*كفُّ السراب*
أَتْرَعْتُ بِالخَمْرِ الحَلَالِ مَرَارِي
وَعَتَقْتُ مِنْ سُقْمِ القُيُودِ مَدَارِي
وَغَفَوْتُ مَشْدُوهًا بِلَحْظَةِ عِزَّةٍ
فَإِذَا بِأَمْلَاكِ المُلُوكِ إِسَارِي
نَادَيْتُ فِي الصَّمْتِ الرَّهِيبِ: أَنَا الَّذِي
تَتَقَادُ لِي مُودَعًا خَطَى الأَقْدَارِ
وَصَعِدْتُ لِلْعَرْشِ العَظِيمِ بِهَيْبَةٍ
وَالكَوْنُ طَوْعُ مَشِيئَتِي وَقَرَارِي
فَإِذَا بِرِيحِ الشَّوْقِ تَحْمِلُ خَطْوَتِي
نَحْوَ الغَمَامِ وَهَدْأَةِ الأَسْحَارِ
أَغْلَقْتُ أَبْوَابَ الخَرَابِ بِقَبْضَتِي
وَحَمَيْتُ مِنْ غَدْرِ الزَّمَانِ دِيَارِي
وَجَعَلْتُ جَيْشَ الغَرْبِ طَوْعَ مَشِيئَتِي
وَخُطَى المَجَرَّةِ كُلُّهَا مِضْمَارِي
أَجْلَسْتُ بُوتِينَ الخَضُوعَ بِمَجْلِسِي
وَهَوَى تَرَامْبُ بِقَبْضَةِ الإِعْصَارِ
وَفَتَحْتُ قُدْسِي بِالصَّلَاةِ وَبِالفِدَا
بِعَزِيمَةِ الثُّوَّارِ وَالأَحْرَارِ
وَأَعَدْتُ لِلشَّامِ الجَرِيحِ شَبَابَهُ
وَبَنَيْتُ فِي بَغْدَادَ صَرْحَ فَخَارِ
سَطَّرْتُ مِنْ قَلْبِ الكِنَانَةِ حِكْمَةً
تُهْدَى الزَّمَانَ بِنُورِهَا المِدْرَارِ
فَإِذَا بِيَ المَلِكُ الَّذِي دَانَتْ لَهُ
كُلُّ الرِّقَابِ بِسَطْوَةِ الجَبَّارِ
لِلْمَغْرِبِ العَرَبِيِّ وَلَّيْتُ الخُطَى
سَعْيًا عَلَى قَدَمٍ فَنِعْمَ السَّارِي
فِي تُونِسَ الخَضْرَاءِ شُدَّتْ مِئْذَنٌ
لِلْعِلْمِ تَجْلُو ظُلْمَةَ الأَنْظَارِ
وَطَوَيْتُ فِي الخُرْطُومِ كُلَّ مَفَازَةٍ
فَازْدَانَ شَطُّ النِّيلِ مِنْ أَزْهَارِي
وَعَلَى الخَلِيجِ رَفَعْتُ رَايَةَ عِزَّةٍ
مَمْهُورَةً بِحَضَارَتِي وَوَقَارِي
وَجَعَلْتُ مِنْ عَمَّانَ دِرْعًا صَامِدًا
يَرْمِي بِكَيْدِ مَكَائِدِ الأَشْرَارِ
وَأَعَدْتُ لِلَيْبِيَا هَيْبَةَ أَرْضِهَا
مِنْ بَعْدِ طُولِ تَمَزُّقٍ وَحِصَارِ
فَمِنَ اليَمَنْ حَتَّى المَنَامَةِ بَيْعَتِي
عَهْدٌ يُصَانُ بِشِيمَةِ الأَبْرَارِ
مَا غَابَ عَنْ عَيْنِي جَمَالُ جَزَائِرٍ
مِلْيُونُ حُرٍّ قَدْ حَمَوْا مِضْمَارِي
وَمَحَوْتُ فُرْقَةَ أُمَّتِي تِلْكَ الَّتِي
نَصَبَتْ حُدُودًا مِنْ وَرَاءِ سِتَارِ
وَمَلَأْتُ صَنْعَاءَ العَظِيمَةَ بَهْجَةً
وَشِفَاءَ قَلْبٍ غَاصَ فِي الأَكْدَارِ
أَرْسَيْتُ عَدْلِي فِي العُرُوبَةِ كُلِّهَا
حَتَّى تَلَاشَى مَنْطِقُ الأَغْيَارِ
أَتْرَعْتُ جِيرَانِي كُؤُوسَ مَحَبَّةٍ
وَكَبَحْتُ عَنْهُمْ شَهْوَةَ الأَشْرَارِ
كُنْتُ الزَّعِيمَ وَكُنْتُ رَبَّ مَهَابَةٍ
وَأَخًا صَدُوقَ البَوْحِ وَالأَسْرَارِ
فَنَظَمْتُ دُسْتُورَ الإِخَاءِ لِأُمَّتِي
آوَيْتُ كُلَّ التَّائِهِينَ بِدَارِي
مَا كَانَ هَذَا السِّحْرُ إِلَّا غُنْوَةً
مَحَقَتْ سَوَادَ البُؤْسِ بِالإِبْصَارِ
وَأَفَقْتُ مِنْ إِغْفَاءَتِي مُتَعَرِّقًا
مُتَلَفِّتًا دَهِشًا بِغَيْرِ دِثَارِ
فَإِذَا أَنَا المَنْفِيُّ فِي أَوْهَامِهِ
أَقْتَاتُ نَارَ البُؤْسِ وَالإِقْفَارِ
ضَاعَ المُلُوكُ وَضَاعَ عَرْشِي كُلُّهُ
وَبَقِيتُ وَحْدِي حَافِيَ الأَقْدَارِ
*قلم السيد العبد*
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق