الأحد، 9 أغسطس 2020

" أبواب و حكايا " بقلم الكاتب أحمد المثاني



أبواب و حكايا

منذ أن استقر الإنسان ، و بنى بيته ، وضع اهتمامه بالباب الذي يغلق عليه ليشعر بالأمان من العالم خارج ذلك الباب ..
و ليكون الباب فاصلا بين الحياة في الخارج و صخبها و الآخرين و حياته داخل بيته و خصوصيته .. فكان الباب
مدخلا و مخرجا من عالم إلى عالم ..و رغم ما يؤديه الباب من وظيفية .. تتمثل بالحماية و توفير الأمن… إلا أن الإنسان جعل من شكل الباب .. حجمه و نقوشه .. و تصميمه .. و ماده صنعه - جعله بوظيفة جمالية ..فالباب يعبر عن ذوق صاحبه
و قد جعل فيه النقوش و الرسوم ..و الألوان ..

في زمن مضى ، كانت أبواب الدور لدى المزارعين ، مثلا ، تمتاز بعلوها و كبر حجمها .. كي يستطيع الجمل من ولوجها
و للناس بوابة صغيرة من ذلك الباب الكبير ، يسمونها بالدارجة " خوّيخَة " ..
كانت أبواب الدور بسيطة بساطة عيشهم ، و غالبا مصنوعة من عوارض خشبية ، يتم تثبيتها و هناك الخشبة التي تثبت
الباب أو البوّابة ..و يرتكز طرفاها في حفرة في الحجر ..
علوية و سفليّة .. و لم تعرف تلك الأبواب الأقفال الصغيرة
فكانت بمفاتيح كبيرة أو يتم إغلاقها بخشبة من الداخل ..

كان لتلك الأبواب حميمية من الشوق ..و هي تُفتح لاستقبال الزائرين .. و تُفتح على شمس النهار .. و يترك
الفلاحون طاقة فوقها… تعبر منها طيور السنونو التي كانت
تستوطن البيوت .. تبني أعشاشها من الطين على جذوع
الأشجار في الأسقف .. كانت تلك الطيور الجميلة .. تبشر
بموسم الحصاد ..
مازلت أذكر بوابة بيت جدي في الصريح ..و مازال صرير
الباب يطرق أذني… اذ كانت الأبواب تصدر صوتا كما
الأنين أو الحنين . . يا لله كم كانت تلك البيوت الطينية
و تلك الأبواب تعيش مع ساكنيها… لأنها كانت تنعم بالأمن
فلا سارق أو مارق ..و إنما جيرة بين البيوت ..و ذمم
مرعية ..و قلما كان هناك أجراس على تلك الأبواب ..و إذا
ما قّدِم ضيف أو زائر .. طرق الباب بيده .. و نادى بصوته
أبو محمد… أبو علي… هكذا كانت تلك الأبواب او البوابات
رفيقة .. سهلة المدخل للزائر ..فليس من أرقام شقق و لا
من كاميرات مراقبة ..فالثقة يتبادلها الجميع ..

كانت تلك الأبواب و تلك العتبات .. تحمل أثر أهلها و
سكّانها ..فترتسم عليها آثار الأيدي المعطاءة .. و آثار
الأقدام ..على عتبات .. مسكوب عليها عطر محبة…

.. بعد موجة التحديث التي نقلتنا من الأرض و الطين
و الزراعة .. و الطبيعة آلى غابات الإسمنت و علب الصفيح و الشقق .. في المدن التي يضيق الأفق فيها .. و تتوارى نجوم الليل و القمر عنها . . اختفت تلك الأبواب التي بكت ساكنيها
من الآباء و الأجداد ..و صارت أصواتها صدى يتردد في
أعماق الروح… و صارت أبوابنا عزلة لنا .. و إن تجاورت
في مباني أو شقق ..
و خلف كل باب حكايا ..


أحمد المثاني









ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق