الــصــحــابــة الــجُــدُد
بقلم : صخر محمد حسين العزة
كُل شيءٍ في الحياة يُمكن إصلاحه وتوجيهه إلى الطريق القويم ، فالإنسان يولدُ صفحةً بيضاء ، ولكن تأثيرات البيئة والمجتمع الذي يعيش فيه يؤثر على سلوكياته وطبيعته وتجعلهُ إما إنساناً صالحاً وتقياً وإما إنساناً شريراً ، فالنفس البشرية تتشكل حسب تأثيرات الطبيعة التي حولها ، ويمكن أن تتغير إذا وجدت من يوجهها ويرشدها إلى الخير والصلاح إذا كانت شاذة عن الطريق القويم ، فالأرض البور يُمكن إصلاحها إذا استلمتها أيدٍ أمينةٍ ترعاها بتوفير المُحسنات من مياهٍ نقية وأسمدةٍ طبيعية وبذارٍ حسنة ، وكذلك حال النفس البشرية إذا وجدت من يرعاها ويوجهها ويزرع فيها بذار الخير الطيبة ومحسنات ترتقي بها إلى الخير ، وهذه المُحسنات هي الدين والأخلاق والقيم الحميدة ، فينشأ الإنسان قوياً ثابتاً لا يتأثر بتقلبات الحياة مهما كانت قوتها وجبروتها ، وكذلك حال أُمة الإسلام الأولى التي جاءها رسول الله حاملاً رسالة الإسلام للبشرية جمعاء ، وأخرجها من الضلال إلى الهدى ومن عالم القبلية والجاهلية إلى عالم الهدى والصلاح ، فالتف حول رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابته الذين زرع فيهم القيم والأخلاق الحميدة مُعززة بدين الله الحنيف بعد أن كانوا أمة ضلالٍ وجهالة .
سؤالي الآن حول أحوال أمتنا التي نعيش فيها في ضياعٍ وهوان مشبعةً بأفكارٍ دخيلةٍ عليها من دول الغرب لتبعدها عن دينها وتعيدها إلى جاهليتها الأولى ، ويوهمونها بأنها أُسس التحضر والتمدن والتقدم ، وما هي إلا سمومٌ مدسوسة من أجل أن تحيد عن طريقها القويم الذي أسسهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأمة ، ففقدنا بهذه الأفكار البوصلة التي تهدينا وعدنا إلى عصر الجاهلية بتعلقنا بحُب الدُنيا ومتاعها ، وتخلينا عن معنى الإخوة وروابط الدم لأنهم زرعوا فينا الأنانية وحب الذات ، وتحكمنا المصالح والأهواء ونسينا أننا خيرُ أمة أُخرجت للناس كما قال الله عزَّ وجل في سورة آل عمران – الآية 110 : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ }
ولكن أتى طو فان الأ قصى في السابع من تشرين أول عام 2023م وما حصل فيه من أحداث ولا تزال دائرة على ما يزيد عن ماتي يوم ، ليوقظنا من غفوتنا ، بل أيقظ شعوب العالم الغربي المُغرر بها من حُكامها ، وأنهم كانوا أُلعوبة بيد الص هيوينة والماس ونية العالمية .
فماذا فعلت غزة ورجالها الأطهار بهذا العالم الذين غيروا مجرى التاريخ ؟!!! فهل هؤلاء هم الصحابة الجدد الذين اصطفاهم الله التابعين- التابعين لصحابته الكرام من أجل صحوة الأمة وعودتها لدينها ولنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إن غزة هي مُفتاح التغيير لهذه الأمة كالمدينة المنورة التي فيها أرسى رسول الله صلى الله عليه وسلم قواعد دولة الإسلام ، فثبَّت دينه بين أصحابه وبنى مجتمعاً قويا مُتماسكاً مبنياً على المحبة والإخاء عندما آخا بين المهاجرين والأنصار ليكونوا كالبنيان المرصوص ، ومنها انطلق ينشر راية الإسلام إلى كل العالم ، وكانت البداية بغزوة بدر ، وقد كانوا قِلةً قليلة لم يتجاوز عددهم ثلاثمائة صحابي وليس معهم إلا النزر اليسير من العُدة والعتاد مُتسلحين بإيمانهم بالله ليواجهوا كفار قريش بقوتهم وعدتهم وعتادهم ، ولينصرهم الله ويخزي قوماً كافرين ، ولتكون بدر بداية التغيير ليس لأمة العرب فحسب بل للعالم كله ، قال تعالى في سورة البقرة – الآية 249 : { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } ، وهكذا هي غزة التي تربى شعبها على نهج رسول الله ، وقام رجالها بمعركة طو فان الأق صى بعدد لا يزيد عن ثلاثة آلاف مجاهد كلهم حفظةً للقرآن الكريم ، معززين بإيمانهم بالله ومتوكلين عليه ، وأنه لن يخذل جنده المؤمنين ، فكان النصر لهم وأخزى الصه اينة كما أخزى كفار قريش في غزوة بدر ، قال تعالى في سورة التوبة – الاية 14 : { قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } فهؤلاء المجاهدون تخرجوا من الجامعة النبوية التي تحتوي على عدة تخصصات مهمةٍ في حياة الإنسان ، وأنتجت منهم رجالاً حازوا على الدرجات العُليا في كل الميادين من تربوية وسياسية وعسكرية ، وكافة الشؤون الثقافية والإنسانية ، فهؤلاء هم الصحابة الجُدد ، فصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هم من كانوا في حياته الشريفة وتغيرت نفوسهم بصناعة الذات وتطويرها والوصول بها إلى أعظم النتائج وتجسيدها على ارض الواقع ، فكان كل فردٍ منهم شجرةٌ أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء ، فطوعوا واقعهم الصعب بما زرعه بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من قيمٍ مُثلى ، وأرسوا قواعد الدولة الإسلامية في المدينة المنورة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم – عن أبي هريرة : ( لا تسُبوا أصحابي ، لا تسُبوا أصحابي ، فوالذي نفسي بيده ، لوأن أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه ) فهم ثمارهم فتح الإسلام وإعلاء كلمة الله ، وكذلك هؤلاء المجاهدون من أبناء غزة هم من ساروا على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وجسدوه واقعاً بأبهى الصور الممكنة في مجتمع شعب غزة فرغم قسوة الظروف وغُربة الدين وتكالب الأعداء ومرارة الواقع وندرة الإمكانات ، إلا أن مجتمع غزة أصبح نموذجاً عظيماً بالصبر والثبات والإيمان ، وضياؤه يُنير الأفق ويُبهر الأبصار، فقد أثبتوا رُغم المجازر وحرب الإبادة تمسكهم بعقيدتهم ودينهم كحال أمة رسول الله الأولى بما عانوه من عذاب من أجل نشر رسالة الإسلام ، ورغم ما تعرضوا لهُ من دمار ونزوحٍ وتشرد فتراهم يُنشئون المدارس ومراكز تحفيظ القرآن في مراكز الإيواء وخيام النزوح دليلٌ على ثباتهم وتمسكهم بدينهم ، ونرى أيضاً في غزة أعظم صور الإيمان جلية لكل العالم عندما نرى الأمهات يودعن الشهداء من أبنائهن محتسبات صابرات ولسان حالهنَّ يقول : ( يا الله خذ من أرواحنا، وأجسامنا، ودمائنا حتى ترضى ) وكذلك حال رجالهم ما يقولون إلا ( حسبُنا الله ونعم الوكيل ) والمؤمنون أشد بلوى فبعزيمتهم وصبرهم من أطفالٍ ونساءٍ وشيوخ غيروا العالم وكشفوا صورة الإحت لال الصه يوني القبيح ، ودفع الكثير من أبناء الغرب للبحث عن كُنه ونفسية هؤلاء بجلدهم وصبرهم ، وهل هم من طينة البشر ؟!!! مما كان له الأثر الكبير في نفوسهم ودفع الكثير للبحث عن هذا الدين العظيم الذي يجعل النفوس صامدة وراسخة كالجبال أمام الأمور الجسام وفظاعتها ، فأعلن الكثير إسلامهم وعرفوا أنه الدين الحق ليس كما يصوره حكامهم بأنه دين الأرهاب ، بل هو دين الرحمة والعدالة والسماحة.
إنَّ صمود المجاهدين جعل هذا الكيان المسخ ومن معه من حلفائه من قوى الشر ، وبما يملكه من قوة وبدعم من أعوانه أن يخروا صاغرين ويرتعبون من هؤلاء الصحابة الجدد ، فهؤلاء الرجال عاهدوا الله ولن يخذلهم فإما نصرٌ أو استشهاد ، قال تعالى في سورة الأحزاب – الاية 23 : { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا }
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
9/5/2024
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق