"من مذكرات أستاذ جامعي"
"التربية والحب في زمنٍ كان"
هناك في حياتنا أشياء تولد لنا كبيرة، ومع الأيام تصغر وقد تتلاشى، مثل الأحزان التي تكون في بدايتها كبيرة ومع الأيام تصغر وتذهب في مكان بعيد مظلم في نفوسنا، وهذا من رحمة الله بعباده، والغريب هو ما سيأتي مع قولي عن الحب، فقد كنا ونحن صغار الحب لنا يشكل شيئاً مهماً وكبيراً وبه تتحقق لنا الحياة، ثم نكبر فإذا الحب مع مشاغل الحياة يتقلص ولا نقول يتلاشى، والحب ونحن صغار مع عنفوانه غير الحب ونحن كبار، فعندما كنا صغار كان الحب يسكن في كل ذرات أجسادنا، ومن منا لم يبكي إذا غابت أمه عنه فهي له الحنان والغذاء، ولما كبرنا قَل عنفوانه وأحياناُ يصبح الحب مكالمة تليفونية لتلك التي لا حياة لنا بغيرها، وأعترف أنني في عمر ٣ سنوات وما بعدها كنت كثير الأسئلة فقط لأمي، فيوم سألت أمي ما الحب، فأبتسمت أمي وكانت شديدة الذكاء، لم تقل لي يوماً عيب هذا السؤال، أو عندما تكبر ستعرف كما إعتادت بعض الأمهات هذه الأقول، بل كانت تمتلك إجابات لكل الأسئلة التى تُلقى عليها، لذلك عشت وعندي إعتقاد أن أمي أكثر أهل الأرض ذكاءً وعلماً، وكانت إجاباتها لي في كل مرة أسألها تسبقها إبتسامة ثقة وح ، فلما سألتها عن الحب قال هو كما الذي بيني وبينك، فهل تستطيع أن تغيب عني أو أغيب عنكَ، فقلت لا فقالت فهذا هو الحب، فأنا لا أستطيع تحمل غيابك، وأنت لا تسطيع تحمل غيابي وعانقتني وعانقتها بشدة، وسبق أن كتبت مرة كما كل الأطفال سألتها ماما أنا جيت إزاي وكانت خالتي عندنا ورن التليفون في البيت فقامت أمي لترد، وقالت لي خالتي وجدناك عند باب الجامع، وكثير من الأمهات بهكذا إجابة كانت ترد في أيامي، وأمي كانت إذا خرجت من البيت تأخذني معها، فأنا أسير بجانبها ولم أقل لها يوماً أنا تعبت إحمليني، فسألتها مرة ونحن نسير بجوار الجامع ماما الجامع مفهوش أطفال صغار، فقالت لي من قال لكَ أن الأطفال على باب الجامع، فقلت لها خالتي سألتها أنا جيت إزاي فقالت لقيناك على باب الجامع، فضحكت أيضاً وقالت أمي يبدو هي لم تسمع السؤال منك، فأنا وبابا ربنا رزقنا بك يا أجمع ولد، كانت تملك إجابة تقنع مثل عقلي في هذا السن، حتى الأسئلة التي قد يطلق عليها البعض أسئلة محرجة، لم تتغير إبتسامتها لي عندما سألتها مرة عن كلمة سمعتها في التليفزيون، ماما إيه طعم الجنس فقالت لي بلا تردد زي السكر، فقلت لها عندنا سكر كثير فلماذا الجنس، فقالت لي بنفس الإبتسامة السكر للأكل ولكنه لا يأتي منه سكر مثلك يا سكر، كان الحب ونحن صغار كبيراً جداً، ولم يدخل في قاموس الحب عندنا نحن الصغار الجنس، وكبرنا وأصبح الحب أصغر مما كان وأختصره البعض فقط في الجنس، كان الحب عندنا ونحن صغار لا يعرف العيب، وأصبح الحب عند بعض الكبار مرادفاً للعيب، فهل الجنس شوه الحب، أم أن الجنس وجوده مرتبط بوجود ملاين البشر، فهو بذلك الأمر قد عظم من قيمة الحب، إلا أننا هنا نقول تغير مفهوم الصغار عن الحب الكبير إلى مفهوم الكبار عن الحب بحدود، فحدث ما نراه الأن من مفردات دخلت قاموس الحياة مثل التحرش والكذب والغش وأشياء كثيرة الحب ليس هو المسئول عنها، وعند الأسوياء من البشر قد تقلص الحب نظراً لظروف الحياة، ولم يعد كل شيء بل أصبح شيئاً من الأشياء التي تتوارى في جانب بعيد داخل النفس، وأصبح الحب هو تحقيق لمطالب أسرة في حياة لا ترحم الرومانسين من البشر.
♠ ♠ ♠ ا.د/ محمد موسى

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق