الثلاثاء، 25 يونيو 2024

مجلة وجدانيات الأدبية (( أعرفكم بنفسي......!)) بقلم الأديب نظير راج الحاج



( أعرفكم بنفسي......! )
____________________________
كل عام وحضرتكم بألف خير..
كل عام وغزة بخير وعزة.
___
عُرض على صفحة أدبية، على أحدى المجموعات ، موضوعًا اجتماعيًا عن التفرقة بين الأولاد في المعاملة.
الكل بعث بمواضيع تحليلة رائعة عن الموضوع، أنا بعثت هذا النص لهم (أعرفكم بنفسي) ونال نصي أجمل نص..
( أعرفكم بنفسي )
_________________________
كل من يعرفني، يعرف أن اسمي هو (نظير)، هذا صحيح، ولكن هذا الإسم تغير أكثر من مرة.
عند ولادتي، أسموني( عمرو) ، ثم تحولت إلى اسم (عمر)، وأخيرًا، وأنا في سن العاشرة، أخذت أتمرد على هذا الإسم وبعنف، حتى اضطر والدي أن يذهب إلى محكمة الأحوال المدنية في مدينتي نابلس لتغيير اسمي، ورغم ان شروط تغيير الاسم كانت معقدة، بحيث شروطها أن يكون الإسم بحد ذاته مشينًا، أو يخالف النظام العام والأدب، أو يؤدي إلى سخرية الناس منه، وكل هذه الشروط لا تظهر بالإسم، بل اسم (عمر) هو اسم جميل! إلا أن والدي أقنع أعضاء المحكمة أنني اكره اسمي. وإنني أهدد بالإنتحار إذا لم أغيره.
لهذا رضخت اللجنة وقاموا بتغيير اسمي إلى (نظير) .
ما القصة إذن؟
نقطة ومن أول السطر.
سمعتُ من صغري، أن والدي كان وحيداً لوالديه، وجدّي توفي بعد أن ولد أبي بشهور.
كبر أبي وتزوج، وكان يتمنى أن يرزقه الله بدستة أولاد، حتى تكبر شجرة العائلة، وأن يسمى ابنه البكر باسم عمر، على أسم والده.
لقد تأخرت أمي بالإنجاب، وكم هددت جدتي أمي ، بأنها إن لم تنجب، سيزوجوا أبي.
لقد ذهبت والدتي إلى العرافات والمشعوذات، دون جدوى، ثم ذهبت عند طبيب بروفوسور، كان في زيارة لمستشفى هداسا في القدس حيث أعطاها أدوية تعالج إضطرابات الإباضة والخلل في الهرمونات، وبقيت تنتظم على العلاج، حتى حملت بي.
خبر حملها، كان خبرًا مدويًا للكل، فرحة عارمة للأسرة والأقارب وحتى أهل القرية.
عندما أخبر الطبيب والدي ووالدتي بالخبر، لم يكن قد تبين معه أن في بطن أمي توأم.
في الأسبوع السابع عشر بدأتُ أحس بأخي التوأم بأنه شريك معي في بطن أمي ،كان كثير الحركة، حتى أنه نزل قبلي إلى تجويف الحوض.
ما إن اقترب موعد ولادة أمي بي وبأخي التوأم، وقبل نزولنا للدنيا حتى حدث صراع بيني وبين أخي، حتى ونحن أجنة، حيث دفعني للخلف، واتجه للخروج من بطن أمي.
كنت أستمع إلى والدتي، وأنا في بطنها وهي تدعو الله بأن يكون المولود ذكر ثم سمعت صوت القابلة(الداية) وخالتي، وهن يزغردن
ثم أصوات دخلت الغرفة، وقول خالتي:_خذوا افرحوا، كلوا( الملبس المخشرم، وراحة الحلقوم) .
راحت بعدها خالتي تقول:_
جاء الغالي..جاء الملك. جاء من يحيي يباس شجرة العائلة.
جاء ولي العهد.. جاء السند.. إنه ذكر ذكر، إنه (عمر).
هكذا فارقني أخي، بعد خلوتنا تسع شهور ،ونحن معًا في بطن الوالدة.
أخذت أنا أصرخ بالداخل:_أنا هنا.. أنا موجود. لكن صرخاتي لم تتعدى جدار الرحم،كانت مثل صرخات أهل غزة للعرب، وفجأة صرخت الداية:_ هناك مولودًا آخر، إنه توأم عمر.
دمعة نزلت مني، قبل نزولي للأرض لما لم أسمع أي ترحيب بي.
لا زغاريد، لا ترحيب، وكما تقول الأغنية العراقية..
لا خبر.. لا كفية، لا حامض حلو، لا شربة.
راجعت أمي الطبيب، والذي أخبرها أن التوأم متطابق، حيث البويضة المخصبة انقسمت إلى قسمين، مما تكون جنينين منفصلين، ويحمل كل واحد منهما، مادة وراثية متطابقة.
لهذا كان الشبه بيني وبين أخي متطابق كليًا، حتى راحت أمي ونحن بالرضاعة، تلبسنا ملابس مختلفة لتفرقنا عن بعض.
عشت طفولة مهمشة، كل العطايا والعطف لأخي عمر، لأنه الكبير.
كبرنا ودخلنا الصف الأول، كانت والدتي تضع أزرار القميص لأخي باللون الأخضر، وأنا باللون الأسود
لكي يفرق المعلم بيننا، فكان يقول:_عمر يا أخضر..
عمرو يا أسود، ولما أغلط في حل مسالة، يقول المعلم:_يا عمرو يا أسود، سوّد الله وجهك.
أخذت أغار من أخي، حيث كل الإهتمام به، فقررت أن أنافسه، فلما نريد أن نخرج من البيت، أسرع بالخروج قبله، وعندما نأكل، أبدأ قبله، وأنهي طعامي قبله، حتى لو كنت جائعًا.
لقدتعودت أمي ان تراني أقوم دومًا بالأول قبل عمر بكل شيء، الصحو من النوم، ، واللبس والخروج، وهكذا.
في أحد الأيام، وكنت بالصف الثاني وكنت أسترق السمع لحديث أمي لجاراتنا، لما سألن عني وعن أخي، أخذت تكيل المديح لأخي عمر، بأنه يرضى عليه، جدع وشاطر وفهلوي، ولما سألوها وكيف هو عمرو؟
قالت باستهزاء وحسرة :_إن الواو في آخر اسمه تؤخره، ورحن النساء يضحكن، ثم قالت:_
إنه متأخر بالذكاء، لكنه قرد يسبق اأخيه بالعفرتة، والقدوم والخروج من البيت.
في الصف الرابع، وكنت أنا وأخي عمر قد سجلنا في كشافة المدرسة، وجدث أن كان يوم عطلة والمفروض أن نذهب معًا للمدرسة لاجتماع كشافة.
إضطررنا أن نلبس الزي الموحد للكشافة، قميص له أهداب على الكتفين، ولونه أزرق سماوي وسروال من نفس اللون، ومنديل حول الرقبة لونه أحمر.
كنت كالعادة أنوي الخروج من البيت قبل عمر، فاكتشفت بآخر لحظة أنني ألبس جوارب عادية، والمفروض أن ألبس جوارب بيضاء، وهي لباس الكشافة يومها.
هنا ضجر أخي عمر من انتظاري وقال :_سأسبقك للخارج، كانت هذه أول مرة يسبقني للخارج.
كانت أمي تقف في غرفتها عند النافذة المطلة عالشارع، تنتظر ركوبنا الحافلة، لتشوح بيدها لنا. سمعت وأنا ما زلت جالسًا أسوي جواربي، وإذ أسمع صوت فرامل قوية من سيارة مسرعة على الشارع، ثم خرجت أمي بسرعة من غرفتها ومرت علي وهي تصرخ وتولول :_الحقني يا عمر، أخوك عمرو دهسته سيارة.
لقد اعتقدت أمي أن من دُهس هو أنا(عمرو)، لأنها تعودت تراني دومًا يخرج من البيت بالأول، وأسبق عمر.
وجدت أخي عمر قد فارق الحياة. ولأول مرة أسمع كلمة حبيبي، وهي تقول حبيبي يا عمرو، وذلك بعد موتي الوهمي.
الله يرحم أخي عمر، الكل اعتقد أن من مات هو عمرو، أي أنا!
قررت أن أنتحل اسم أخي عمر وقررت أن أدفن اسم عمرو وللأبد
وذلك لأنال حنان أمي، والمعاملة الطيبة من الأهل والأقارب.
لبست قناع عمر، وقتلت عمرو في داخلي.
نضجت وأصبحت شابًا، لم أعد أحتمل هذا الوزر، ولما سئل والدي في دائرة الأحوال المدنية، ماذا سيكون أسم ولدك، تدخلت وقلت
أحب اسم نظير والذي يعني شبيه
حيث تشابهي مع أخي المرحوم، فجاء اسم نظير.وفرحت لما والدي أسم إبنه البكر عمر.
من يوم الحدث، وأنا ألبس قناع نظير..
اليوم نظرت للمرآة، قالت لي:_
لقد ضجرت منك، كفاية لبس أقنعة.
قلت لها:_
حاولت أزيح قناع وجهي، لكني رأيت الشارع وقد ضج بالمسوخ.
يا إلهي، ليت قلوبنا مثل وجوهنا الكل يراها.
__
هلوسات..
نظير راجي الحاج

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق