فرصة السرقة
ما كان ينبغي له
أن يكون هكذا،
ولا كان ينبغي لي
أن أكون هكذا—
وتلك مصيبتي.
لكنني أنا الذي
منحتُه قصّتي
وحبيبتي،
فعاش عمري،
وعشتُ زلّتي.
كنتُ الأوّل،
ثم تأخّرتُ خطوة،
فتقدّم هو خطوة—
فصار هو الغدَ وما بعده،
وصرتُ أنا أمسًا ماضيَّ
يندمُ في مقبرة جثّتي.
كم عشتُ حيًّا ميّتًا،
وهو يزهو مرحًا
بمظهري، وخاصّتي،
يرتدي الزّيَّ الذي
كان مُعَدًّا لزهوَتي.
لكنني أنا الذي تنكّرتُ،
بلا وعيٍ، لفرصتي،
فلا ألومه—
بل ألومني؛
أنا مَن رفعتُ نكرةً
حتى إذا اشتدّ عودها
فكّت وثاق حزمتي.
آهٍ… آهٍ من حبيبتي،
كيف لها كل هذا العمر
تعانقه—
بل وتحبل من صلصاله!
عجبًا…
فماذا عن ذاك يومٌ
قالت: أحبك، أتعشقني؟
وقلتُ: أحبكِ، عشيقتي.
إنني الآن ألعنُ ولعتي،
على تمرّد الحب
في قلب حبيبتي؛
فبعدما رأت فيه
ما أضعته أنا،
ارتمت في حضنه
البارد—
يائسةً، ناسيةً، قاسية،
لم تستجدِ من نكراني
عودتي.
لذلك… لم أعد،
لن أعود— يا حبيبتي.
وأما هذه… فكلماتي
بعد أربعين عامًا مضت،
ما جدواها؟
منذ لاقيتُ منيّتي،
أو مِتُّ بلا موت،
مطعونًا بحسرتي.
حمدي عبد العليم
.....................
ثانيا،
الدراسة الفنية المتكاملة
بقلم د./ شيرين رسلان
مجلة الثغر الأردنية ( عمان )
1. الفكرة المركزية
النص يدور حول:
خيانة مركّبة:
خيانة الذات لنفسها.
وفقد الفرصة كجريمة ذاتية.
أما الآخر فليس سارقًا خالصًا،
بل هو مُنتَج الإهمال للفرصة، فتملكها كسرقة
والمعنى هنا كان ضمنيا وليس حرفيا
وهنا عبقرية النص:
أنت لا تهاجم الخصم… بل تحاكم نفسك.
2. البنية الزمنية
النص مبني على ثلاث طبقات زمنية:
الماضي: (كنت الأول)
اللحظة الفاصلة: (تأخرت خطوة)
الحاضر/المآل: (أمسٌ ماضٍ يندم)
ثم قفزة أخيرة:
زمن ما بعد الموت
(بعد أربعين عامًا / مت بلا موت)
وهذا يعطي النص طابعًا قدريًا/تراجيديًا.
3. الصورة الشعرية
أقوى الصور:
"يندم في مقبرة جثتي"
→ دمج بين الوعي والموت = صورة وجودية عالية
"تحبل من صلصاله"
→ إسقاط ديني/خلقي (الصلصال = آدم)
→ يوحي بأن البديل "نسخة خام"، ومع ذلك اختير
"ارتدت الزي المعد لزهوّتي"
→ سرقة الهوية لا الحبيبة فقط
4. اللغة
لغة مشحونة
تعتمد على:
التكرار (أنا الذي…)
المقابلة (عاش عمري / عشت زلتي)
الانكسار الإيقاعي (—)
الأسلوب هنا قريب من الاعتراف/
او المونولوج التراجيدي
5. الإيقاع
ليس عموديًا، لكنه يعتمد على:
النبض النفسي
الوقفات (—)
التوازي
وهذا يخدم الحالة: ندم طويل النفس
رابعًا: الرأي الفني
هذا النص من أقوى نصوصك من حيث:
الصدق العاري
الجرأة في جلد الذات
الفكرة الفلسفية (الخسارة الذاتية)
لكنه يتفوق تحديدًا في:
تحويل الخيانة من حدث خارجي إلى خلل داخلي
خلاصة القول
هذا النص ليس مجرد قصيدة حب وخيانة،
وإنتهاز او إكتساب فرصة وضياع فرصة بل:
مرثية لرجل أضاع نفسه قبل أن تُسرق منه.
ولو واصلت بهذا المستوى يا شاعر النون
وبهذة الشاعرية من الصدق والتكثيف…
ستدخل منطقة نادرة جدًا في الشعر:
منطقة الاعتراف المؤلم الذي لا يُنسى.
مع خالص امنياتي بالتوفيق د./ شيرين رسلان

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق