《نهاية خدمة》
في قريةٍ هادئة، كان هناك رجلٌ بسيط الحال، يملك دكّانًا صغيرًا يبيع فيه الخضار. كان يكابد تعب الحياة بصبرٍ، حتى قرر أن يستعين بصديقٍ له ليساعده في العمل مقابل أجرٍ بسيط.
وافق الصديق، وكان نشيطًا مجتهدًا، لا يعرف الكسل طريقًا إليه. أخذ على عاتقه تطوير الدكّان، فصار يذهب إلى السوق المركزي، ينتقي أجود الخضار، ويرتبها بعناية، حتى أصبح الدكان أكثر جذبًا للناس، وتحسّن الحال شيئًا فشيئًا.
ومرت الأيام…
وفي يومٍ من الأيام، مرض الصديق، ولم يكن مرضه خطيرًا، بل كان بحاجة إلى أسبوعٍ من الراحة فقط. لكن المفاجأة كانت قاسية…
فإذا بصاحب الدكان يعزله عن العمل!
وقع الخبر كالصاعقة… وارتجف خوفًا على صغاره من جوعٍ قادم، لكنه لم ينكسر؛ رفع عينيه إلى السماء، وفي يقينه أن الله أرحم به من خوفه، وأقرب إلى رزقه مما يظن.
تماسك، وقال في نفسه:
"الرزق على الله…"
سأله بهدوء:
— لماذا؟
فجاءه الرد جارحًا:
— لا أريدك… أنت تذكرني بفقري!
نظر إليه نظرةً حزينة، امتزج فيها العتب بالخذلان، لكنه لم يُخطئ، ولم يُجادل… بل خرج وهو يتمتم بألم:
يا حسفاه على من نسي فضلك…
وصار يعيّرك بأصلك…
وأنت ما زلت كريمًا، مصون الشرف والعِرض…
كثر المال في أيديهم، فنسوا كيف كانوا بالأمس…
وانطفأ فيهم نور الوفاء…
يا حسفاه على من لا يعرف قدرك…
مرت سنة…
والرجل يجاهد في سبيل لقمة العيش، حتى رزقه الله بعملٍ في مصنع، براتبٍ أفضل وحالٍ أيسر.
وفي يوم، قال في نفسه:
"سأمرّ على صاحبي… لعلّه بخير."
ذهب إليه، وسلّم عليه، وسأله عن حاله…
فأجابه بصوتٍ منكسر:
— الحمد لله… لكن منذ أن خرجت من عندي، وأنا من خسارةٍ إلى خسارة…
ابتسم الرجل وقال برفق:
"اتركها على الله… وصفِّ النيّة، تنم في البرّية."
ثم ودّعه، وفي قلبه نيّة صادقة أن يساعده، دون أن يذكّره بشيء.
ومضى وهو يقول:
ابحث عن الخير في وجوه الطيبين…
ولا تتكبر إلا بالعمل الصالح…
فالمال قد يحمله الجاهلون،
لكن القيم لا يحملها إلا النبلاء…
ألا ترى أن القمامة وحدها ترتفع؟
وهي للسيئين…
فاشكر الله دائمًا، وقل:
الحمد لله رب العالمين.
*****
وفي.النهاية عظة وموعظة اقول؛
وما ضاعَ خيرٌ في الحياةِ وإنْ خَفَا
فربُّ السما يُخفي الجميلَ ليُظهِرا
ومن خانَ عهدَ الودِّ خابتْ ظنونُهُ
ومن صانَ قلبَ الناسِ عاشَ مُوقَّرا
فلا المالُ يبقى، لا الجاهُ يُرتجى
ويبقى من الإنسانِ ما كانَ أزهرا
✍️ بقلم: الشاعرة د. عطاف الخوالدة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق