الثلاثاء، 11 أغسطس 2020

قصة قصيرة بعنوان ** أحلام مؤجلة ** للكاتبة فنن الزيتون


قصة قصيــــــرة
** أحلام مؤجلة **
يحكى أن أحد الميسورين كان قد تعثر في طريقه بأحد الصبية المتسولين؛ في بادئ الأمر, غض طرفه عنه, و مشى, لكنه ما لبث طويلا حتى عاد, و توقف أمامه, رمقه بنظرة استهجان, أرفقها بابتسامة لم تملأ فمه, و الصبي يرقب حركاته, حينما اقترب الرجل منه, مال خالد بوجهه عنه خجلا من حاله, وارتأى أن ينأى بعيدا, لكن الرجل تلقف يده, و وضعها في يده, و ربت بالأخرى عليها:
- لا تخف, لا تخف, ألا تود أن ترافقني الى حيث أسكن؟.
كالسهم مرّ على أحلامه التي لاذت بأضرحة الرصيف لسنين فأيقظها؛ ربما أفلت البعض منها, و حلّق بأجنحة ماسية الى حيث النجوم؛ كان ذلك الطلب.
رفع خالد رأسه, و حدّق بعمق في عيون ذلك الرجل, كي يقرأ ما يدور في خلده, فلربما استطاع أن يميّز من بين تلك السطور إحدى استفساراته.
وقته الذي أمضاه و هو صامت, كان يُخيّر نفسه في أن يمضي مع ذلك الانفراج الخاطف, أو ربما نصيب آخر أفضل منه ينتظره...
ألحّ عليه الرجل كثيرا
- ان لم يرق لك الأمر, فلك الخيار.
أمنياته التي صارت كخيوط من الدخان, أمسك بإحداها؛ استرخت يد خالد بعد أن كان قد شدّها بقوة, فعلم الرجل أن الموافقة قد حصلت.
سارا سويا, و بدأت بذرة الزهو, و الفرح تُفرع في قلبه الصغير, أدخله الدار و كأنه ضيف عزيز؛ طلب من الجميع أن يحتفوا به, و يُلبسوه من الملابس أحسنها, و من الطعام و الشراب ألذّه, مقابل أن يعمل هذا الصبي سائسا لخيوله؛ تهلل وجه خالد فرحا, و طار قلبه, و كاد أن يخرج من صدره, لكنه تذكّر حاله قبل ساعة, و ما هو عليه الآن, فاغرورقت عيناه بالدّموع, الا أن أحدا لم ينتبه, أدار الرجل وجهه الى جهة النافذة و قال:
- كل هذا بشرط!
- ما هو يا سيدي؟
همهم باستهزاء
- إنه شرط بسيط
- و هو؟
- أن تُبقي ثوبك البالي لصيقا بجلدك ترتديه تحت ملابسك الفاخرة تلك...
وأشار بسبابته الى قميص معلّق في زاوية من زوايا الغرفة.
لجوعه و تعطشه للمحبة, و الحنان؛ وافق على الفور.
مرّت الأيام و الرجل يُغدق محبته و اهتمامه بالصبي, إذ كان الأخير يُحسن الامتثال للأوامر, الا في بعض الهفوات بين الحين, و الآخر و التي كانت تستلزم العقوبة, و كان حظه منها هو أن يخلع جميع ملابسه و يُبقي فقط ثوبه البالي, و يمر أمام نظر الجميع ,و بضمنهم سيده طوال نهار كامل.
هذا الشرط كان يُنغص على خالد معيشته, و يُؤرق باله لليالٍ.
حدث ذات مرة أنّ الصبي لم يُحكم اغلاق باب الأسطبل جيدا؛ مما حدا بالخيل للخروج الى فضاء المزرعة, و لم يتمكن الجميع من السيطرة على هذا الوضع الا بعد جهد جهيد, و لكن أحد الخيول ظل شاردا, و لم يُعرف له مكانا.
حلّ المساء؛ و السيد لا يزال خارج المنزل, و ما إن وصل حتى لمح خالدا, و هو جالس في فناء الدار, و كان قد ارتدى ثوبه البالي, فعلم الرجل انّ خطأ ما قد حصل؛ لم يُكلمه, تركه, و مشى, و عندما أخبره أحد الخدم بالأمر, استشاط غضبا, لكنه أمسك بزمام نفسه حينما نظر الى جهة الباحة, فوجد الصبي لا يزال على حاله, كان خالد يُحدث نفسه قائلا:
- هذا الخطأ ربما أعاقب عليه؛ ليس بخلع ملابسي, أظن أن جلدي سوف ينسلخ, لكنني سأبقى بملابسي تلك الى اليوم التالي, ربما تخفف العقوبة.
و قرر أن يتقدم الى سيده, و يطلب العفو منه؛ فاعترض طريق عودته, و قبل أن يفتح فاه.. صاح به الرجل:
- هيا اخرج, اخرج..
شعر خالد بطمأنينة, و أحاسيس عادت اليه بعد أن غابت عنه خلال المدة التي قضاها تحت رعاية ذلك الرجل, صاح:
- الحمد لله
أسرع في الهرب, و كأن الأسد في أثره؛ قدر استطاعته, حاول الابتعاد عن المكان, و لم يلتفت الى شيء ربما يكون قد نسيه في خضم عجالته, أخذت مشيته تتباطأ, و الذعر أخذ بالانسلاخ عن قلبه, استقرت أنفاسه حينما أحس أنها ألفت الثرى الذي تحتها, انتبه الى نفسه:
- هذا هو الدرب, أنا أعرفه, و هو محل اقامتي, تفقّد حاله؛ ملابسه هي هي كما عهدها, تحسس بطنه لا تزال مخمصة, رفع طرفه نحو السماء, و رمقها بنظرة, أطال التأمل فيها؛ حمد الله كثيرا على أنه لم يستوحش طريق عودته الى حيث كان... الا أنه استغرب من أحلامه و هي تحاول أن تصطف ثانية قرب النجوم.
فنن الزيتون
20/5/2017


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق