بقلم: سخاوة الله أياز
*حديث القمر* !
أنا اليوم في حديث مع القمر، في ليلة هدأت فيها الأصوات وساد فيها الصمت، وغارت فيها النجوم، وانتشر فيها الظلام، طقسها معتدل وجوها نقي، وأنا مستلق تحت أديم السماء مفارقا للنوم، في قرية أهلها نائمون وطيورها في أعشاشها، لا أرى إلا بعض الخفافيش تحلق في الظلام ولا أسمع إلا أصوات بعض الضفادع كأنها توحي بأن الكون مازال حيا وفي أحياءه أحياء ، ولايطرق مسامعي سوى همهمة خفيفة تصادم أطراف أذني لكأنها صوت لعجلة الزمان التي أقسمت على أن لاتتوقف، تسير ليلا ونهارا لتُنهي حياة أحد وتُسعد بها الآخر. ولم أجد سميرا سوى القمر الطالع على منتصف السماء يطارد بنوره كواحل الظلمات، بعد أن خضعت له النجوم الساطعات احتراما وأغابت نفسها من منصة الأنوار المنقعدة في جو السماء تقديرا وإجلالا، يرأسها قمر منير جلیل لایقاربه أحد في تلك الحفلة؛ لسطوع نوره وملكوته على أجواء السماء ليلا بالرغم من هدوء طبعه وسكوته الأبدي.
**أيها القمر* : بغض النظر عن كل المذكور كم أنت سعيد في حياتك في فلكك ليس لجمالك فقط، بل لطول عهدك بهذا المنصب المبارك الذي تشغله قبل أن يجد سيدنا أدم ـ عليه السلام ـ طريقه إلى الأرض، فقد سعدت بزيارته وزيارة من تلاه من الأنبياء الكرام و أولي العزم العظام: إدريس ونوح وصالح ويونس وإبراهيم وشعيب ويوسف وموسى وعيسى والجميع سواهم - عليهم وعلى نبينا أفضل الصلوات والتسليمات -.
*أيها القمر* :بعد كل تلك السعادة نلتَ سعادةً أكمل من أوّلها وأشمل من آخرها أن رأيت يوما سيّدنا وحبيبنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أن أشرقت ليالي مكة المكرمة والمدينة المنورة في ذلك العهد الزاهر، أن أنرتَ الطريق في الليالي لأفضل البشر ذاهباً لعبادة الرب سبحانه أو خارجاً في سبيل الله، أن فديتَ بنفسك فشقّقتها نصفين طوعاً للإشارة النبوية، أن أصبحتَ معجزةً مبهرةً تعين رسول الله صلى الله عليه وسلم في أداء الأمانة وبلاغ الرسالة، أن كنت سببا لإحقاق الحق وزهوق الباطل، أن متّعت أسماعك بالتلاوة القرآنية الأشعرية وترتيل كلّ الصحابة الأجلاء ودموع تضرعهم وخوفهم وعشقهم في لياليك المقمرة، أن كنت ميقاتا للبشرية للأبد، وأن كنت بشرى لأيام الحج واستهلالة للعيدين العائدين.
*أيها القمر* : كفاك اعتزازا أن قارن أحد الصحابة جمال الرسول صلى الله عليه وسلم بجمالك، بالرغم من أنك لن تدركه في أسرار الجمال والكمال والنوال، ولن تقاربه في صبح الوجه وإشراق الطلع ونور الابتسامة وجمال التناسب المنقطع النظير في الخلق، لأن نورك مستعار ونور النبي( فديته أنا وأبي أمي ) مودع في خلقه مزروع في جبلته، لكنه كفاك فخرا على أنه خصك في الجمال من بين سائر الخلق وأعضاء الكون.
*أيها القمر* ! بعد الاعتراف بمكانتك العظيمة في قلوب كل البشر وألسنة كل الدعاة وأقلام كل الكاتبين وأبيات كل الشعراء والعاشقين وحاجتهم إليك في وصف كل جمال معجب محمود وتعبير كل وجه متميز معشوق، أنت علامة الطاعة والخضوع، تسير على دربك المأمور لا تطغي ولا تضل ولاتحيد، لاتعرف العصيان ولا البغي و لاالإنكار، وتحمل بأسلوبك خير رسالة للإنسانية الطاغية في طوع الرب، واستدامة السجدة والخضوع، والتسبيح بحمد ربك والتحميد بالرغم من هدوءك منظرك ووحدتك في تفعيل مهامك وتطبيق أدوارك.
*أيها القمر* !أںت أعرف منا بتاريخ البشر لأنك شاهد عين، شهدت البشرية في طاعتها وعصيانها، شهدت رحمات الرب المنزلة على عباده المحسنين الشاكرين، وشاهدت طوفان نوح وزلزال قوم لوط، وعواصف نزلت بأقوام طغوا عن أمر ربهم وظلموا أنفسهم، أنت طلعت كبدر على سيدنا يوسف عليه السلام حين كان في البئر، وأرسلت أشعة نورك إلى غاري حراء و ثور، وأنرت الطريق للعاديات ليلا والموريات قدحا، تواصل مسيرها الجهادية في ضيائك لتؤثر النقع وتتوسط بأصحابها الأعداء صباحا، كتب الفقهاء في ضيائك وسافر المحدثون وسجد العابدون في لياليك البيض.
*أيها القمر* ! أنت مررت بالأقوام الماضية والأيام الخالية خاصة من خير القرون إلى وسطها ومن وسطها إلى أيامنا هذه، ولا أحسبك لاحظت ذلا وهوانا وخرابا ودمارا ودماءا ودموعا وأيتاما وأرامل وكثالى، وغصبا ونهبا، وخيانة وكذبا وعصيانا وتشتتا، وتثاقلا إلى الأرض وميلا إلى متاع الدنيا في الأمة المسلمة قبل ليلتك هذه، هدانا الله جميعا.
*أيها القمر* ! أنت مثال التفائل، نتفائل بطلوعك اليمن والبركة والأمن والإيمان والسلامة والإسلام، والخلاص من هذه الأوضاع السيئة، متفائلون بعودتك وأعيادك ومواسمك للحج ومواقيتك للصلوات والصيام، ونعتبرك استهلالة لأحلام نتمنى تحققها.
*أيها القمر* ! كرهت صنيع الكتاب معك، استعاروا جمال وجهك لجمال وجه أحبوه، وزينوا باسمك كلماتهم وأشعارهم، وسجعوا باسمك قوافيهم، وصرفوا أحاديثك في أحاديث أنفسهم وحسبوا أشعتك مجرد خيط خفيف يربطهم بمعاشيقهم بحجة أنك طالع في سماء الجميع، لكنهم تجاهلوا تاريخك ومكانتك في الكون، وسعادتك بالكثير.
*أيها القمر* ! أصبحت تميل إلى مغربك، ولن تقف هنيهة لحديثي لأنك تحب ربك أكثر من عباده ومسامرتهم، وليتنا أطعنا الرب مثلك أيها القمر وليتنا شكرنا الله بالطاعة مثل طاعتك على أن خلقنا في أحسن تقويم وهدانا إلى الصراط المستقيم. وربما مللت من عيون العاشقين الجامدة في هذا الوقت المتأخر من الليل، والمتعودة بالسهر.
*أيها القمر* : أنت جميل لكنني لن أصرح بجمالك لأن لي قمرا أخر طلع في سماء قلبي، وهيمن على أطرافه وأجواءه، يحسب نفسه فوق قمة كل جمال، ولن يتحمل جمالا يُقارَن بجمالها، ولو علمَت أن جمالا أخر سواها أعرفها لعابتك واغتابتك، _وجادلتني وقاطعتني وفارقتني، وعذبتني بفراقها الذي لا أطيقه.
*_مع السلامة أيها البدر الجميل*_ !
*_مع السلامة أيها البدر الجميل*_ !


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق