مــواكــب الــشــهــداء
في تاريخ الصراع بين الأمم والشعوب منذ الأزل ، لا بُدَّ لهذه الشعوب المُستضعفة أن تبذُل الغالي والنفيس من التضحيات لكي تُحقِق النصر وتتخلص من ربقة الإستعمار والإحتلال رُغم ضعفها ، ولا يكون لها ذلك إلا بإيمانها بعدالة قضيتها وبوحدة كُل أطياف شعبها في وجه هذا الإستعمار، وفي تاريخنا العربي الذي تم إستعماره بعد سقوط الدولة العثمانية ، قدمت الشعوب العربية من أجل تحررها ملايين الشهداء فالجزائر قدمت ما يقارب مليون ونصف شهيد ، وكذلك ليبيا وجميع الدول العربية ، وكلها تحررت ولم يتبقَ منها إلا فلسطين لأنها ترزح تحت أحقر إحتلالٍ عرفه تاريخ البشرية، وهو الإحتلال الإسرائيلي الصهيوني الذي يختلفُ إختلافاً شاسعاً وكبيراً عن جميع أنواع الإحتلال والإستعمار، لأن الدول المستعمرة لها بُلدانها لترجع إليها حين تتحرر البلدان التي إستعمرتها مثل إستعمار بريطانيا وفرنسا وإيطاليا للبلدان العربية ، ولكن الإحتلال الإسرائيلي والذي كان صنيعة هذه الدول الأوربية الإستعمارية ، إحتلال أنشأتهُ الحركة الصهيونية ، ولا ينبثق من شعبٍ معروف له أصوله بل هم خليط من كل شعوب العالم ، وتركيبة المجتمع الإسرائيلي ما هي إلا صورة عن المجتمع الأمريكي الذين أنشؤوا دولتهم بإبادة شعب أمريكا الأصلي - الهنود الحمر والذين أنشأوا أمريكا هم والأوروبيون بارتكابهم أبشع جرائم القتل والمذابح ضدهم وأبادوا شعباً بأكمله ، وكذلك هو حال دولة الإحتلال الإسرائيلي المولود المسخ لدول الإستعمار الأوروبية وأمريكا ، واحتلالهم لأرض فلسطين بأكملها وارتكابهم المجازر والتهجير ، وسرقة كل ما يتعلق بتاريخ هذا الشعب ، حتى تراث الشعب الفلسطيني سرقوه ونسبوه إليهم ، فما يقومون به هو محاولةٌ لإزالة الهوية الفلسطينية وإبادة الشعب الفلسطيني ، وهاهم يرتكبون المجازر الآن في غزة بإبادة جماعية حيثُ وصل عدد الشهداء فيها ثلاثون ألف شهيدٍ عدا عمن لا يزالون تحت الأنقاض ، والجرحى وصل عددهم ما يقارب سبعين ألف جريح ، فصراعنا معهم صراع وجود لا صراع حدود، ولكنهم لا يعرفون أنهم يتعاملون مع شعب صعب المراس ، شعبٌ جبار لا يكل ولا يلين ، متوكلين في جهادهم وتضحيتهم على الله عزَّ وجلْ ، وعليهم أن يعرفوا أن الفلسطينيين ليسوا بالهنود الحُمر ، فمهما قتلوا أو دمروا فلن يصلوا إلى مُبتغاهم ، وأن الشعب الفلسطيني هو صاحب الحق ومقاومته نابعةً من إيمانه بالله وبعدالة قضيته ، وهؤلاء الشهداء الذين يرتقون إلى جِنان الخُلد يُعبِّدون بدمائهم طريق التحرير والنصر من أجل فلسطين والأقصى الشريف معراج رسول الله صلى الله عليهم وسلم ، وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين .
لقد مرَّ على فلسطين ما يزيد عن مائة سنة والشعب الفلسطيني في مُجابهة هذا الإحتلال البغيض، وقدموا آلاف الشهداء ، فمنذ الإستعمار البريطاني عام ١٩٢٢م وحتى الآن والشعب الفلسطيني يتعرض للنكبات والمجازر، ولا يوجد في تاريخ الشعوب - شعْبٌ قدم قادته أرواحهم فداءاً لوطنهم وعدالة قضيتهم كالشعب الفلسطيني ، وعند انسحاب بريطانيا عام ١٩٤٧م من فلسطين واحتلال إسرائيل لفلسطين عام ١٩٤٨م، إرتكبت العصابات الصهيونية المجازر ضد أبناء المدن والقرى الفلسطينية التي دخلتها ، وقد استخدم العدو الصهيوني كل طرقه الخسيسة في إستهداف القادة الفلسطينيين ، وكان آخرهم القائد الشهيد صالح العاروري ورفاقه بعملية إغتيال جبانة ، وهم يعتقدون بما يقومون به من إستهداف للقادة بأنه سيكون له تأثير على المقاومة ومعنوياتها ، ولا يعرفون أن كل مقاومٍ هو قائد ، والشعب الفلسطيني هو صانع المستحيل ، ويجب علينا في هذا المقال أن نستعرض بعض أسماء القادة الشهداء الفلسطينيين منذ بداية الإحتلال لفلسطين في عام ١٩٢٢م وحتى تاريخنا الحاضر
أولاً : الشهداء محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي : تم إعدامهم من الإنتداب البريطاني في ١٧ حزيران عام ١٩٣٠م بعد اتهامهم بقتل يهود خلال ثورة البُراق عام ١٩٢٩م
ثانياً : الشيخ الشهيد فرحان السعدي : هو من قادة ثورة البُراق عام ١٩٢٩م ، وكان نائباً للشيخ عزالدين القسام ، قاد النضال بعد إستشهاد عزالدين القسام ، وقام بعملية بطولية ضد العصابات الصهيونية في نيسان عام ١٩٣٦م ، وكانت هي البداية لإنطلاقة الثورة الفلسطينية الكبرى، وفي التاسع من أيلول عام ١٩٣٧م إغتال الجنرال البريطاني لويس أن روز ، فطاردته السلطات البريطانية وعلمت بوجوده في قرية المزار بوشاية من أحد العملاء ، فحاصرت القوات البريطانية القرية وهددت بإحراقها وإبادة سكانها ، فسلَّمَ نفسه إنقاذاً لسكان القرية في ٢٢ تشرين ثاني عام ١٩٣٧م ، وتم إعدامه في ٢٥ تشرين ثاني عام ١٩٣٧م وكان عمره قد قارب الثمانين عاماً ، وقال مبتسماً وهو يتقدم بشموخ رافعاً رأسه لحظة إعدامه : مرحباً بلقاء الله - اللهم اجعل شهادتي فرحاً لأُمتي .
ثالثاً : الشهيد عبدالرحيم الحاج محمد ( أبو كمال) : هو القائد العام للثورة الفلسطينية الكبرى التي إندلعت في نيسان عام ١٩٣٦م واستمرت حتى آب عام ١٩٣٧م واستشهد في ٢٧ آذار عام ١٩٣٩م بمعركة غير متكافئة مع قوة بريطانية كبرى في قرية صانور قضاء جنين ، وقامت السلطات البريطانية بدفنه سراً في القرية وقام الجنود البريطانيين بأداء التحية العسكرية له ، وهو مُسجىً على الأرض شهيداً قبل دفنه ، وبعد فترة إسترجع الثوار جثمانه ونقلوه إلى مسقط رأسه في طولكرم ودفنوه هناك .
رابعاً : الشهيد عبدالقادر كاظم موسى الحسيني : قائد فلسطيني إستُشهد في الثامن من نيسان عام ١٩٤٨م في قرية القسطل القريبة من القدس بعد أن قاد معركة ضد العصابات الصهيونية لمدة ثمانية أيام ، وقد سبق المعركة إن ذهب إلى دمشق في أواخر آذار عام ١٩٤٨م لطلب السلاح من قادة اللجنة العسكرية لجامعة الدول العربية ولكنهم قابلوه بالخذلان بقولهم : أن قضية فلسطين أوكلت إلى لجنة عربية عسكرية عُليا وطالبوه بعدم الذهاب إلى القسطل، فقال رداً عليهم : ( إنني ذاهب إلى القسطل وسأقتحمها وسأحتلها ولو أدى ذلك إلى موتي ، والله لقد سئمت الحياة ، وأصبح الموت أحب إلى نفسي من هذه المعاملة التي تعاملنا بها الجامعة ، إنني أصبحت أتمنى الموت قبل أن أرى اليهود يحتلون فلسطين ، إن رجال الجامعة يخونون فلسطين) وعاود المحاولة مرة أخرى بالطلب منهم لمساعدته، ولكن بقيت القيادة العسكرية للجامعة العربية على إصرارها وموقفها الِمتخاذل ، فثارت ثائرته ، وقال : ( نحنُ إحق بالسلاح المخزن من المزابل، إن التاريخ سيتهمكم بإضاعة فلسطين ، وإنني سأموت في القسطل قبل أن أرى تقصيركم وتواطأكم) .
خامساً : الشهيد عبدالرحيم محمود كان شاعراً ومثقفاً ، وعُرِفت أسرته بالثقافة والعلم والفقه ، وقد إلتحق بصفوف الثورة الفلسطينية عام ١٩٣٦م ، وكان مسؤولاً عن الشؤون الإعلامية ، وكتابة البيانات في مقر قيادة القائد الشهيد عبدالرحيم الحاج محمد ، وقد إستُشهد في ١٣ آب عام ١٩٤٨م إثر مشاركته في معركة الشجرة ، ودُفِن في الناصرة حسب وصيته ، ولُقِب بالشاعر الشهيد بعد قصيدته الشهيرة التي مطلعها :
سأحملِ روحي على راحتي وأُلقي بها في مهاوي الردى
فإما حياةٌ تسُرُّ الصديق وإما مماتٌ يغيظُ العِدى
سادساً : الشهيد القائد خليل محمود إبراهيم الوزير ( أبو جهاد) : هو القائد العام للثورة الفلسطينية وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح ، ومهندس الإنتفاضة ، تم إغتياله في شهر نيسان عام ١٩٨٨م في تونس بعملية إغتيال حقيرة كلفت الصهاينة ملايين الدولارات من معدات وأدوات تجسس ، وقد شارك في هذه العملية أربعة آلاف جندي إسرائيلي .
سابعاً : الشهيد القائد صلاح مصباح خلف ( أبو أياد) : من المؤسسين الأوائل لحركة فتح وهو مسؤول عن الأمن المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية ، واستشهد بعملية إغتيال جبانة في تونس بتاريخ 14 كانون ثاني عام 1991م مع الشهيد هايل عبدالحميد ( أبو الهول) وفخري العمري ( أبو محمد )
ثامناً : الشهيد يحيى عبداللطيف عياش : قائد ومهندس متفجرات ومن أبرز قادة كتائب الشهيد عزالدين القسام ، وقد استشهد بتاريخ الخامس من أيار عام 1996م بعد أن تم زرع عبوة ناسفة في هاتفه النقال
تاسعاً : الشهيد القائد أبو علي مصطفى ( مصطفى علي الزبري ) هو الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، تم إغتياله في الإنتفاضة الفلسطينية بتاريخ 27 آب عام 2001م بقصف مكتبه في مدينة البيرة بصاروخ من الجو ، وقد قامت الجبهة الشعبية بالثأر له باغتيال وزير السياحة الصهيوني (رحبعام زئيفي ) بتاريخ 17 تشرين أول عام 2001م .
عاشرا : القائد الشهيد الشيخ أحمد إسماعيل ياسين : داعية، ومجاهد، من أعلام الدعوة الإسلامية في فلسطين ، ومؤسس ورئيس أكبر جامعة إسلامية فيها المجمع الإسلامي في غزة ، ومؤسس حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) تم إغتياله بتاريخ 22 آذار عام 2004م ، بينما كان عائداً من أداء صلاة الفجر بعملية إغتيال أشرف عليها رئيس الوزراء الإسرائيلي ( أرئيل شارون ) حيثُ قامت مروحيات الأباتشي الإسرائيلية التابعة للجيش الإسرائيلي بإطلاق ثلاثة صواريخ تجاه الشيخ أحمد ياسين المقعد وهو في طريقه إلى سيارته مدفوعاً على كرسيه المتحرك من قبل مساعديه ، فسقط ياسين شهيداً في لحظتها وجرح إثنان من أبنائه في العملية وقتل معه سبعة من مرافقيه ، وقد تناثرت أجزاء الكرسي المتحرك الذي كان ينتقل عليه ياسين في أرجاء مكان الهجوم الذي تلطخ بدمائه ودماء مُرافقيه خارج المسجد ، مما أدى أيضاً إلى تناثر جسده وتحويله إلى أشلاء وهنا ارتقت روحه إلى بارئها ومات كما كان يتمنى .
الحادي عشر : القائد الشهيد عبدالعزيز علي عبدالمجيد الحفيظ الرنتيسي : وهو طبيب وسياسي فلسطيني وأحد مؤسسي حركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) وقائد الحركة في قطاع غزة ، وقد استشهد بعملية إغتيال بواسطة طائرة أباتشي في 17 نيسان عام 2004م .
ثاني عشر : القائد الشهيد محمد عبدالرؤوف عرفات القدوة الحسيني ومعروف بإسم ياسر عرفات (أبو عمار) :
رمز لحركة النضال الفلسطيني من أجل الإستقلال ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية والقائد العام لحركة فتح ، تم إغتياله بالسُم بعد حصاره في مقر السلطة ( المقاطعة ) في رام الله ، واستشهد بتاريخ 11 تشرين ثاني عام 2004م .
ثالث عشر : القائد الشهيد صالح محمد سلمان سليمان العاروري : قيادي سياسي وعسكري فلسطيني ، وهو نائب سابق لرئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية ( حماس ) ، وهو المؤسس للجناح العسكري لحماس في الضفة الغربية ، والرأس المدبر لتسليح كتائب القسام ، وقد استشهد في عملية إغتيال جبانة بطائرة مسيرة إستهدفت مكتب الحركة في بيروت في الضاحية الجنوبية بتاريخ 2 تشرين ثاني عام 2024م .
وختاماً أقول أن كل قطرة دمٍ من شهيد تروي أرض الوطن فهي تسقي نخيله وزيتونه ليرتفع شامخاً ، وكل روح شهيد كسرت قيود الطواغيت ، وكل يتيم غسل بدموعه جسد أبيه الموسوم بالدماء ، وكل قطرة دمٍ تسيل لتغسل عار الصمت والتخاذل والخنوع لإخوة الدم والعروبة والدين .
لا توجد كلمات تصف هؤلاء الشهداء ومن أي سبيكةٍ صُبغت نفوسهم التي تسمو على الحياة ، وأي روحٍ قُدسية تملكتهم في تلك اللحظات ، وكيف استطاعوا أن يثبتوا ويهزموا الرعب من الموت والخوف من الرصاص المنهمر ، فقط كل ذلك لأنهم متعلقون بالواحد الأحد الله عزَّ وجل ، لأنهم أحبابه ، والملائكة حول العرش ينتظرون وصولهم لإستقبالهم ليدخلوهم إلى جنة الخُلد ، فهم مخلدون في الفردوس الأعلى ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أن أرواح المؤمنين طائرُ يَسيحُ في الجنة ، وأرواح الشهداء في أجوافِ طيرٍ خُضرٍ تسرحُ في الجنة حيثُ شاءت ثم تأوي إلى قناديلَ مُعلقةٍ تحت العرش ) فلا يوجد أي تعبيرٍ يمكن أن يصف من جعل عظامهُ جسراً ليمر عليه الآخرون إلى الحرية ، ودماء هؤلاء الشهداء شمسٌ تشرق لتزيل ظلام الطغيان والإضطهاد ، وبوابة العبور للتحرير بإذن الله ،
إن قوافل الشهداء والدماء النازفة لن تتوقف ، فما نراه من مجازر وحملات إبادة لشعبنا في غزة من السابع من تشرين أول عام 2023م وفي الضفة أيضاً ، ستكون بركاناً يتفجر في وجه الصهاينة وليزيلهم عن أرضنا ، وستكون هذه الدماء صفعةً في وجه المتواطئين والمتخاذلين والمطبعين الذين يحلمون بسلام الإستسلام ، وستبقى مواكب الشهداء تترى وشلالات الدم لن تتوقف حتى زوال الإحتلال وكنسهِ عن أرضنا ، وتحضرني قصيدة الشاعر صبحي ياسين ( تكلم لا تكن أبكم ) وأستعرضُ بعض أبياتها :
هناك مواكبُ الشهداءِ تحت الأرضِ تَرْتجفُ
تُقاضيهمْ… تُذكّرُهمْ
بِمَنْ ضَحّوا… بمن نَزَفوا
هناكَ القدسُ قد قَصّتْ ضَفائِرَها
لِتَجْلِدَ كلَّ مَنْ جرحوكَ يا شَرَفُ
فيا شَلاّلَنا الأَحمرْ
تَدَفّقْ في روابينا
ويا زيتونَنا الأَخْضَرْ
تَمايَلْ في مَغانينا
وأَسْمِعْ كلَّ من يَسْمعْ
تَكلّمْ قبل أن تُصْفَعُ
وأَخْبِرْهُم:-
بأنّ القدسَ لن ترجعْ
بغيرِ مواكبِ الشهداءِ والرشاشِ والمدفعْ
صخر محمد حسين العزة
عمان – الأردن
















ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق