نزعة إصلاحية رائدة عند ابن عاشور:
بعد أن تولّى الأستاذ رائد العصر الحديث العالم التّونسي الطاهر بن عاشور مناصبَ عالية استطاع من خلالها أنْ يَّضع خطّةً سديدةً يسير وفقها الطالب الزّيتونيّ في مساره العلميّ، وفعلا قد قام بتغيير المناهج ذات الطابع القديم التي لم تكن تُوفي بالكثير من المتطلّبات التي لها راهنيّة، حتى غيّر بعض المواد الدّراسية في إطار جامع الزّيتونة، وأدرج بعض الكتب المهمّة في المنهج الدراسي المعروف عندهم، ولم يكن ذلك على سبيل كيفما اتفق أو بلا رويةٍ وداريةٍ وتأملٍ بل تصفّح الكتب وتتبعها تتبّعا دقيقا ثم اختار منها ما يكفل للطلاب المضيّ قدماً مع مسايرةِ الزمان بحيث يكونون قد لعِبوا دوراً كبيرا في حياتهم العلميّة، وأسهموا في رقي المجتمع دينيًّا وماديًّا، وأفرد في ذلك بالتأليف كتابًا سمّاه "أليس الصُّبح بقريب" حيث يقول في شأن مواكبة السّير الدّراسي: "الزّيتونة للزّمان ومقتضيات الحياة، ونحن اليوم في عصرٍ صار فيه المجتمع الإنسانيّ بمنزلة ما عليه القطر الخاص، وتغلغلت حاجاتُ الأمم ومصالحُها بعضها في بعض، فأصبح تقارب الثقافة بينهم ضربةَ لازبٍ، وصار ما كان يعدّ تكملة موضوعا الآن في عداد الواجب؛ فلذلك كلّه لم يغن التّلميذ الزّيتونيّ عن أن يضرب مع أمم عصره في سهم صائب، وذلك يلزمه لا محالة إلى أن يصعد في جوّ الثّقافة الزّمنيّة إلى مرتقى لا يقعد عن مجاراة أرقى الأمم إحاطة بدلائل الحياة السعيدة، "وفي عهده وقع الاهتمام بالكتب العلميّة وانكبّ الطلاب على دراستها بكل حفاوة وعناية، فاختار كتب أعلام الشريعة: أمثال شرح ابن دقيق العيد على أحاديث العمدة، وكتاب شرح العقائد النسفية وكتاب أعلام الموقّعين لابن قيّم الجوزيّة، بالإضافة إلى الكتب الأخرى التي تفيد في هذا الغرض: كتفسير البيضاويّ، ودلائل الإعجاز، وشرح الرقي على الكفاية، وشرح المرزوقي على ديوان الحماسة، والكامل للمبرّد، وأكثرها قد تولّى تدريسها بنفسه هو ليكون لها وقع جيّد في نفوس الطلاب، ويقول في هذا الصدد: "إن تعليم هذا المعهد هو الحافظ على الأمة علوم دينها الذي به فوزُها في الحياة العاجلة، ومظهر مفاخره وعزّتها؛ لذلك دعت الحاجة إلى إصلاح التعليم الزيتوني في المناهج والأساليب والطرق، والمعاهد الراقية، وبرامج ذلك يكون على وفق الحساسية للمراتب التي يختار التلميذ الانتهاء إليها على وجه تحصل به الملكة ولا يضاع معه الأصل" والناظر في كتبه ورسائله يجد جليًّا أن فكرة التّجديد غير خارجةٍ أو منفصلة عن النظام الديني: تغلغلت في أحشاء العلامة ابن عاشور، فينوي الخير والصلاح أينما حلّ ونزل وحيثما كان، إذ يقول في كتابه: "أليس الصّبح بقريب" فالتّجديد الدّيني يلزم أن يعود عمله بإصلاح الناس في الدنيا: إما من جهة التفكير الديني الراجع إلى إدراك حقائق الدنيا كما هي وإما: من جهة العمل الديني الراجع إلى إصلاح الأعمال وإما من جهة تأسيس سلطاته. ويرى الأستاذ الطاهر بن عاشور أن لتأخر الأمم وتراجعها عن قضاياها الكبرى وانشغالها بقضاياها التي ليست هي بمثابة أن يفكر فيها فضلا أن يتوغل فيها: ارتباطا وثيقا بالعلوم الدينية. . وقد أشار إلى هذا الجانب حيث قال: "إيذانا منه بقرب النصر واستعادة الأمة مجدها وتخلصها من المستمعر الغربي الذي باغتها في عقر دارها رأيت الذي يطمع في البحث عن موجبات تدني العلوم يرمي بنفسه إلى متسع ربما لا يجد منه مخرجا... وأيقنتُ أن لأسباب تأخر المسلمين عموما رابطة وثيقة بأسباب تأخر العلوم" وانطلاقا من هذا فقد حثّ العلماء والشيوخ بأن يصرفوا هممهم إلى التأليف العلمي فقال: " أمَلَت العلوم منا إصلاحا فنظرت إلينا نظرة الأسير لفاديه والمظلوم لناصره، وإصلاح التأليف هو الخطوة الأولى بل هو نصف المسافة من إصلاح العلوم، فما العلوم إلا معاني التأليف، وإنها لا ترجو تقدّما مادامت محبوسة في تآليفها القديمة"
وبدءا وأخيرا: فإنّ المُسايرةَ مع الزّمان والمماشاة مع متطلّباته تقضي منّا أن نكون على بصيرة تامّة ومعرفة جيّدة من تراثنا العربي الإسلامي الذي خلفه لنا أمجادُنا وأجدادُنا الذين باعوا النفيس والرخيص في إنارة الطرق المظلمة الوعرة التي لا يهتدي للسير فيها إلّا من حباه الله من فيض عطائه و وجوده عقلا سليما وبصيرة حادّة قوية، فجزاهم عنّا وعن المسلمين خير ما يجزي به الصالحين.
"ويرحم الله عبدا قال آمينا"
بقلم محمد داود السواتي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق