الخميس، 8 يناير 2026

مجلة وجدانيات الأدبية ((فادي عايد حروب الطياره فلسطين))(( حالة أنفصام))

 حالة انفصام

في زمنٍ تاهت فيه البوصلة، وتشظّت فيه الرؤية، تقف الأمة العربية على حافة صدعٍ عميق يمزّق كيانها. انفصامٌ مريع بين ما نحن عليه وما نظنّ أننا عليه، بين واقعٍ مرير وأوهامٍ نتشبث بها كالغريق يتشبث بقشّة.

نمشي في نهارٍ ساطع بعيونٍ مغمضة، نصطدم بالجدران ونزعم أننا نحلّق في الفضاء. عمىً اختياري، طوعي، نمارسه بإتقان. نرى الانهيار يحيط بنا من كل جانب، فنديره ظهورنا ونشغل أنفسنا بمعارك وهمية على شاشات التواصل، نتصارع على تفاهاتٍ بينما الأساسات تتهاوى تحت أقدامنا.

الأخلاق؟ صارت كلمة نرددها في المناسبات، شعاراً أجوف نعلّقه على الجدران بينما نمارس نقيضه في الخفاء والعلن. الثقافة؟ تحوّلت إلى سطحيةٍ مبتذلة، نستهلك فيها القشور ونترك اللباب. الفكر؟ استُبدل بالتلقين والببغائية، لا نسأل ولا نشكك ولا نبحث، بل نكرر ونردد ونستنسخ.

أما الوجدان، ذلك النبع الصافي الذي كان يومًا روح الأمة ونبضها، فقد جفّ أو كاد. تبلّدنا أمام مآسينا، وصرنا نقيس الألم بالأرقام الباردة. صرنا نعيش في فقاعاتٍ منعزلة، كلٌ في عالمه الخاص، غير عابئين بالآخر إلا حين يمسّنا ضرره المباشر.

نتمسك بالتفاهات كأنها مقدسات. نصنع من الهامشي متناً، ومن الجوهري هامشاً. نضيّع أوقاتنا في سفاسف الأمور، نتقاتل على رموزٍ فارغة ونتجاهل القضايا الحقيقية. نختلق الأزمات الكاذبة لنتهرب من مواجهة الأزمات الحقيقية.

انفصامٌ مريع بين ما نقول وما نفعل، بين ما نؤمن به وما نمارسه، بين شعاراتنا الرنانة وواقعنا المرير.

نهتف بعداء إسرائيل في الميادين، ونوقّع معها اتفاقيات التطبيع في الغرف المغلقة. نلعنها في خطبنا، ونتاجر معها في صفقاتنا. نبكي على القدس في قصائدنا، ونفتح لها أبواب أسواقنا. أي انفصامٍ هذا حين يصير العدو شريكاً، والمبدأ سلعة تُساوم؟

نحرّم السرقة في نصوصنا المقدسة، ثم نصفّق لمن ينهب المال العام ونسميه "شاطراً". نعظ الناس بالأمانة، بينما نحتفي باللصوص حين يرتدون بذلات أنيقة ويجلسون على كراسي المسؤولية. نعاقب السارق الجائع، ونحمي الناهب المترف. بل نصوّت له، ونعيد انتخابه، ونورّثه لأبنائه.

نتغنى بحرية الرأي والتعبير، ثم نسجن كل صوتٍ مخالف ونكمّم كل فمٍ ناقد. نملأ دساتيرنا بمواد الحريات، ونملأ سجوننا بأصحاب الأفكار. نزعم الانفتاح ونمارس القمع، ندّعي الديمقراطية ونعيش الاستبداد. نحتفل بيوم الحرية، ونعتقل من يطالب بها.

نعلّم أبناءنا قيمة العلم والمعرفة، ثم نحتقر المعلم ونهين المثقف. نردد أن "العلم نور"، بينما ميزانيات التعليم في ذيل أولوياتنا. نمجّد العلماء الأموات، ونذلّ العلماء الأحياء. نطالب بالتقدم ونحارب أدواته. نريد ثمار العلم دون أن نسقي شجرته، نريد النهضة دون أن ندفع ثمنها.

نفخر بتراثنا وحضارتنا، ثم نقلّد الغرب في كل صغيرة وكبيرة دون تمييز. نرفض "الاستعمار الثقافي" في الخطابات، ونستهلك منتجاته الثقافية بنهم أعمى. نحن أسرى لماضٍ نتغنى به دون أن نفهمه، وحاضرٍ نستورده دون أن نهضمه، دون هوية حقيقية في أي منهما. نعيش في متحف الذكريات، عاجزين عن صناعة المستقبل.

ندّعي التدين والورع، ثم نمارس أبشع أنواع النفاق والفساد. نصلي ونصوم، ثم نكذب ونغشّ ونخون. نحفظ النصوص عن ظهر قلب، ونقتل روحها في التطبيق. صار الدين عندنا طقوساً شكلية، وقشوراً خالية من اللب. نتقاتل على التفاصيل، ونضيّع الجوهر.

نتشدق بالوحدة العربية، وحدودنا مغلقة في وجه بعضنا. نتغنى بالأخوة، ونتآمر على الجار. نبكي على الفرقة، ونزرع بذورها بأيدينا. كل قُطرٍ ينكفئ على ذاته، يعادي الآخر، يتربص به، باسم المصلحة الوطنية التي لا تعني سوى مصالح الحكام. نتفرج على نكبات بعضنا كأنها مسلسلات تلفزيونية.

نهاجم الفساد في كل محفل، ونبارك الفاسدين حين ينتمون إلى "جماعتنا". نطالب بالعدالة، لكن فقط حين نكون نحن الضحايا. نرفض الظلم، إلا حين نكون نحن الظالمين. المبادئ عندنا مطاطية، تتمدد وتنكمش حسب المصلحة. الحق حقٌ حين يخدمنا، وباطلٌ حين يعارضنا.

ننادي بتمكين المرأة في المؤتمرات الدولية، ونمنعها من أبسط حقوقها في بيوتنا. نضعها على أغلفة المجلات كرمزٍ للتقدم، ونسلبها إرادتها في القرارات المصيرية. نقيس تحضّرنا بحريتها، ونقيس شرفنا بقيودها. نريدها طبيبة ومهندسة في الصور الدعائية، وخادمة صامتة في الواقع.

نعشق الكرامة والعزة في الشعارات، ونقبل الذل والمهانة في الممارسات. نرفع رؤوسنا أمام الكاميرات، ونحنيها أمام كل قوي. نموت من أجل "ماء الوجه"، ونفرّط في الأرض والعرض. الكبرياء عندنا لفظي، والانكسار واقعي. نصرخ "الموت ولا المذلة"، ثم نختار الحياة على الركب.

ننتقد الفردية والأنانية، ونعيش أقصى درجات الأنانية الجماعية. نلوم الغرب على ماديته، بينما صار المال إلهنا الوحيد. نشكو من غياب القيم، ونحن من دفنها بأيدينا. نتحسّر على زمن الفضيلة، ونكافئ الرذيلة في زمننا.

نطالب بالشفافية والمحاسبة، ثم نحمي الفاسدين بستار "الخصوصية" و"عدم تشويه السمعة". نقيم محاكم صورية، ونصدر أحكاماً مسرحية، ثم ننسى الأمر برمّته. المحاسبة عندنا للضعفاء، والحصانة للأقوياء.

نزعم حب الوطن، ونهرب منه أول فرصة. نتباكى على الهجرة، ونسعى إليها بكل وسيلة. نلعن من يحمل جنسية أجنبية، ونحلم سراً بالحصول عليها. الوطن شعارٌ نرفعه، لا أرضٌ نبنيها.

أي انفصامٍ هذا الذي نعيشه؟ حين يصير الإنسان كائناً مزدوجاً، له وجهان ولسانان وقلبان؟ حين تتناقض أقواله مع أفعاله، ومعتقداته مع ممارساته، وشعاراته مع حقيقته؟

هذا الانفصام ليس قدراً محتوماً، بل خيارٌ نتخذه كل يوم حين نختار الهروب على المواجهة، السهل على الصعب، الوهم على الحقيقة. هذا ليس مجرد نفاق عابر أو ازدواجية عارضة، بل هو مرضٌ مزمن استوطن في بنيتنا الثقافية والفكرية والنفسية. صرنا نعيش في عالمين متوازيين، لا يلتقيان أبداً: عالم الأقوال المثالية، وعالم الأفعال الواقعية. وبينهما هوّة سحيقة لا نجرؤ حتى على الاعتراف بوجودها.

نبرر هذا الانفصام بألف عذر، نلقي اللوم على الآخر، على الاستعمار، على المؤامرات الخارجية، على كل شيء وكل أحد إلا أنفسنا. نرفض النظر في المرآة خشية أن نرى الحقيقة المؤلمة: أننا نحن من صنع هذا الانفصام، ونحن من يغذّيه ويديمه. نحن من اختار الكذبة المريحة على الحقيقة المؤلمة.

لننظر إلى اليابان، تلك الأمة التي سُحقت في حرب ضروس، دُمّرت مدنها بالقنابل النووية، ركعت على ركبتيها في هزيمة ساحقة عام 1945. لكنها لم تختر الهروب إلى الأوهام، لم تختبئ خلف نظريات المؤامرة، لم تمضِ عقوداً تندب حظها وتلعن الماضي.

وقفت اليابان أمام المرآة بشجاعة نادرة، اعترفت بهزيمتها دون مواربة، حاسبت نفسها بقسوة، وسألت السؤال الصعب: لماذا انهزمنا؟ لم تقل "المؤامرة"، لم تقل "الظروف"، بل قالت: "نحن". ثم بدأت ببناء نفسها من الرماد، حجراً حجراً، بصدقٍ مطلق مع الذات.

في ثلاثة عقود فقط، تحولت اليابان من دولة منهارة إلى ثالث أقوى اقتصاد في العالم. لم يكن ذلك بالسحر، بل بالصدق. صدق مع الواقع، صدق في التعليم، صدق في العمل، صدق في المحاسبة. لم تنتظر معجزة خارجية، صنعت معجزتها بيديها.

بينما نحن، بعد عقود من "الهزائم" و"النكسات"، لا نزال نراوح في المكان ذاته. لا نزال نكذب على أنفسنا، نسمّي الهزيمة "انسحاباً تكتيكياً"، والفشل "ظرفاً مؤقتاً"، والانحطاط "مرحلة انتقالية". نرفض الاعتراف، نرفض المحاسبة، نرفض التغيير الحقيقي.

الفرق الجوهري ليس في الموارد ولا في الجغرافيا، بل في الصدق. اليابان صدقت مع نفسها فنهضت، ونحن كذبنا على أنفسنا فغرقنا. هم واجهوا الحقيقة المرّة فتجاوزوها، ونحن هربنا منها فبقينا أسراها.

اليابان علّمت أطفالها الانضباط والمسؤولية قبل القراءة والكتابة، ونحن نعلّم أطفالنا التبريرات والأعذار قبل الحروف. هم بنوا ثقافة الإتقان والتفاني، ونحن بنينا ثقافة "يمشي الحال" و"على قدّ لحافك مدّ رجليك".

اليابانيون يستقيلون من مناصبهم خجلاً من خطأ بسيط، ونحن نتشبث بالكراسي رغم الفضائح المدوية. عندهم الاستقالة شرف، وعندنا التشبث بالسلطة "حنكة". هم يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبهم أحد، ونحن نبحث عن المبررات قبل أن يسألنا أحد.

المسألة ليست تقنية ولا اقتصادية، بل أخلاقية ونفسية بالدرجة الأولى. المسألة في الصدق مع النفس، في الشجاعة لمواجهة الحقيقة، في الاستعداد لدفع ثمن التغيير الحقيقي.

وسيظل الصدع يتسع، والهاوية تتعمق، حتى نجد الشجاعة لننظر في المرآة، نرى أنفسنا كما نحن حقاً، لا كما نتمنى أن نكون.

فهل من صحوة؟ هل من لحظة صدقٍ نواجه فيها أنفسنا بلا أقنعة؟ هل من شجاعة لنعترف بأن المشكلة ليست في العالم من حولنا، بل فينا نحن؟ هل نملك ما ملكته اليابان من جرأة على الحقيقة؟

أم سنظل نعيش هذا الانفصام إلى أن ننفصم تماماً، فلا يبقى منا سوى شظايا متناثرة، لا هوية لها ولا قيمة ولا معنى؟

الاختيار لنا: إما أن نصدق مع أنفسنا فننهض، أو نستمر في الكذب فنبقى حيث نحن، في قاع الهاوية، نتفرج على العالم يتقدم ونحن نراوح في دائرة الوهم المغلقة.

الأمم لا تنهار حين تُهزم، بل حين تكذب على نفسها… ونحن أتقنّا الكذبة.

فادي عايد حروب الطياره

فلسطين

جميع حقوق النشر محفوظة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق