الخميس، 17 أكتوبر 2024

مجلة وجدانيات الادابية (( الشاعر احمد المثاني ))(( الكتابة من غير أقلام ))

 الكتابة .. من غير أقلام !؟


   .. لعل من المعلوم أن الإنسان ، نطق اللغة مشافهة قبل أن يخترع لها الرموز .. و الحروف . الكتابة كانت و ماتزال سجلاً

لتاريخ الإنسان و حضارته .. و قديماً ، رسم الانسان و كتب على جدران الكهوف .. تخليدا و حفظاً لأفكاره و معتقداته

و قد كتب على الصخر و الطين و جلود الحيوان .. كتب بأظفاره و بالمسمار و الإزميل .. و عندما استقر و اكتملت لديه الأبجديات .. جاء اختراع ألة الطباعة على يد " جوتنبرغ

ليجعل من الكتابة أكثر انتشارا ، و تطورت المطابع في العهود اللاحقة لما وصلت آليه في زماننا .. بازدهار و مواكبة صناعة الورق ..

.. في زمن مضى كان للأقلام جمالها و سحرها .. فبدأنا نختط الحروف بأقلام الرصاص .. التي رافقت سني دراستنا الأولى ، و كان لنا فرصة أن نمحو و أن نغيّر ما كتبناه .. مستدركين

أخطاءنا .. و كنا " نبري" تلك الأقلام كلما أجهدها  النسخ ،

و كلما أجهدتنا هي الأخرى بتصاغرها .. و تقزمها ..

حتى إذا ما اشتد عودنا .. و استقامت أيدينا و أصابعنا في

الصفوف الأعلى ، سُمِحَ لنا أن نكتب بأقلام الحبر .. ظنّاً أن

أخطاءنا قد قلّت .. و حان أن نستغني عن الممحاة ..


      كنا في الصفوف الدراسية الأولى نقوم بنسخ الدرس

عدة مرات .. تمرينا تعبوياً لنا .. لأصابعنا و تجويداً لرسم الحروف .. كنا حينها مثل صغار العصافير تمرّن أجنحتها لتتقن التحليق ..و للأسف ، جعل بعض المعلمين من الكتابة

أو نسخ الدرس عقوبة لنا ، بنسخ النص عدة مرات .. و الويل

لمن يقصّر !

  كان في مقرّر الدراسة كراسة لتعليم الخط العربي .. و كان

التلاميذ يتسابقون مَن خطّه الأجمل .. و كنا نكيّف سن القلم

ليكتب بخط جميل ..خطّ الرقعة أو خطّ النّسخ ..

للأسف .. ما عاد طلابنا ،، و ربما معلمونا يتقنون الخط ، و ما عادوا يهتمون به .. رغم قيمه الجمالية .. التي تجعل منه فنّاً 

مثل سائر الفنون التشكيليّة ..

أنظر اليوم إلى كتابة الطلبة ، فأجدها ،، خربشات…  ليس فيها

الصحة و لا الجمال ..و آسف أن أستشهد بكتابة " روشتات "

الدواء التي يكتبها الأطباء . و لا يفكّ رموزها إلا خبراء الصيدلة !

اليوم ،، و بعد أن غابت الأقلام .. و يكاد يغيب الورق ،، و مع وسائل الكتابة الحديثة .. بهذه المفاتيح التي تحمل الحروف

في الكمبيوتر و الهواتف .. فقد أصبحت الكتابة " تنقيراً "

بالإصبع ..فغاب جمال الخط اليدوي .. و صارت الرسالة

 عملاً فاقداً للروح و الجمال .. فأين هذه الرسائل مما كنا

نكتبه .. فحتى رائحة الحبر و رائحة الورق…  تشعرك

بعمق المعنى .. و مدى المحبة التي تحملها تلك الرسائل .


 .. أكتب إليكم ، و أشعر أن إصبعي يختطف بعض الحروف

المجاورة للحرف الذي أريد… فأقول إمّا أن إصبعي قد هرم !!

و بدأ يتنقل متعتّراً بين الحروف المتجاورة .. و أحياناً ، يحدث أن تخرج كلمة في غير موقعها .. فيها من الحرج

ما فيها ..!! فرحم الله أياماً ، كنّا نكتب بالأقلام و الورق

و كان لقلم الحبر .. الباركر ..و المذهّب .. هيبته

و كان للرسائل دفاتر موشاة بالألوان و رسم القلوب و الفراشات ..و كان للرسالة عطر… يحتضنها .. مغلّف

جميل .. 


                              احمد المثاني





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق