قصة قصيرة: بردوع النُّخَّال
تقول الأسطورة والرِّواية، أن جحشا فقيرا بلا رعاية، يفتقد إلى الاهتمام والعناية، يعيش البُؤس والحرمان والتَّشَرُّد، وهو دائما وحيد منفرد، لا سند له ولا عضد، بغيضٌ مكروه من كل أحد، يملأ قلبه الغيظ والحقد والحسد، لا صديق له ولا رفيق، غبي بليد صفيق، جاهل قد ضل الطريق، لا يُحسن إلا الرَّكض والنهيق، ولأنه مُشرَّدٌ ليس له جماعة أو فريق، فلا زريبة يلجأ إليها للاحتماء من الكواسر والضَّوَارِي، ولا اسطبل لجسده من الحَـرِّ والقَـرِّ يُواري، فهو يتسكع ويَهيمُ في الأدغال والبراري، ويأكل ويشرب من المستنقعات والمجاري، وفيها يُصارع ويُباري، بحثا عَمَّا يَسُدُّ الجوع، ويُبقي الروح بين الضُّلوع، وفي الليل عند السُّكون والهُجوع، فإنه يسري إلى أرزاق غيره من الثمار والزُّروع، ويملأ بطنه المغارة البَلُوع، دون الخشية من انكشافه والوقوع، ولا يهتم للحرام والممنوع.
وفي أحد الأيام، التقى بكلب أجرب قمَّام، وقال له يا جحش الحمير، ألا تعرف أنك أخي الصغير، وأنني أخوك سَيِّدُ القُمامة الشَّهير، ويُلقبونني أيضا بالمُهَرِّج المحترم القدير، فأنا في التَّهريج والنُّباح والعُواء المرير، لا يُضاهيني كلب ولا ذئب مفترس شِـرِّيـر، ولا أيّ حيوان صاحب صوت جهير، فأنا مُمَيَّزٌ لا نَـدَّ لي ولا نظير، لقد بحثتُ عنك في كل مكان، وسألت عنك كل طير وحيوان، فلا أحد دَلَّني أو أرشدني إليك طول ذلك الزمان، ولنا أخ آخـر تَاهَ وضَاعَ في هذه الأحراش والأدغال، هو خنزير بَرِّيّ يَهْوَى التَّمَرُّغ في الطِّين والأوحال، ولأجل نبتة البَلبُوزَة التي يهيم فيها يعقد المُنى والآمال، وهي عنده منتهى الذوق والجَمَال، وأحلى من أجود التمور وأشهاها ومن كل الأعسال، ولا شيء أحسن منها عنده في أيِّ مجال، وفي البحث عنها حَرَثَ السُّهول والبراري والجبال، والحُروبُ لأجلها مع خنازير الوديان والهضاب والوهاد والتلال، كَـرٌّ وفَـرٌّ وسجال، ولئن يسلبه أحدهم واحدة منها فسيستشعر المهانة والإذلال، وفي الحين تبدأ المعركة وينطلق النِّزَال، ويدخل معه في حرب لسنين طوال، ولن يحدث التراجع ووقف القتال، إلا إذا أحدهما مات أو أعلن الهزيمة والاعتزال.
وأخشى ما أخشاه إن نفد نبات البلبوزة في هذه الأماكن وزال، أن يقصد الصحراء ويشد إليها الرحال، ويبحث فيها ويحرث الـرِّمَال، فهو عنيدٌ ولا يعترف بشيء اسمه المُحال، ولا يتراجع عن عزمه وفكره البليد الضَّال، ولو سُجن وقُيِّدَ بالأصفاد والأغلال، لقد أُصيب في عقله بالهذيان والخبال، وصار يعتقد أن القرود له أخوال، واصطفى لنفسه منهم أنذل الأنذال، الشمبنزي التافه الضال، أحقر الحُقراء وأجهل الجُهَّال، ويقول عنه إنه بطل الأبطال، الزعيم الخال، فهو أيضا أبحث عنه منذ سنين طوال، دون كلل ولا ملل في كل الظروف والأحوال.
فخاف الجحش منه في البداية وأصابه الرُّعب، وهمَّ بالفرار والهرب، ولكنه بعد ذلك سعد وسُرَّ واستأنس بحديث الكلب، لمَّا بشَّره ووعده بأنه في كنفه لن يلقى المشقة والتعب، وسيحظى بالرعاية والعناية التي تليق وتجب، ويُعَوِّضُهُ عما فاته من بهجة وسرور ولعب، وتَمَلَّكَتهُ الدَّهشَةُ والعجب، إذ كيف لجحش أن يكون أخوه أحد بني كلب، وأن يكون له أخ آخر تائه وضائع مُغيَّب، هو خنزير بري حقيقي دون شك ولا ريب.
إن جحش الحمير الحُثالة، عاشق التِّبن والنُّخَّالة، استغلَّ فقره وعوزه الكلبُ المُهَرِّج سَيِّدُ مَكَبِّ الزِّبالة، فتملَّكَه وجعله مطيته الحمَّالة، يُبردعه بأحلاس بالية مهلهلة تنام عليها الكلاب الجلّالة، ويُلجمه بالحبالة، ثم يركبه لكل أمر وحالة، ويقضي به مآربه في الرَّوِيَّة والعُجالة، فهو مطيته، يبردعه ويركبه، ومملوكا يقضي به مآربه، ويجود له بين الفينة والأخرى بما يسُرُّهُ ولا يُشبعُهُ، قليلٌ من التبن يحوزه لأجله، فيتكرم به عليه، وأحيانا بقليل من رديء النُّخَّالة، مما يحوزُه ويُبقيه له من الزِّبالة، بعد أن تُلقيه في المَكَبِّ الآلة، وهو راض بأن يكون مركوب الكلب المُهَرِّج سَيِّد القمامة، ولا يجد حرجا في أن يكون مُهانا بلا كرامة، ولا يستشعر في ذلك الحرج ولا النَّدامة، ولا يرعوي ولا يرتدع للنقد والتوبيخ والملامة، وأصبح الخزي والذلة والمهانة المستدامة، سمة له وشارة وعلامة، بعد أن استمرأ أكل فضلات الخَاصَّة والعامَّة.
إن الجحش بردوع الحُثالة، للنُّخَّالة آفة أكَّالة، لايشبع منها ولو التهم منها قدر الجبال، وإذا لم يجدها فإنه يطلبها من غيره بالاستجداء والسُّؤال، أو يسلكُ في تحصيلها طُرُق الإفك والضَّلال، لأجل ذلك لَـقَّـبُـوه بالجحش بردوع النُّخّال، الذي لا فرق عنده بين الحرام والحلال، لا يُحِبُّ كسب رزقه وقُوتِهِ بكدِّ أطرافه وعَـرَقِ الجبين، إنما ينتظر من يُلقي إليه باللُّقمة أمامه وهو صَاغِـرٌ مَهين، لا ماء في وجهه قد غادره الحياء أبد الآبدين، يعيش على فضلات أسياده المُتَفَضِّلين، أو مما يجود به الخيِّرون من الكُـرَمَاءِ المُحسنين، ولولا ذلك لهلك منذ زمن وكان من الغابرين، ودائما يتظاهر بالنُّبل والأخلاق واللِّين، استدرارا للعطف والشفقة من المخلوقين، وهو نَـذل وجبان وغير صادق ولا أمين، حسود لكل الخلق في ضلال مُبين، لا يَتَوَرَّعُ عن الحرام ولا يهتدي ولا يستبين.
وصار مُولَعًا بالنَّهيق والسِّبَاب والبذاءة في كل الأيام، على أسد الشَّرَى والأكام والأجام، تبعا لتحريض أخيه ملك القذارة القمَّام، وكلاهما أصبح في حرب مُستعرة مع ملك الغابة الهُمَام، ولم تَمضِ إلا أيَّامٌ قليلة، حتى اجتمع الأخوان ذات ليلة مقمرة جميلة، بأخيهما التَّائِهِ منذ مُدَّة طويلة، وبانضمام ثالثهم وجه بُـومة الظلام، والذي على وجهه في البراري ضَلَّ وتَاهَ وهَام، اكتملت الدَّائرة بالتَّمام، وانعدم الأمن وغاب السَّلام، وستستمر الحرب إلى شهور وأعوام، بل دون نهاية تُرَام، ودائما إلى الأمام.
وشَكَّلَ الثلاثة محور الشَّرّ المستطير، وأصبحوا الخطر الكبير، وأعلنوا التعبئة في صفوفهم والنَّفِير، وعقدوا العزم على إلحاق الأذى والتَّدمير، بكل الخلائق دون سابق إنذار أو تحذير، والكيد لهم جميعا دون تمييز أو تخيير، والصغير منهم قبل الكبير، فأصبحوا لعنة من لعنات الزمان، بعد أن تَرَبَّعُوا على عـرش الشيطان، وامتلأت قلوبهم بالغُرُور والسَّفاهة والطُّغيان، واستشرى شَرُّهُمْ في كل مكان، دَيْدَنُهُم الباطل والفُجور والبُهتان، ملعونين على كل لسان، من طير وحشرات وحيتان، وإنسان وحيوان وجان..
بقلم: عبد الكريم علمي
الجمهورية الجزائرية
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق