الأربعاء، 15 أبريل 2026

مجلة وجدانيات الادبية (( حنان قدامة))(( مشاعر للبيع))

 مشاعر للبيع . 

لطالما كان الحديثُ عن المشاعر موضوعا شائقا ، لكن عندما يفرضُ علينا التّوحّشُ الرّأسمالي المَعيش الحديثَ عن بيع المشاعر وتسليعها يصبح الموضوع شائكا ذا شجون نفسية واجتماعية ، بالنّظر إلى أهمّية المشاعر التّي تعتبر من أهمّ العناصر المُكوّنة للشّخصية الإنسانية والمُحفّزة على السّؤال ،الإبداع واتّخاذ القرار.         

من جُملة القررات المُهمّة التي تُحرّكها المشاعر قرار الدّفاع عن النّفس والمحافظة على الحياة، فلولا  شعور"إنسان الكهف " بالخوف من الخطر وهو من أقدم الانفعالات لربّما انقرض الجنس البشري .            

تطوّرت المشاعرُ عبر الزّمن وتطوّرت طرق التّعبير عنها ،لتصبح في العصر الحالي مُقدّسة   حسب تعبير الفيلسوف "ميشيل لكروا "في كتابه القيّم "عبادة المشاعر" ،فلا يمرُّ حدث ما كيفما كان نوعُه ومجاله دون استغلاله في تهييجها وتوظيفها ،لم يعد السياسيون   مثلا ينظرون إلى المشاعر باعتبارها عناصر هامشية بل عناصر أساسية في عملية الاستقطاب العاطفي للمُنتخِبين المُصوّتين ،فأصبح التّعاطفُ شعارا لتعبئة الجماهير والغضبُ وسيلة لتجنيدها والتخويفُ أداة للسيطرة  عليها ،مثل السّياسيين  استوعب أصحابُ الشّركات  الرأسمالية الكبرى  دور العواطف في تحقيق الأرباح ،فانطلقوا في تسليعِها ، طبعِها بطابع النّفعية المادّية وتحويلِها من أمور معنوية شعورية إلى سلع وبضائع تُباع وتُشترى  في سوق واقعي ورقمي خاضع لثقافة استهلاكية جارفة .  وفي هذا الإطار استغلَّ ويستغِلُّ الاقتصادُ العاطفي المُعاصر العديد من المُناسبات المُرتبطة بالمشاعر ويقرنُها بالاستهلاك مثل الاحتفال بعيدي الأمّ و الحبّ  حيث تقع مشاعرُ الكثير من الناس   في رحى الاستهلاك والاقتراض، وحيث تجني الشّركات مبيعات وأرباح  خيالية رغم أنّ سلعة المحبّة التي تُقدّمها ـــ والتي أحيانا ما يُحرّكُها منطق مُسايرة العُرف  وليس الشّعور ـــ  هي سلعة مُعلبّة وليست طازجة مثلها مثل  زهرة "الكركديه "التي تتفتّح في يوم واحد ثم تذبل في اليوم التّالي                                               .              .                                                                              

                       

لقد أضحى الاقتصاد ُالعاطفي يصدمُنا اليوم بظواهر  غريبة غزَت حتى بعض المُجتمعات الشّرقية المعروفة ــ نسبيا ـ بتماسكها الأسري ،فانتشرت في اليابان والصّين خدمة تأجير آباء ،أقارب وأصدقاء يبيعون الإنسان الواقع تحت وطأة الوحدة والنّبذ الاجتماعي  حميميات باردة وعلاقات شُعورية فاترة لها وقت مُعيّن بتراحُم مُفتعل وأجر مُحدّد باتّفاق مُشترط                .   .                                                                                                

 

في المغرب تبدوا الصُّورة مُقلقة ،فلم يعد واقعُه الحقيقي والرّقمي خصوصا بمنأى عن ظاهرة بيع المشاعر وسرقتها ،فقد وقعا معا في شَرك الرّأسمالية العاطفية التّي حوّلت العواطف الإنسانية إلى أداة جذب المشاهدين من خلال تقديم محتوى عاطفي أو اجتماعي صادم ،خادش للقيم الاجتماعية  ومُتلاعب بمشاعر النّاس ،كلُّ همّه تحقيق الرّبح المادّي في زمن الخوارزميات التّي جعلت البعض يعرفُ قيمة نفسه بعدد مُتابعيه.            

 بدأنا نسمعُ اليوم في مواقع التّواصل الاجتماعي  أمّا تسلّعُ سلوكات و مشاعر ابنها القاصر غير السّوية ، بدأنا نرى أزواجا وأقارب ينشرون غسيلهم المُقرف والصّادم  أمام الملأ ،والمُؤلم أنّه في بعض الأحيان يكون المُحتوى مُختلَقا تتسكّعُ حقيقتُه وراء كذب مُفترى، يتمُّ فيه تهييجُ المشاعر وامتصاص  الانفعالات الإنسانية مثل الإسفنج من أجل كسب مادّي سريع تلهث خلفه أحلام ُالكثير من صنّاع المحتو ى  .      


                            .                                               .

إنّ ظاهرة َبيع المشاعر وتسليعها هي انعكاس للفراغ الدّاخلي القاتل المعيش في زمن اللا ّمعنى حيث  تتغوّلُ رأسمالية عاطفية مُفرطة  تد فع الإنسان إلى التّنازُل عن أصدق ما لديه ، التّنازُل عن مشاعره وتشويه هُوّيته العاطفية ، فقد يشتري أحيانا مشاعر خادعة  تُهديه سعادة مُزيّفة  وقد يبيع أحيانا مشاعر كاذبة تُحوّلُه ــ إن جاز التّعبيرــ  إلى "زومبي " اجتماعي مُجرّد من الوعي الذاتي .


حنان قدامة في 15/04/2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق