الأربعاء، 15 أبريل 2026

مجلة وجدانيات الادبية (( يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا إشراقة شمس))(( مواطن بلا قيمة))

 مواطن بلا قيمة


فجأة وجدت نفسي أمام حاجز طيار مدجج بالسلاح يستوقفني -لا غرابة في ذلك فأنا مواطن في دولة الأسد "الأب" ذاك الرجل الذي يملك رصيدا لا يستهان به من صلف ووحشية وعتو - 


استوقفني الحاجز قريباََ من بيت أختي الذي أقصده، ولعل ذلك ساهم إلى حد ما في تخفيف وقع المفاجأة علي


بعد أن ساقني إليه عناصر الدورية، وفيما هو جالس على مقعده داخل سيارة جيب، وأنا واقف أمامه، سألني رئيس الدورية - وعلى وجهه علامات غلظة وقسوة أو ربما هكذا خيل إلي- قال بلهجة حادة: إلى أين أنت ذاهب؟ قلت - وأنا أشير بيدي جهة البيت الذي أقصده- هاهنا بيت أختي. قال: وماذا في بيت أختك؟ قلت: ها قد وصلت للتو من سفري وأنا في إجازة، ولم أجد أهلي في بيتهم فتابعت طريقي نحو بيت أختي أبيت عندها أو أسألها عن أهلي وعن سبب غيابهم عن البيت، قال: هل أنت عسكري؟ قلت: نعم. قال: وماذا في حقيبتك هذه؟ -وقد أشار إلى الحقيبة في يدي- قلت: هي ملابس عسكرية بحاجة إلى غسل وتنظيف


كان هذا الحوار يدور بيني وبين رئيس الدورية فيما كان عنصران من الدورية يحيطان بي وهما على أهبة الاستعداد لتطويقي فيما لو بدر مني أدنى حركة مريبة! قلت في نفسي: حتى لو كنت متهما بجرم لما استدعى الأمر الالتفاف حولي بهذا الشكل! وخطر ببالي أن أبتسم جراء ذلك الخاطر غير أني كتمت ابتسامتي بشدة كي لايسألني رئيس الدورية عن سبب تبسمي ذاك


كانت نظرات رئيس الدورية إلي قد خفت حدتها بعض الشيء حين عرف أنني عسكري، غير أنه لم يستسلم لبراءة حواري معه وذلك بسبب لحيتي -اللحية التي غدت مصدر رعب لأجهزة الدولة كافة العسكرية منها والمدنية- 

قال: مادمت عسكرياََ فما قصة هذه اللحية؟! ثم مد يده إلي وقال: أعطني هويتك العسكرية وإجازتك


كانت يداي ترتجفان وأنا أسعى لإبراز الهوية والإجازة وأبحث عنهما بتوتر وانفعال، وحين لاحظ رئيس الدورية ذلك مني، قال: لسنا على عجلة من أمرنا ولا داعي لهذا التوتر    


لقد امتقع وجهي، وشارفت أعصاب المسالك البولية مني على الارتخاء حين لم أجد هويتي وإجازتي وأنا أفتش في جيوبي كلها ولم أجدهما


- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا 


إشراقة شمس 141

*****

بين صورتي وحقيقتي


في الوقت الذي كنت أبحث فيه عن هويتي العسكرية وإجازتي، أقدمهما لرئيس الحاجز الذي طلبهما مني، كان توتري وانفعالي قد بلغ أقصاه وبت على وشك انهيار


لعل الذي ساهم في تجذير حالة الخوف في نفسي بل في قلب كل مواطن سوري، هو أنه تم إخضاعنا في وطننا الحبيب لعمليات برمجة وتوليف، مقتضاها: خوف الحاكم وتقديسه، وانتزاع خوف الله تعالى من القلوب


وقد تعهد كل من حزب البعث الحاكم والأفرع الأمنية كافة بالعمل على برمجة المواطن السوري بهذا الشكل المخيف وذلك بعد وضع اليد على المؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية وترتيب أمورها بما يخدم فكرة تأليه الحاكم 


وإذن، أنا الآن مواطن مسخ، أرتجف أمام أي قزم من أقزام الدولة ذات الصيت الدموي


وشاء الله تعالى -وهو اللطيف بعباده- أن أجد أخيراََ هويتي العسكرية وإجازتي، وبفظاظة شديدة مد يده رئيس الدورية لأخذهما مني وعلامات غضب بادية على وجهه

 

وقد جعل ممثل المؤسسة العسكرية هذا - على ما هو عليه من وجه ممقوت - جعل ينظر في وجهي تارةََ وفي هويتي العسكرية تارةََ أخرى وكأني به لم يقتنع بمطابقة وجهي على الحقيقة مع صورتي المرقومة على هويتي والتي لم يكن لي الخيرة في التقاطها


وحق لذاك الغبي أن يشكك بعدم مطابقة صورتي مع واقع حالي، ذلك أن صورتي التي تم سحبها لي قبل ثلاثة أعوام من هذا التاريخ تميزت بلحية حديثة النبت ووجه موسوم بطيبة وبراءة، و أما أنا الآن فقد غدت لحيتي سوداء كثة، وفي ذات الوقت اختفت معالم البراءة من وجهي بعد كل الأحداث التي جرت على بلدي وأهلي و أحبابي وخلاني، وتلك الممارسات الإجرامية التي قامت بها المؤسسة العسكرية السورية خلال الأعوام الثلاثة الماضية [١٩٧٨-١٩٨١] بحق مواطنيها


نعم لقد اتسعت الهوة بين الوطن والمواطن السوري تماماََ بمثل ما اتسعت الهوة بين حقيقتي و صورة هويتي 


- وكتب: يحيى محمد سمونة - حلب.سوريا 


إشراقة شمس 142

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق