الثلاثاء، 3 فبراير 2026

مجلة وجدانيات الأدبية (( فلسطين كزهرةٍ عالقةٍ بالوحل )) بقلم الكاتب فادي عايد الجروب ( الطياره )/ فلسطين



فلسطين كزهرةٍ عالقةٍ بالوحل
في قلب الوطن العربي، الممتد من المحيط إلى الخليج، تقف فلسطين كزهرةٍ عالقةٍ بالوحل. ليست وحيدة، وإن بدت كذلك، فمن كل عاصمةٍ عربية تمتدّ إليها جذورٌ خفيّة، وشرايين من الذاكرة، والدم، والأمل المؤجَّل.
من القاهرة، حيث النيل يروي حكايات الفراعنة والفاتحين، يعلو نداء الأزهر الشريف دعاءً لفلسطين. مصر التي فتحت ذراعيها للاجئين، وقدّمت من أبنائها شهداء على أرض سيناء دفاعًا عن القدس، ما زالت الحارس الأكبر على البوابة الجنوبية. في شوارعها يهتف الطلاب لغزّة، وفي قلوب أهلها تسكن القدس كأنّها حيٌّ من أحيائها القديمة.
ومن دمشق، عاصمة الأمويين، حيث تعانق المآذنُ السماء، يتردّد صدى التاريخ. دمشق تعرف أنّ فلسطين ليست جارة، بل أختًا توأم، وأنّ الجولان المحتلّ شاهدٌ يوميّ على وحدة الجرح، وتشابك الألم، وأنّ الحلم بالتحرير لا يُجزّأ.
ومن بيروت، المدينة التي تنهض من رمادها كطائر الفينيق، يخرج صوت المقاومة. لبنان الذي احتضن المخيمات، وسقى أرضه بدماء الشهداء، يدرك أن جنوبه لن يهدأ ما لم تهدأ فلسطين. في أزقته، تتجاور الأعلام، كأنّ الوطن واحد والحدود وهم.
ومن عمّان، حيث الجبال تحرس الوادي، ينظر الأردنيون إلى الضفة الغربية كما يُنظر إلى البيت الآخر. الأردن الذي يحمل في قلبه نصف شعب فلسطين، ويحرس المقدسات في القدس، لا يتعامل مع القضية كخبرٍ عابر، بل كجزء من نسيجه ووجدانه. نهرٌ يفصل في الجغرافيا، ويجمع في المصير.
ومن الرياض، حيث الصحراء تحتضن قبلة المسلمين، يتجه القلب نحو الأقصى، القبلة الأولى. هناك يُدرك أن قدسية مكة والمدينة لا تكتمل إلا بحرية القدس، وأنّ الدعاء لفلسطين يسكن في قلوب الحجيج مع كل طواف.
ومن الكويت والدوحة وأبوظبي والمنامة، يتردّد صدى القضية. عواصم الخليج التي بُنيت بسواعد أبنائها وبجهد الفلسطينيين، تعرف أن استقرار المنطقة كلّها معلّق بعدالة فلسطين.
ومن بغداد، مدينة الحضارات، حيث دجلة يحمل ذاكرة الرشيد والمأمون، تأتي التحية. العراق الذي قاتل دفاعًا عن فلسطين في كل حرب، ودفع ثمن مواقفه، ما زال وفيًّا للقضية رغم جراحه المفتوحة.
ومن الرباط والجزائر وتونس وطرابلس، من المغرب العربي حيث يلتقي الأطلسي بالصحراء، يعلو النداء. عواصم تعرف أنّ البحر المتوسط ليس فاصلًا، بل جسر حلمٍ اسمه العودة.
ومن الخرطوم وصنعاء ومقديشو وجيبوتي ونواكشوط، من أطراف الوطن العربي البعيدة، يأتي الصدى. هناك يُفهم أنّ فلسطين ليست قضية أرض فحسب، بل قضية ضمير.
هكذا، من كل عاصمة عربية، تمتدّ خيوط نحو تلك الزهرة العالقة بالوحل: خيوط دعاء، وهتاف، ودموع، وأمل. فلسطين ليست وحيدة، بل هي نبض الأمة وجرحها المشترك.
والأقصى، ذلك المسجد الذي يربط الأرض بالسماء، يبقى رمزًا لكل عربي. كلما ارتفع الأذان في عاصمة، كان في صداه همسٌ خفيّ: يا قدس، نحن قادمون.
لكن الزهرة تهمس، بصوتٍ متعبٍ وحزين:
نعم… نعلم أنّكم قادمون.
سمعنا الوعود، ورأينا الدموع، وشعرنا بالحب.
لكن متى؟
طال الانتظار، حتى صار عمرًا كاملًا من الألم. أطفال وُلدوا تحت الحصار، كبروا ولم يعرفوا سوى الوعود. أمهات انتظرن عند الأبواب، رحلن وقلوبهن معلّقة بالأمل.
كم من ربيع مرّ ونحن ننتظر؟
كم من شتاء مزّق خيامنا ونحن نصدّق؟
كم من صيف أحرق أرواحنا ونحن نردّد: سيأتون؟
نحن نعلم أنّ الحب في قلوبكم صادق، لكن الحب وحده لا يوقف نزف الدم، ولا يحمي طفلًا من برد الليل، ولا يعيد بيتًا هُدم، ولا يُرجع شهيدًا إلى أمّه.
طال الانتظار يا إخوتنا…
طال حتى صار جرحًا مفتوحًا.
نحن لا نلومكم، فلكم جراحكم، ولكل عاصمة أوجاعها.
لكننا نسأل، من بين الركام، من قلب الألم:
متى تتحوّل الكلمات إلى أفعال؟
متى تصبح الدموع قوة؟
متى يصير الحب نجدةً حقيقية؟
الزهرة تذبل…
والوحل يزداد…
والانتظار يقتل ببطء، ربما أكثر مما يقتل الرصاص.
نحن ما زلنا نؤمن…
لكن الانتظار…
يا الله… كم هو مؤلم حين يطول.
وفي كل عاصمة عربية، يرتفع صوت خافت من الضمير، يقول بخجل:
قريبًا… قريبًا…
لكن قريبًا صارت عقودًا،
والزهرة…
لا تزال تنتظر.
بقلم فادي عايد حروب (الطياره)
فلسطين – جميع الحقوق محفوظة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق