حمارتنا والإنجليز *
(قصّة)
كانَت الشمس "تحرق ذيل العصفور" في يوم قائظ من أيام آب، وفندي ينتظر على أحرّ من الجمر، أن ينتهي من حصاد المارس (1) الأخير في حقلِهِ، وقد تقضَّت أيام كثيرة عليه يحصد ما قد زرعت يداه، فالأرض خصبة والغلّة جيّدة وهذا الذي خفّف عنه شقاء الأيام ومرّها.
لو كانت أيامه أن يزرع ويحصد ويطعم أولاده، ورغم شَظَف العيش، فحَسبُه ذلك، لكنّ الأيام وخصوصًا الأخيرة منها حبلى ويبدو أنّ حمْلَها لا يبشّر بالخير، فالإنجليز بدأوا "يلعبوا بذيلهم" وعلى المكشوف والدنيا تغلي بين العرب واليهود، والأخيرون يتصرّفون على غير عادتهم كَمَن يعيش حالة ترقُّب وانتظار، وهذا يعرفه من جيرانه في "الزبيد" (2)، فإن كانوا حتّى قبل أشهر لا يبرحونهم، متوددّين مقايضين منتوجاتهم، من الفواكه والخضراوات بالقمح والعدس والذرة وغيرها، يجيئونهم اليوم عارضين شراء الغلّة والقمح بالذات وبكميات كبيرة وبأسعار عالية ودون مفاصلة.
ورغم غرابة الأمر إلّا أنّه يبدو أكبر من فندي وهمومه، فلم يعِر ذلك جلّ اهتمام، وبالنسبة له أن يبيع فائض غلّته، دون أن يشقى بحملها إلى صفد كما جرت العادة في السنوات التي خَلَت، أمر يريحه ويسرّع عودته إلى أهله في قريته البعيدة مسافة ست ساعات سيرًا على الأقدام، وأشهرًا منذ أن برحها استعدادًا لموسم الحصاد والدراس دون أن يرى زوجته وأولاده خلالها، التي اضطرّت أن تتخلّف عن مرافقته على غير العادة بسبب مولودها الجديد، "الغيل"(3).
أما ما أوصَلَهُ إلى هذه الأرض البعيدة كل هذا البعد عن بلدِهِ فهي حكاية تتناقلُها الأجيال وحسبها: أنّ الوالي التركي وكعقاب لأهل القرية على تخلُّفِهم عن دفع مستحقاتهم، فرَضَ عليهم أن يفلحوا كل المنطقة من سهل الحولة الممتدّة شرقي نجمة الصبح (4)، بين "حتسور" (5) جنوبًا ووادي الحنداج شمالًا، وشارع الجاعونة (6) الخالصة (7) شرقًا إلى أراضي العموقة (8) غربًا، والتي أطلقوا عليها، هم، اسم "الخيط" لسهولتها مقارنةً مع أراضي قريتهم الجبلية الوعرة العالية. طبعًا ليس الأمر مَكْرُمة من الوالي التركي إنّما استغلالٌ للأرض وتكثيرٌ للدّخل، فحصّتُه مضمونة من الغلّة دون أن يتعب ويكد، وكلّما زادَت الغلّة زاد كرشُهُ انتفاخا.
كل ذلك لم يشغَل بال فندي في هذا اليوم الصيفيّ القائظ، ما كان يشغلُه هو إنهاء الحصاد وتركُه عُهْدة في رقبة أحد جيرانه والعودة لزوجته وأولاده لِكَم يوم راحة قبل أن يبدأ الدراس. مالَت الشمس غربًا، ودخَلَ فندي في سباق معها متحدّيها أن ينجز حصاد المارس قبل أن تغيب، وكانَت الغلبة لها ولكن ليس بكثير فما أن ظبّ "الرمس" (9) حتّى شقع آخر غِمْر على الحابون (10).
ترَكَ الحابون في عُهْدة جيرانه الذين لم ينجزوا بعد حصاد حقلِهِم، فكّ رباط حمارته امتطاها وحثّ السير نحو بلده، ليس قبل أن يسأل جيرانه إن كانوا "معاوزين" شيئًا من البلد، فبعد يومين سيعود إلى رحلة شقاء أخرى وإن كان ما يعوزهم شيء خفّ حمله، فليس بالأمر الصعب أن يلبّيَه خصوصًا إذا كان سلامًا وكلامًا للأهل.
لم تشفَع عند فندي نصائح الجيران، أن يؤجل عودته حتّى الصباح وقولهم: "نام الليلة فالصباح رباح"، فبالنسبة له البلاد اشتاقت لأهلها.
خطرَت ببال فندي خواطر كثيرة وأمامه مسير أو ركوب ست ساعات الى بلده، وربّما ثمان، فالمسير في الليل غيرُه في النهار، خطرَت بباله وحوش شتّى وخصوصًا ضباع تراودُه عن نفسه، تشتهي لحمَهُ ولحم الحمارة، وخطرَت ببالِهِ مخاطر أخرى كثيرة، وجَدَ لها كلّها حلولًا وهو المتعوّد على ذلك. لكنّ شيئًا واحدًا لم يخطُر بباله، ولم يكُن مِنَ الممكن أن يخطر ببالِهِ ولا في أشدّ أيامِهِ وأحلامِهِ هولًا، لم يخطر ببالِهِ أن يجِد لحمارته أقاربَ، أمّا كيف كان ذلك، فهكذا رواها فندي لأهل البلد عند وصوله من خلال ألمِهِ وفشّة غلّه، فعندما لا يجد الإنسان طريقًا للتنفيس عن قهر، يتفتّق ذهنه أحيانًا عن سخرية لاذعة معزّيًا بها نفسه.
ركِبَ فندي الحمارة صَوبَ البلد مشتاقًا لزوجته وأولاده أشدّ شوقًا حاثًّا إيّاها سرعة المسير بألفاظ تُقال خصيصًا لحثّ الحمير على المسير ولَكْزًا بِكَعب الرجل، وأحيانًا باستعمال القضبان، وإن أحوجَ الأمر فآلات الفلّاح كالزّغت (11) والمسلة (12) وغيرها. فانطلَقَت تشقّ الطريق الوعريّة تحت ضوء القمر. مرّت ساعات وبدأت تطول تحت ضوئِهِ ظلال الاشجار، وفندي يشعر أنّ الحمارة لا تفي بالمطلوب من السرعة، غير مبالٍ بتَعَبِها، فتناولَ مِن جيبِه المسلّة وبدأ يلكُزها في أعلى رقبتها.
استوقَفَتْهُ دورِيّة إنجليزية لم تكُن بالحسبان وإن كانَت تناقَلَت أخبار اشتداد سوء المعاملة، كلّما اشتدّت سواعد الثّوار، وطبعًا بعد الأخذ والرد كيفما حلا لأفرادها، الذين على ما يبدو لم يُشبِعوا رغبتَهم رغم أنّهم تأكدوا أنّه ليس من الثّوار، فبادرَ أحَدُهم بكلماتٍ عربيةٍ طبعًا بِلَكنةٍ أجنبيةٍ وطبعًا دون أن يميّز إن كانَ أمامَهُ حمار أو حمارة:
- ليش انت بركب الخمار وبغزه بالمسمار؟ مش خرام؟
كل شيء توقّعَهُ فندي حتّى أن يُساق للاعتقال ظنًّا منهم أنّه مع الثّوار وحتّى بدون ظن، لكن أن يتدخّل الضابط بينَهُ وبين حمارته كيف يركبها وكيف يسوقها، فهذا لم يتوقّعه، فأجاب بداهة:
- حمارتي وأنا حرّ فيها!
- لأ مش خر، بتفهمش إنت إنُّه لازم برخم الخيوان؟ واخد خمار انزل!
قبل أن يستوعب فندي ذلك، وهذا التدخّل السافر بينه وبين حمارته ويرد، كان الجندي قد لَكَمَهُ بِعُقْب البندقية، مكرّرا:
- إنزل واخد خمار إبن خمار!
إن كان فندي يستطيع مغلوبًا على أمرِهِ أن يتحمّل أن يوصَف بــِ "خمار"، لكنّه لا يمكن أن يتحمّل أن يوصَف بــِ "ابن خمار" وأبوه في عُهْدة الله والإنجليز يلفظون "الحاء" "هاء" وليس "خاء"، فأجاب:
- انت واللي خلفوك حمير أولاد حمير، الله يلعن اللي جابكوا واللي خلّاكوا في هالبلاد، حرام نركَب حميرنا ومش حرام تِنهَبوا بلادنا...
لم يعرِف أحد ما كان سيقول فندي بعد، لأنّهم تناوَلوه مِن على ظهر الحمارة مشبِعين إيّاه ضربًا، محذّرينه أن يسوق الحمارة سَيرًا على أقدامَه وإلّا أطلقوا النار عليه.
سار فندي جارًّا الحمارة وحتّى بعد أن توارى "والله لا يحط أحد محله" في تلك الساعات لِما اعتصَرَهُ مِن ألم وقهر، فهو الذي لم يجرؤ أحد أن يمدّ عليه يدًا في حياته ويهينه، يُضرَب وهكذا؟! لم يستطِع فندي أن يشيل كل ذلك في داخله، وكان لا بدّ أن يبوح بما جرى شاكيًا، خَوْفَ أن يفقع قهرا.
اعتاد أهل البلد حال علمِهم أنّ أحدًا عاد من أرض الخيط، أن يؤمّوا بيتَه سائلين عن ذويه وحاجاتهم، فامتلأت دار فندي بالسائلين، ولم تكُن تحوجهم فراسة كبيرة ليروا الكدر والغم الذي يعلو سحنَتَهُ، وكانَ حبُّهم في الاستطلاع يكبر، حتّى بادره أحدهم:
- الله يكفينا الشر، صار شيء لأهل بلدنا، وِجهك ينَقّط سم!
- - لأ!
- طيب شو فيه؟
تنهّد فندي وأجاب وبَسْمَةٌ مقهورة تعلو شفاهه ودون مقدّمات:
- لاقيت لحمارتنا قرايب!
رانَ صمتٌ ودهشة علا بعدها الضحك، ونسِيَ أهل البلد أهلَهم، وشدّهم أن يتعرّفوا قبل كُلّ شيء على قرايب حمارة فندي. وشدّهم أكثر تردّد وصمت فندي وبسماته الساخرة المقهورة... وراحَ يعرّفهم بأقارب حمارته.
_____________
معنى كلمات العامية:
1- القطعة من الحقل.
2- يسود همعلاه اليوم، مستوطنة في الحولة بنيت سنة 1882.
3- الولادة التالية قبل مرور سنة على الأولى.
4- اييلت هشاحر اليوم - مستوطنة في الحولة.
5- حتسور - كذلك.
8+7+6- قرى عربية مهجّرة في سهل الحولة.
9- الفترة بعد مغيب الشمس بقليل وقبل الظلام.
10- كومة السنابل المغمرة تُرَتَّب بشكل دائري لحماية الحبوب التي تكون من الداخل.
11- قطعة خشب أو حديد منحوت رأسها لِلَكْز الدواب.
12- إبرة كبيرة لتخييط أكياس القمح وما أشبه.
*الحائل – المجموعة القصصيّة
سعيد نفّاع – الأمين العام السابق لاتّحاد الكتّاب 48 (2014-
2025)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق