الكتابة .. من غير أقلام !؟
.. لعل من المعلوم أن الإنسان ، نطق اللغة مشافهة قبل أن يخترع لها الرموز .. و الحروف . الكتابة كانت و ماتزال سجلاً
لتاريخ الإنسان و حضارته .. و قديماً ، رسم الانسان و كتب على جدران الكهوف .. تخليدا و حفظاً لأفكاره و معتقداته
و قد كتب على الصخر و الطين و جلود الحيوان .. كتب بأظفاره و بالمسمار و الإزميل .. و عندما استقر و اكتملت لديه الأبجديات .. جاء اختراع ألة الطباعة على يد " جوتنبرغ
ليجعل من الكتابة أكثر انتشارا ، و تطورت المطابع في العهود اللاحقة لما وصلت آليه في زماننا .. بازدهار و مواكبة صناعة الورق ..
.. في زمن مضى كان للأقلام جمالها و سحرها .. فبدأنا نختط الحروف بأقلام الرصاص .. التي رافقت سني دراستنا الأولى ، و كان لنا فرصة أن نمحو و أن نغيّر ما كتبناه .. مستدركين
أخطاءنا .. و كنا " نبري" تلك الأقلام كلما أجهدها النسخ ،
و كلما أجهدتنا هي الأخرى بتصاغرها .. و تقزمها ..
حتى إذا ما اشتد عودنا .. و استقامت أيدينا و أصابعنا في
الصفوف الأعلى ، سُمِحَ لنا أن نكتب بأقلام الحبر .. ظنّاً أن
أخطاءنا قد قلّت .. و حان أن نستغني عن الممحاة ..
كنا في الصفوف الدراسية الأولى نقوم بنسخ الدرس
عدة مرات .. تمرينا تعبوياً لنا .. لأصابعنا و تجويداً لرسم الحروف .. كنا حينها مثل صغار العصافير تمرّن أجنحتها لتتقن التحليق ..و للأسف ، جعل بعض المعلمين من الكتابة
أو نسخ الدرس عقوبة لنا ، بنسخ النص عدة مرات .. و الويل
لمن يقصّر !
كان في مقرّر الدراسة كراسة لتعليم الخط العربي .. و كان
التلاميذ يتسابقون مَن خطّه الأجمل .. و كنا نكيّف سن القلم
ليكتب بخط جميل ..خطّ الرقعة أو خطّ النّسخ ..
للأسف .. ما عاد طلابنا ،، و ربما معلمونا يتقنون الخط ، و ما عادوا يهتمون به .. رغم قيمه الجمالية .. التي تجعل منه فنّاً
مثل سائر الفنون التشكيليّة ..
أنظر اليوم إلى كتابة الطلبة ، فأجدها ،، خربشات… ليس فيها
الصحة و لا الجمال ..و آسف أن أستشهد بكتابة " روشتات "
الدواء التي يكتبها الأطباء . و لا يفكّ رموزها إلا خبراء الصيدلة !
اليوم ،، و بعد أن غابت الأقلام .. و يكاد يغيب الورق ،، و مع وسائل الكتابة الحديثة .. بهذه المفاتيح التي تحمل الحروف
في الكمبيوتر و الهواتف .. فقد أصبحت الكتابة " تنقيراً "
بالإصبع ..فغاب جمال الخط اليدوي .. و صارت الرسالة
عملاً فاقداً للروح و الجمال .. فأين هذه الرسائل مما كنا
نكتبه .. فحتى رائحة الحبر و رائحة الورق… تشعرك
بعمق المعنى .. و مدى المحبة التي تحملها تلك الرسائل .
.. أكتب إليكم ، و أشعر أن إصبعي يختطف بعض الحروف
المجاورة للحرف الذي أريد… فأقول إمّا أن إصبعي قد هرم !!
و بدأ يتنقل متعتّراً بين الحروف المتجاورة .. و أحياناً ، يحدث أن تخرج كلمة في غير موقعها .. فيها من الحرج
ما فيها ..!! فرحم الله أياماً ، كنّا نكتب بالأقلام و الورق
و كان لقلم الحبر .. الباركر ..و المذهّب .. هيبته
و كان للرسائل دفاتر موشاة بالألوان و رسم القلوب و الفراشات ..و كان للرسالة عطر… يحتضنها .. مغلّف
جميل ..
احمد المثاني

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق