاد هذا المبنى وكأن كل شيء حدث بالفعل، فليس المبنى هو المنهار لوحده إنما هو صورة لانهيار جميع المعاني اللطيفة التي كادت تتمتع به الإنسانية في وقت ما، انهيار أصبح لا ينفعه مال ولابنون! ولاتعداد ولاأسلحة! ولا أراض ولا دول! ولا حكام ولا الوزراء، لأنه انهدم فانهدم معه الإنسانية، فأصبح القتل الشامل والإبادة الجماعية والهدم والدمار والغصب والاحتلال من الأمور العادية في أعين الأمة، كل هذا لايثير فيهم شيئا لأنه لم يبق معهم ما يثار؟ أموات غير أحياء! شعوب بلاروح، أناس بلا إنسانية!
رأيت كل هذا فشعرت وكأني أنا الطفل الفلس،طين،ي الوحيد الذي ما زال يشعر بشيء من الإيمان والغيرة، فعزمت على أن أرفع السلاح وأدافع عن أرضي! جــهـ،اد أو استشهــ،اد!
سخاوت الله آياز

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق