العد التنازلي
سجنا الحناجر طويلاً حتى ضاقت بنا الشكوى
وكاد الأنين أن يختنق بزحام الغصات التي لا تجد مخرجاً
كلما تهيأت كلمة لتخرج وتعلن العصيان
ركلتها غصة يتيمة إلى قعر الروح
فنبتلع ريقنا المر ونمضي في صمت مطبق
نحن لا نصمت لأننا بخير
بل لأن الصدر قد امتلأ بشظايا الزجاج المنكسر
وبات الكلام استنزافاً لا نملك تكلفته
حتى البكاء..
ذلك المتنفس الوحيد الذي كان يغسل العين قد استحال غصة صلبة في الحنجرة وثقلاً جاثماً فوق أنفاس الصدر
لم نعد نملك ترف الدموع
فقد جفت المآقي وأكلت الملوحة بقايا الخدود
لقد تحجر الوجع فينا حتى صار جزءاً من التكوين
وفي هذا السكون الموحش
غادرني حتى النوم.. ذاك الذي كنت أرجوه مأوىً يرمم انكساري فصار عدوّاً يطردني من جفونه كلما أغمضتها
بتُّ أرقبُ الليل ويراقبني
وفي عروقي تندلع حمى تنهش نحول جسدي بلا رحمة
كأن نيراناً خفيةً أُسعرت لتبيد ما تبقى من صبري
أرتجف برداً والحرائق في داخلي تستعر وأتلوى وجعاً وكأن جسدي ضاق بروحه فلا النوم أنقذني بغيبوبة مؤقتة
ولا الحمى تركت لي ركناً هادئاً لأستريح.. غدوتُ غريبة حتى عن فراشي
جسداً يغلي بالأنّات وذهناً يشتعل بالخيبات
ولم يقتصر المنفى على جسدي فحسب
بل حتى حروفي نُفيت كما نُفيتُ أنا..
طُردت من قواميس المعاني وصارت حروفاً يتيمة لا مأوى لها ولا وطن كأنها أوراق خريفٍ ذبلت قبل أوانها فسقطت في قعر العدم
لم تعد الكلمات تطيقني
ولم أعد أجد في اللغة بيتاً أعتصم به
فقد استحال بياني سراباً
وغدوتُ أكتبُ بمدادٍ من هباء
في فضاءٍ لا يسمعُ إلا رجع صمتي
لم نعد نخاف أن تنطق حروفنا بمر الجراح
أو أن تدمي الكلمات شفاهنا
فما الذي يخشاه من تفتتت روحه؟
لقد أُطفئت المصابيح الواحد تلو الآخر
وبدأ العد التنازلي لروح لم تعد تنتمي لهذا الضجيج
قبل انطفاء النور الأخير..
إلى الذين سيعبرون من بعدي على رصيف هذا الصمت
إليكم ما تبقى مني
لا تبحثوا عني في حطام الكلمات
لقد تركت لكم لغتي خلفي لأنها لم تسعفني يوماً في وصف زلزال واحد هز أركاني
لا تفتشوا عن أسبابي فالموت بالخيبات الصامتة لا يترك خلفه أدلة جنائية
سوى رماد فتاة كانت تحترق لتضيء..
فما استضاء بوهجها أحد
أعيدوا للظلام حرمته.. إذا غبت فلا تشعلوا الشموع فوق مرقدي فقد سئمت الضوء الذي يفضح انكسار ملامحي
اتركوا غصاتي تدفن معي
ولا تحاولوا تفسير صمتي
فبعض صمتي لم يكن ترفعاً
بل كان نزيفاً حاداً لم يجد ضماداً يوقفه
فآثر الجمود كبرياءً
بقى آخر رماد
رزوقة ليلى/الجزائر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق