أيّها الحالمُ المفتونُ
في رَكْب المخاطرِ والبحار
روّضْ حَصانك يا فتى
ما ظلّ منك سوى الصّدى
وحنينَ عينيْكَ الحزينةَ للمدَى
وتسلّق الذكرى كما العُشبِ
الكثيفِ على الجدار
ما ظلّ منك هنا سوى
ماضٍ مبعثرَ فوقَ سطحِ
الأمنيات،
وبعضَ أحلامِ المُنى .
حلمٌ يرامقُ فجْره الآتي
ويلبسُ صُبحَهُ
دمعاً توضَأ بالنّدى
كالحالمينَ.. وقفتَ تحلم في غدٍ
فيما
وراءَ
البحرِ
والأنهارِ
روّض خيالكَ لاحتمالِ الواقعيِّ
ككُلّ من دُفنوا هنا
أحياءَ في أحلامِهِم.. وقُبورِهم
ولا تُبالي
كن عنيداً ساخراً
من كلّ من قتلوكَ حياً
واستباحوا الله في
مَلكوتهِ
من ثمَ جاءوا بالبَشاعةِ
يزْرعوها
بالجوارِ..
أيُّهذا الحالمُ المفتون
في ضوْءِ النّهار .
لا وقتَ للوقتِ المُشاكسِ
في طريقِ العودِ
من سجنٍ لسجنٍ آخر
فها هنا..
وهناك مَنفى واحدٌ
سورٌ....
وحراسٌ....
وأشياكٌ....
وأحلامٌ مصادرةٌ بفعلِ حواجزِ
الأغرابِ
والأشرارْ
فانظر إليكَ، إلى مُحيطكَ واحتملْ
بؤسَ القيودِ
فها هنا
هي صورةُ المحجوبِ عنك
بفعل
قيْدكَ
والجدار.
فالجُم أنينَ الشّوقِ حتى تكتملْ
أنشودةُ الصُّبحِ الأخيرِ
على صدى التحريرْ
ولا تُهادنهُم إذا لفّوا يديْك
بألف سلسلةٍ من الأغلالِ
أو أخذوا سِلاحكَ
فامتَشقْ قلماً يُعالجُ واقعاً
عَبّئْ الرَّشاشَ شِعْراً غاضباً
ولْتَسْحب الأقْسام في عنفٍ
مع الكلماتِ
واطلقْ في القَصيدِ
رصاصَ نَبْضكَ في المَدى
وخُطَّ فًوْقَ تراب أرضك من جديد
حدودَ دولتكَ المُعدّةِ
للخلاص
من
التّتارْ.
وارسمْ قَوافي الأمنياتِ على صدى
الآتي....
وواجه جيشَ شمشونَ اللّعين
فرُبّما...
هي طلقةٌ أو طلقتين
ويَبْزغُ الفجْرُ المُخَضَّلُ بالنّدى
من داخلِ الأسوارْ.
فَدُسْ ما شِئتَ فوقَ مشاعرٍ تَتْرى
لحُبٍّ
ليس
مكتملِ
الشّروط
ولا المسارْ.
علّم صهيل الخيْلِ
تُعطي شارةً للبَدْءِ نحوَ المُرتَجى
وكن أنيقاً
في احتضار الشمس
فوقَ جدار عُزلتكَ اللعينةِ
واقتصدْ بالشّوقِ لا تعلو
على دمْعِ الغيوم
لتمطرَ
الدّنيا حنيناً واشتياقاً
للنّهارْ.
يا فتىً حراً يعيدُ صِياغة التّكوينِ
في سِفر البِدايةِ والنّهايةِ
والحكايةِ
والحدودْ.
هيّئ بقاءك دمعةً أخرى
على درْبِ الخَلاص
من القيودْ.
وابعث بنرْجسكَ المُقدّسِ
للحقولِ اليابسات
لتزهرَ
الأرضَ
البَوَارْ.
هيّئ بقاءك لحظةُ أخرى
لوقتٍ لاحقٍ
ريثما يُعطي صهيلُ الخيلِ
شارتهُ الأكيدة للرجوع
إلى الدّيارْ.
لا وقتَ للشّوقِ المشاكسِ
يا فتى
فاعصب جبينكَ
بالغدِ الآتي ونمْ
خُذ حبّةَ (الأكمول) مع كوبٍ من الحُزنِ المُعتّقِ
واسْترح
واخْلُد إلى اللاّواقعيّةِ
في الوجودِ
اللاّوجوديّ الوجود
وكن جديراً يا فتى
بتحمّلِ الأخْطارْ.
فكلُّ ضوءُ الشمسِ لك
وكلُّ هذا الحبر لك
فاسْكُبْ دَواةَ الحِبْرِ
فوقَ جِدارِ عُزلتكَ الطويلةَ
وامتشق قلماً
يطاردُ في السطورِ قصيدةً
حُبْلى بألفِ تناقضٍ كحياتنا
وأطْلق رصاصَكَ في المَدى
فكلُّ هذه الأرض لك
ولي أنا....
أرضٌ كأرضكَ لا تقلُّ قداسةً
بحْرٌ كبحركَ لا يقلُّ شراسةً
سَفرٌ إلى المأمولِ
في ظلّ الغيابِ
إلى مدينتي الحزينةِ واليبابْ.
فوراءَ هذا السورِ شمسٌ
فوقَ شاطئِ عِشْقها
خلعتُ هناكَ ثيابَها وتمّددْت
عريانةً فوقَ الرّمال
بانتظارِ
قوافلِ
الأحرارْ.
نامت قليلاً.. أو طويلاً...
ريثما تأتي المراكبُ
بالذين نسوا هنا أصْواتَهم.. ونَشيدهم
ولريثما يأوي الغريبُ
إلى حبيبته الغريبةِ
في سريرِ توّحُدِ الأسْماءِ فيهم
بعدَ طولِ الانتظارْ.
فأطْلق خيالكَ كيف شِئْتَ
فكلّ كرمِ التُوتِ والزّيتونِ لكْ
يافا وحيفا والجليل
وكلّ ما في القدسِ لك
ولي أنا
حلمٌ وأخْيلةٌ تسافرُ في الفضا
شمْسٌ تُداعبُ وجْهيَ القرويّ
والقمْحيَّ
في منفى اغترابك عنك.. أو عنّي
وإبحارٌ بلا بحر
يقودُ خيالَ من قُذفوا وراءَ
الشّمسِ
للتّجوالِ في الوطنِ السّليبِ
بلا زوارق
أو بحارْ.
ونشيد من عزفوا هنا لحن
البلادِ
على رنين قيودهم
وفوقَ عشبِ بقائهم وصُمودهم
وتوضَأوا
برطوبة الذّكرى وناموا حالِمين
بيوْم عوْدَتهم
قُبيْلَ أن يعلوا عُبابُ البحرِ
فوقَ حكايةِ بَدْئِهم
ورجوعهم
للدّار...
الشاعر ناصرالشاويش ..من ديوان للقيد ذاكرة وخنجر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق