الأربعاء، 3 مارس 2021

مطلوب بَدْلة بقلم الكاتبة / شيماء حسين




قصة/ مطلوب بَدْلة
بقلم/ شيماء حسين

تفتح جفنَي عينيها المتثاقلين على صوت المنبه، تتجه أصابعها لوجهتها المحفوظة لغلق المنبه فتضربه على أزراره وتقول بصوتٍ ناعس:
- اسكت يا داهية إنت.
تعتدل وتجلس على سريرها لتستفيق:
- والله يا ماحلا الواحدة تصحى ماتلقيش عيل عمال يزن عشان إمبوه ولا راجل يصحيني من عز النوم عشان مش لاقي فردة الشراب، ولا عيل يقشط عليكِ وأقوله صحة يا حبيب ماما وكأنها حاجة حلوة بلاقرف، اللامسئولية دي تحفة بجد.

تتجه للحمام وتفرش أسنانها وتغسل وجهها وتتوضأ، تخرج لتفرش مصليتها وتصلي ركعتي الصبح مع السنة بمنتهى السكينة، تسلم وتتجه للمطبخ لتصنع قهوتها وتقول ضاحكة:
- أهي الست عاملة زي القهوة دي؛ لازم تتأنى في موضوع الجواز على نار هادية لحد التلاتين وإلا فارت ومبقاش ليها رونق ولا شكل جذاب.
- وأكملتْ ببال رائق:
- ده أنا عليا حكم.
أسكبتْ فنجان القهوة بكوبها ودخلتْ شرفة غرفتها، فظهرتْ أمها قائلة:
- صباح الخير يا آية.
- صباح الخير ياماما.

تدخل أمها، وتفتح آية هاتفها لتتفحص مواقع التواصل قبل نزولها لعملها، فتلمع عيناها وتبتسم فتفغر فاها لمنشور نشرته إحدى صديقاتها على الفيسبوك لخاطبة تعرض مواصفات الرجل محتواه:
" مطلوب عريس لأعذب طوله ١٦٠ سم ووزنه ٦٠ كيلو وتكون جادة، للتفاصيل كلموني على الخاص."

تضحك آية حتى تدمع عيناها مُردفة:
- يانهار أبيض! دي طريقة أم تتح لجلب أنثى الضفدع في موسم التزاوج مش عروسة من لحم ودم.
- ظهرت أمها قائلة:
- بتضحكي على إيه يا حبيبتي؟
تحاول أن تتماسك آية من فرط ضحكها الذي كاد يوقعها من مقعدها:
- بصي يا ماما المنشور ده للخاطبة.
- وريني كدة!
أكملت أمها متصنعة الجد:
- وفيها أيه بعني؟
- إزاي يا ماما هو ده الجواز بالنسبالك طول ووزن وشوية دهون وشحوم في الأرداف.
- ما أنا كمان بشوفلك خاطبة على النت كويسة تحاول تجيبلنا عريس كويس.
- قالت آية مصدومة:
- قولتي أيه يا ماما! إزاي تعملي كدة من غير ما تقوليلي؟
- يا حبيبتي احنا معارفنا قليلين ومفيش حد فيهم نافع ويمكن الطريقة دي تنفع.
- أردفت آية بامتعاض حاجبيها:
- أنا سيبتك تعملي كدة مع الخاطبة اللي جنبنا دي بس المرة دي من على النت ياماما منعرفهمش حتى لا.
وأكملتْ ضاحكة:
- وبعدين أم كتكوت الخاطبة دي كل عرسانها عاهات وكل اللي بيجي عن طريقها يإما شايف نفسه القمر وهو عامل فرق في شعره ومفيش واحدة ترضى بيه أو عبده موتة حاسة إنه هيطلع الموس من تحت لسانه وعامل فانكي العشة على دماغه.
- يا بنتي ما ده اللي بيحصل مع أي حد وبعدين إنتي كملتي تلاتة وتلاتين سنة ومبقتيش صغيرة.
- متجوزش أحسن ما أخد واحد بالشكل ده أو بالطريقة المُهينة دي.
- سيبك من الكلام ده إنتي هتيجي معايا انهاردة عشان فيه واحد شاف صورتك وعجبتيه أوي.
- برضه ياماما أنا هروح الشغل بدل اللي أنا بسمعه ده.
- ربنا يهديكِ يا بنتي.

فقالت بتذمر وهي تهبط من شقتها الكائنة بالدور الأخير:
- استعنا على الشقا بالله، دلوقتي حالًا هيتفتح باب كل شقة في العمارة عشان أسمع كلام زي الفل، كأن كل طنط قاعدة ورا الباب ورامية ودانها على كل دبة رجل.
ظهر صوت من وراء الباب للخالة سعاد القابعة في الدور الأرضي، وهي سيدة ثرثارة تجلس "للسقطة واللقطة" كما يقولون، لا تترك أحدًا بحاله يسير إلا وتُسارع بإخراج الفيش والتشبيه له، هي من أحد المالكين للعمارة ولكن البوابة وحراسة باب العمارة الأقرب لها.
وقالت آية في داخلها: المفروض أصحاب العمارة يعينوكِ بوابة بدل البواب الجديد والله.
فتحت سعاد باب الشقة كأنها تمتلك مجسات حسية لمعرفة الهابط والصاعد من العمارة وقالت ببشاشة تضاد لسموم لسانها:
- إزيك يا آية عاش من شافك يا بنتي.
- إزيك يا طنط.
وتتسارع عدستاها انصبابًا على يديها لتتفقد أصابعها، وتُكمل قائلة:
- إنتِ لسة يا بنتي متخطبتيش.
- وذمت شفتاها وأعقبتْ:
- أه ما أنا مسمعتش زغاريط كدة ولا كدة من مدة. إن شاء الله ربنا يرزقك زي سارة كدة بواحد ملو هدومه.
- قالت آية بهمس:
- سم الطنطات ابتدى وأدي اللدغة الأولى.
- بتقولي حاجة يا آية
- أصبحتْ المراجل تستشيط غضبًا برأسها فردت:
- كل شيء قسمة ونصيب يا طنط وإن شاء الله ربنا يرزقني.
لَوَت شفتيها على جانب فمها ومصمصت بفمها بحركة مصرية من النوع الخاص:
- يارب يا بنتي أهو ضل راجل ولا ضل حيطة.
- ضحكت آية مرددة:
- لا لو كدة يبقي الحيطة أحسن.
استشاطت غضبًا وبنبرة ساخرة قالت:
- وكان فيه أيه ابن أختي عشان ترفضيه.
- ابتسمت مهمهمة بصوتٍ لا يسمع:
- زي الفل بلطجي بس.
هتفت آية بصوت مسموع:
- عايزة حاجة يا طنط.
- هرولت آية على السلالم حتى لا تلتقي أحدًا من هواة الثرثرة والهراء بغير عقل.
- وقالتْ في سرها: يارب مقابلش طنط سماح إنتِ متجوزتيش ليه!

بعد ساعات...
رجعتْ من عملها...
مرتْ من بوابة العمارة، وصعدت للدور الثالث بسلام، ورنت جرس باب شقتها ذي اللون البني، ففتحت والدتها ضاحكة:
- شوفتك من البلكونة وإنت داخلة من بوابة العمارة، ولما لقيتك اتأخرتي قولت أكيد طنط سعاد اصطادتك وإنتِ طالعة.
- نفثتْ زفيرها بقوة وأردفت:
- يااااه على دي ست مبتزهقش من إسطوانة كل يوم.
وأسرعت في تقليدها فورًا: " أيه ده إنتِ لسة متخطبتيش، يابنتي فرصك كل ما بتكبري بتقل، العيشة من غير راجل وحشة، ضل راجل ولا ضل حيطة، ماله ابن أختي ما كان زي الفل."
تسارعت ضحكات أمها وجلست على أول مقعد من فرط الضحك.
- الله يكون في عونك يا بنتي كل يوم في الهم ده.
- أكملت الأم حديثها لتغير مجرى الحديث:
- فكرتي في اللي قولتلك عليه الصبح؟
فتتحول ملامح آية من ضحك لاستنكار:
- آه يا أمي ومش هروح.
- لا هتروحي وتجربي، اسمعي كلامي المرة دي.
ولمعت دمعتين بعينيها مرددة:
- أنا مسيري هموت وهسيبك، وهتبقي وحيدة لا أب ولا إخوات.
- يا ماما ليه بتقولي كدة ربنا يطول في عمرك يارب.
- دي الحقيقة يا آية ومفيش غيرها إحنا ملناش سند غير ربنا في الدنيا دي بعد موت أبوكِ وأخوكِ.
- وكفى بالله وكيلًا يا أمي. حاضر بس دي المرة الأخيرة اللي هعمل كدة.
- ربنا يهديكِ يا بنتي ويرزقك بابن الحلال اللي فيه الخير ليكِ.

أنهت آية تجهيز نفسها وتناولت وجبة الغداء مع والدتها، جلست لتتفحص مواقع التواصل بمنتهى الروتينية؛ فهي الشيء الوحيد الذي يلهوها بحياتها تلك:
- خلي الواحد يطري على نفسه بشوية الكوميكس اللي بيشوفها على الفيسبوك دي.
- وأردفت بصدمة:
- أهو ابتدينا والمرة دي محن مفعوص ومفعوصة.
فقد رأت فتاة تمتلك بحد أقصى اثني عشر عامًا مرتدية فستان خطوبتها وبجانبها في الصورة مجموعة أطفال زملائها يهنئوها على خطوبتها.
- لا حول ولا قوة إلا بالله دول من شوية كانوا بيغيروا البامبرز، هتشيل مسئولية ازاي دي، ده أنا لحد دلوقتي مش واثقة إني كبرت.
- وتابعتْ ضاحكة:
- واضح إن انهاردة اليوم العالمي للسخسخة.

حل المساء ولأول مرة منذ سنوات تتقد آية بشرارةٍ لترتدي وتتزين، وقالت بهمس:
- بلبسلك الحتة اللي على الحبل يا بن الحلال أهو يكش نخلص بقا.
- توقفت عيناها وثنيت رأسها صانعة زاوية حادة من جانب ومنفرجة من الناحية الأخرى، وبصوتٍ مرح أردفت:
- أنا كدة مش هطفشه ده أنا هخليه يِلَبِس دبل على طول ويمكن الخطة كلها تبوظ.
تتجه لمرآة دولابها لتتفحص وجهها بملامحها الأقرب لمعالم الشركسية ذات الحاجب الرفيع الطويل والعيون الواسعة السوداء ببشرة بيضاء صافية وقوامها الذي يتعدى فئة النحافة ببضع كيلوجرامات لصنع الفارق.
نظرتْ بإمعان كأنها لاحظت الكارثة وقالت بلمعة عينيها:
- وأهو كمان التجاعيد بدأت تظهر كمان، خليها تونس الشَعْرَيْتين البيض في راسي.
- أنهت تجهيز نفسها وسطعت بدون نقطة من مستحضرات التجميل ومع نظرة أخيرة بالمرآة وقالت بضحكتها المعهودة:
- يكونش معمولي عمل على ديل كتكوت من فرخة أرملة على رأي طنط سماح إنتِ لسة متجوزتيش!

أغلقت ضوء غرفتها، نادت والدتها لتخبرها بانتهائها، فقالت الأم:
- يا أخواتي على بنتي القمر، أنا مش عارفة بس حالك مايل ليه كدة.
- جيتي تكحليها يا ست الكل عميتيها، وماله حالي مانا زي الفل أهو.
استلقيا سيارة أجرة، وقالت أية بهمس:
- أنا كان لازم أشوف صورته على الأقل يا أمي.
- متخافيش أنا شوفته وهو قمر.
- ربنا يستر ماهو القمر جسم معتم برضه.
- اقفلي بؤقك ده لما نروح وإياكِ تبيني غير الرقة قدامه بلاش جعفر انهاردة.
وقالت ناظرة بالاتجاه الآخر:
- ده أنا هخليه يقول حقي برقابتي، ويمشي في الشارع زي المجنون يقول مش عايز أتجوز مش عايز أتجوز.
- بتقولي حاجة يا آية
فضحكت وهي واضعة يدها على فمها..

ترجلا من السيارة باتجاه مطعم ملحق بحديقة أمامية كبيرة بها عدة طاولات، فأخبرتها الأم أنها تعرف شكله جيدًا، وأخذا يبحثا عنه في الأرجاء، فإذا بآية تفغر فاها ونسيت غلقه من الصدمة لثوانٍ عندما أشارت والدتها على أحدهم ملوحًا بيديه ليروه:
- ده مازن يا ماما!
- قابلتها والدتها بابتسامة:
- آه مانا عارفة.
نظرت باستنكار لأمها، احمرت وجنتاها واقتربت بخجل ظاهر على خطواتها الغير متزنة برغم جهدها العظيم باتسام الإعتدال.
فنظرتْ إليه مستنكرة وقالت بهدوء:
- بدأنا شغل مجانين.
قام مازن ورفع يده ليُسلم عليها وسريعًا ما أنزلها كأنه صُعق بكهرباء، وقال بخجل:
- افتكرت مبتسلميش، اذيك!
- الحمد لله.
- اتفضلي.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق