الأحد، 6 سبتمبر 2026

مجلةوجدانياتالادبية(( د . محمد يوسف سويدان استاذ الأدب الانكليزي مدير معهد اللغات الأجنبية سوريا - طرطوس))(( حتى أنت يا هملت))

 Even you are O Hamlet

'' حتى انت يا هملت ''

             ....................................

 من روائع الأدب العالمي . 

   - قراءة وتحليل . . .

       لم تعد بعد اليوم ، تجد اي معنى لحياتها بعد أن فقدت كل الناس الأعزاء على قلبها . السعادة ليست أن نعيش لوحدنا ، في قصر عاجي ، ناء عن البشر . بل العيش مع الاهل ، الاحباء ، والاصدقاء . تجمعنا بهم اواصر الود والمحبة ، والتعاطف الإنساني النبيل . 

        الصراع من أجل المال ، السلطة ، المطامع الرخيصة . تدمر كل الأشياء الجميلة التي نحلم بها ، نتوق إلى تحقيقها . نصل في النهاية إلى سياج محاط بالشوك والعوسج .   

       بادئ ذي بدء ، أوفيليا فقدت السند القوي في حياتها . فقدت والدها . بطعنة سيف رعناء ، تلقاها من حبيبها . كانت تبني على الأخير ، حلمها الوردي ، تراه صباحا ومساء ، عند شروق الشمس ، وغروبها .

        والدها ، كببر أمناء القصر . يسخر من مشاعر خطيبها . واصفًا إياها . '' فخاخ بسيطة للطيور الحمقاء " . لا يسأل عن مشاعرها ، بل يامرها قائلا :  

" لن أسمح لك ، من الآن فصاعدًا ، أن تسيئين استخدام أي لحظة فراغ ، تتحدثين بها مع فتى أحلامك . لديها بضع كلمات يائسة ، في الرد على هذا الرفض الساحق لعواطفها : " أجل سأطيع يا سيدي " .

        صورة أخرى قاتمة ، ترقد تحت الغيوم السوداء المتلبدة في سمائها . نرى فيها ، توبيخها من شقيقها . كان على وشك السفر بمهمة خارج الوطن . كلماته الوداعية ، ليست تعبيرا عن العاطفة الأخوية ، بل تحذيرا جارحا لقلبها . يخبرها بحراسة " كنزها العفيف " ، عذريتها ، من اغراءآت خطيبها .     

         بمجرد فقدان العذرية ، بنظره . تفقد شرفها وشرف أسرتها . يتحدث عن خطيبها ، الذي يحبها . يصفه حبه لها ، بالهيام بجسدها فقط . غير أن رغباتها الخاصة ، حياتها ، مستقبلها ، ليست ذات أهمية بنظره . هكذا غدا جسدها وروحها موصدين ، في سجن الأنا الأعلى ، من قبل والدها وأخيها . 

      عندما اطاعت ، إرادة والدها وشقيقها ، ونأت عن الاتصال بخطيبها ، إلا بالطرق الرسمية . انقلبت هذه الاطاعة ، سلاحًا ضدها . ينقلب خطيبها عليها . يمسك بتلابيبها ، ناظرًا إلى وجهها نظرة " عتاب مؤلمة " ، قبل أن يمشي بعيدًا عنها .    

       إنه لا يندب حبهم المفقود فقط . يقول لها " من الأجدى لك أن تصبحي راهبة في أحد الأديرة البعيدة عن العالم " . هنا تتبدى قسوته واضحة . ينكر أنه أحبها يومًا . يهينها ، يهاجم شخصيتها ، الأنثوية الرفيعة . 

     كانت تغدق عليه الحب والحنان ، بلا حدود . يخاطبها بقسوة . لقد أعطاك الله وجهًا واحدًا وأنت تصنعين لنفسك وجها آخرا . يتهمها بالخداع . يسمم عاطفة الحب الوحيدة ، التي تربط قلبيهما . 

      يفعل ذلك لأنه يعلم أنها بلا قوة . إذا أطاعت والدها، فإنها تفقد حبيبها . إذا اتبعت قلبها ، فإنها تخون عائلتها ، تدمر سمعتها . كل طريق في حياتها ، مصيره الوحدة والخراب . دوامة من الصراع النفسي . القلق ، الحيرة ، الندم ، الاسف . تعصف في وجدانها ، تهز عقلها ، لا تدرك اذا كانت في حالة الوعي ، أو اللاوعي .

        قتل والدها بالخطأ ، لان حبيبها لم يكن على دراية أن والدها ، يختبئ خلف الستارة ، في جناح والدة حبيبها . هذا القتل المفاجئ ، يمثل ذروة العذاب النفسي الذي اجتاح عقلها ، قلبها ، جسدها ، وروحها .    

         عندما يدفع خطيبها سيفه عبر الستارة ، فإنه لا يقتل مجرد رجل عجوز يتدخل في حياته . بل يقتل والدها ، حاميها ، رابطها الأخير بالنظام الاجتماعي ، القائم على الخداع ، والمظاهر الكاذبة .

       يد حبيبها تضرب والدها .نتخيل الرعب النفسي ، الذي هز كيانها . عندما تكشفت شخصية حبيبها السكوبايية ، المتغطرسة ، المفتقدة ، للشعور بالذنب أو الندم . في تلك اللحظة القاتمة المتشحة بالسواد .    

       الرجل الذي تحبه ، الرجل الذي لعب بالفعل بمشاعرها ، وأهانها علنًا ، قد قتل الآن والدها . الشخصيتان الذكوريتان الرئيسيتان في حياتها . واحدة تمثل الواجب والأخرى تمثل الحب . تصادمتا بعنف . النتيجة ، تدمير كليهما .

        رد فعل خطيبها على القتل بارد بشكل مخيف . يرفع الستارة ليرى من قتل . يصف والدها بأنه " أحمق متطفل ومتهور ". لا يوجد أي ندم أو تفكير في خطيبته . نكران في ذاته ، جعل المرأة التي يحبها ، يتيمة ، يائسة للأبد .  

        هذا الفعل الوحيد يخلق انفصاما مرعبا في عقلها . كيف باستطاعة قلبها بعد اليوم ، أن يحمل ذرة حب ، لرجل أقدم على قتل والدها ؟ الصراع أبدي لا يُحتمل . اقل ما يمكن أن ينتهي إليه . الانتحار أو الجنون . هذه الفاجعة الرهيبة . مزقت ماضيها ، ومستقبلها . تاركًة إياها وحيدة محطمة ، كشظايا البلور المكسور . تشهد بأم عينها . تراجيديا اغريقية ، تمثل انهيار عالمها الاجتماعي بأكمله .

       مع وفاة والدها ، أصبحت أوفيليا بلا حصن تأوي إليه . يحميها خلف جدرانه المنيعة ، من غدر الأيام و عاديات الزمن . هوية المرأة تعرف بعلاقتها بالرجال . كانت ابنة كبير أمناء القصر . بدون هذه الهوية ، ليس لديها مكانة اجتماعية ، ولا حامي ، ولا أحد ليوجهها أو حتى يتحدث نيابة عنها . حبيبها الآن قاتل . لا أسف عليه . تم نفيه خارج البلاد . . .

        هذا العزلة هي الأرض الخصبة التي يتجذر فيها "جنونها". إنه ليس انهيارًا مفاجئًا بل هبوط تدريجي ناتج عن حزن ساحق وفقدان كامل للهوية. الهياكل التي كانت تمسك حياتها معًا : العائلة ، الحب ، الواجب الاجتماعي . لم تُمح فحسب . بل تم تدميرها بعنف . ما نراه بعد ذلك ليس هذيان مجنون ، بل صوت روح تنكسر تحت وطأة الصدمة . لايمكن أن يتحملها عقل بشر من قبل .

       من جهة أخرى ، ما حدث لأوفيليا يعني رؤية جنونها . كشكل من أشكال الاحتجاج . لمدى بعيد جدا تم تفسيره . على أنه عرض مأساوي يتسم بالجمال . لكنه ليس كذلك . انه لحظة الحرية الحقيقية . مجردة من الحاجة إلى الطاعة والعفة والصمت . يصبح جنونها صوتها . تمرد قوي ، عميق جدا . حيال مجتمع حطمها ، كبت شخصيتها ، جعلها دمية يتقاذفها الرجال الأقوياء ، في المجتمع الذكوري المتدني . أسفل السلم الاجتماعي ، على مدى قرون طويلة . امتدت إلى العصر الحاضر .     

          أوفيليا تغني أمام الجمهور . بالكاد تحدثت عن نفسها . كانت إما تردد أوامر والدها ، أو إهانات خطيبها أو إشارة إلى الطهارة ، التي يراها شقيقها في الحفاظ على عذريتها . الآن ، من خلال أغانيها المجزأة . تتحدث عن حقيقتها . تغني الحب الضائع ، والعذرية التي فقدتها . وعدها خطيبها بالحب والزواج . لكنه تخلى عنها في النهاية .

       علاوة على ذلك . تغني عن الموت ، والدفن . إشارة واضحة إلى جنازة والدها غير الرسمية . من حضروا الجنازة ، يقولون : لا تأسفي " لقد مات وذهب سيدتي " . تندب حظها ، حزينة على والدها . دُفن سرا ، على عجل ، في جنح الظلام . دون الطقوس المسيحية الجليلة .

    نهاية المأساة ، تظهر بجانب الجدول . يصب في بحيرة واسعة ، محاطة بأشجار الصفصاف . فتاة في ريعان الشباب ساحرة الجمال . تجمع باقة من الأزهار البرية . نبتت على ضفاف الجدول . أرادت أن توزعها على الناس المقربين حولها ، علهم يدركون معنى الجرائم التي ارتكبوها بحق تلك الفتاة البريئة .

       إنه عمل عاقل ببراعة يتم تحت ستار الجنون . إنها ليست مجنونة . هذه هي الحقيقة المأساوية لـما حدث لها . كان عليها أن تفقد عقلها لتتمكن من التحدث أمام المجتمع ، الذي كبل لسانها بالصمت ، ويداها بالأصفاد .   

     بالنهاية ، تتسلق شجرة صفصاف . تسقط في الماء عندما ينكسر غصن ما . يقولون : إن أوفيليا طفت لبعض الوقت ، " تغني مقاطع من ترانيم قديمة " ، كما لو كانت ، غير قادرة على إدراك محنتها . لكن هذا الوصف الرومانسي يخفي واقعًا أكثر قتامة ، أسئلة محيرة ؟ عصية عن التفسير ؟ 

      الحفارون ، الرجال العاديون ، يتحدثون بالحقيقة العارية . يناقشون علنًا ما إذا كان ينبغي منحها دفنًا مسيحيًا . يقول أحدهم : " هل ستُدفن دفنا مسيحيا ؟ . يستنتجون أنه لو لم تكن امرأة نبيلة ، لكان موتها قد وصم بالانتحار . 

         هذه الغموض هو بيت القصيد . يترك شكسبير الأمر مفتوحًا للتفسير . هل موت أوفيليا كان فعلها النهائي بارادتها ؟ أم دفعها إلى الموت ، المجتمع القاسي ، مجتمع صكوك الغفران ، مجتمع الخرافة والجهل ، في كل زمان ومكان . وجه إلى ظهرها الطعنة النجلاء . لقيت نفس مصير يوليوس قيصر . شعرت كأنها تردد معه . حتى انت يا هملت . 

            Even you are O Hamlet

      ربما كان اختيار اللحظة والطريقة لخروجها ، هو الحرية الوحيدة التي كانت لديها . الغرق هو المأساة التي حدثت . لكنه يمكن أن يكون أيضًا المخلص . من عالم الشقاء والعذاب الذي كانت تعانيه في الدنيا التي تركتها ، غير آسفة عليها .

      دُفنت بلا شرف ، الإهانة النهائية تأتي في جنازتها . يتحدث الكاهن بصراحة إلى شقيقها ، مشيرًا إلى أن طقوس دفنها قد تم تقليصها بشدة بسبب الطبيعة المشكوك فيها لموتها . يقول " لنتلوا قداسًا وراحة لها . كما للأرواح التي فارقت بسلام " . تحرم من التكريم الكامل الذي تستحقه .

       النهاية ، مشهد يدعو إلى الدهشة والاستهجان ؟ أوفيليا ، الرجال الذين تسببوا في موتها . يتشاجرون الآن على قبرها . يقفز حبيبها وشقيقها . يؤديان عروضًا ذكورية من الحزن الزائف . يتجادلون حول من أحبها أكثر . محولين مكان راحتها الأخير ، إلى دراما تراجيديا . جراء فهمهم الخاطئ ، عن الحب والفضيلة .

         لم يرو ذلك في الحياة . هل يمكن فهمه بالموت ؟ ينوحون على فقدان تمثال جميل ، وليس على تدمير روح إنسانية . مأساة ماذا حدث لأوفيليا ؟ ليس فقط أنها ماتت ، بل وئدت ، على طريقة عصور الجاهلية . لم يسمح لها ، أو لبنات جنسها ، أن يعشن الحب والحرية . اسمى المعاني الإنسانية النبيلة . 

المراجع . . .

  '' الموسوعة البريطانية '' .

   British Encyclopedia

            ...........................

      د . محمد يوسف سويدان 

          استاذ الأدب الانكليزي     

          مدير معهد اللغات الأجنبية 

          سوريا - طرطوس


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق