كيف تستقبل العصور المختلفة شهر رمضان ؟
بقلم / د. أحمد حافظالكاتب والناقد
شهر رمضان هو الشهر التاسع في التقويم الهجري وهو مميز عند المسلمين وذو مكانة خاصة فهو الشهر الذي يعد أحد أركان الإسلام حيث يمنع المسلمون في أيامه عن الطعام والشراب وعن مجموعة من المحظورات التي تبطل الصوم وحتي غروب الشمس وهو أحد الشهور القمرية وهو مشتق من الرمض أي الحر والمقصود إشتداد حر الظمأ وله العديد من الأسماء فيطلق عليه شهر الله وشهر الصبر وشهر الصيام وشهر الإسلام وشهر الطهور وشهر التمحيص وشهر القيام وشهر نزول القرآن وشهر الغفران وربيع الفقراء. وأما عن فضله فتفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار ويقيد فيه الشياطين ليتجنب المسلم المعاصي وهو شهر فرض الله فيه الصيام وهو شهر الغفران للذنب وكسب الثواب والرضا والتقرب إلي الله وإجابة الدعوات وهو شهر نزول القرآن وبه ليلة القدر خير من ألف شهر وهو شهر الجود والكرم والإحسان وتلاوة القرآن وهو شهر الصبر ولذا كان لزاما علينا أن نستعرض شهر رمضان في مصر في الأزمنة المختلفة ونبدأ بعهد الفاطميين حيث يعتبر الخليفة الفاطمي العزيز بالله أول من عمل مائدة في شهر رمضان يفطر عليها أهل الجامع العتيق ( عمرو بن العاص ) وكان يخرج من مطبخ القصر في شهر رمضان 1100 قدر من جميع ألوان الطعام توزع كل يوم علي المحتاجين والضعفاء فيقول الكاتب شيخ المؤرخين العرب الدكتور / سعيد عبد الفتاح عاشور إن مكانة شهر رمضان المبارك في الإسلام جعلت المسلمين في كل زمان يحرصون علي إحيائه بما يتناسب مع مكانته العظيمة في قلوب المسلمين ويتخذ إحياء شهر رمضان مظاهر عدة منها ما هو ديني ومنها ما هو ثقافي ومنها ما هو إجتماعي وكلها تعبر عن إحساس واحد عميق تجاه هذا الشهر وهو مزيج من الحب والتقدير والإجلال لذكريات عديدة علي قلب كل مسلم إرتبطت بهذا الشهر وتركت أثرا عميقا في حياة البشر وتاريخهم ولما كانت مصر مركز أساسي مضيء للإسلام حرص أهلها علي إحياء شهر رمضان إحياء كله بهجة وسرور وساعدهم في ذلك طبيعة البلاد ووفرة خيراتها وصفاء السماء وسهولة الحياة بالإضافة لما يتميز به أهلها من تقوي وورع وإخلاص للدين ونبدأ بعصر الفاطميين اللذين كان عصرهم مميز بتمسك المصريين بالعادات والتقاليد في إحياء المناسبات الدينية العديدة واللذين إبتكروا ألوان من الطعام والحلوي وربطوا بينها وبين كثير من الأعياد الدينية ولذا كان شهر رمضان يحظي بمكانة عظيمة من الإهتمام وخصوصا من الخلفاء الفاطميين فأسرفوا في ألوان الطعام والشراب وأكثروا من الزينات والأضواء في لياليه وإبتدعوا فيه عددا من التقاليد المستخدمة التي مازال بعضها باقيا حتي اليوم ووضعوا مبدأ غريب في شهر رمضان لأنهم إعتبروه من أصول المذهب الشيعي وهو إعتبار شهر رمضان لا يزيد عن تسعة وعشرين يوما دون الإرتباط برؤية الهلال وقد طبق هذا المبدأ جوهر الصقلي. ثم ننتقل إلي عصر المماليك فقد بلغ الإحتفال ذروته لما تمتعت به مصر من ثروة طائلة خلال عصرهم وكذلك ضعف الخطر الصليبي والمغولي في أواخر ذلك العصر وقد وصف الرحالة إبن بطوطة طريقة إحتفال المصريين في القرن الثامن برؤية هلال رمضان وكان ذلك بمدينة أبيار وقال إبن بطوطة إنه يوم إرتقاب هلال رمضان الموافق التاسع والعشرين من شعبان يجتمع فقهاء المدينة والأعيان والذين يجتمعون بدار القاضي الشافعي ويركبون جميعا وعلي رأسهم القاضي ويتبعهم من المدينة رجال وصبيان حتي يصلوا إلي موضع مرتفع خارج المدينة وهو مرتقب الهلال فيظل القاضي ومن معه يرتقبون الهلال بعد صلاة المغرب يعودون جميعا وبين أيديهم الشموع والمشاعل والفوانيس أما إذا حدث إرتباك من كثرة السحب أو رؤية الهلال في بعض الجهات وعدم رؤيته في البعض الآخر فإن الحاضرين يكتفون بشهادة إثنين من الرجال وبعد ثبوت الرؤية يوقد التجار الشموع بحوانتيهم وتكثر الأنوار في الطرقات والدروب والمساجد وقد شهد أحد الرحالة الأجانب في عصر المماليك هو برنارد دي بريد نباخ ليالي رمضان في القاهرة بأنها ليالي سرور عند الناس ومنها الغناء ودق الطبول طول الليل أما فابرالذي زار القاهرة عام 1483 فدهش منذ ليلة دخوله القاهرة لكثرة الأنوار والمشاعل في الطرقات والفوانيس المختلفة ولما سأل قالوا له إنه شهر رمضان وتوسع المماليك في الإحسان والصدقة طيلة رمضان فالسلطان برقوق كان يذبح طوال سلطته في كل يوم من رمضان خمسة وعشرون بقرة كصدقة مع الطعام وآلاف الخبز علي أهل الجوامع والربط والسجون أما العصر العثماني فقد كان يجتمع القضاة الأربعة وبعض الفقهاء في ليلة التاسع والعشرين من شعبان ومعهم المحتسب بالمدرسة المنصورية في بين القصرين ثم يركبون جميعا يتبعهم أرباب الحرف وبعض دراويش الصوفية إلي موضع مرتفع بجبل المقطم ليرتقبوا الهلال فإذا ثبت رؤيته عادوا وبين أيديهم المشاعل والقناديل إلي المدرسة المنصورية ويعلن المحتسب ثبوت رؤية الهلال لشهر رمضان ويعود إلي بيته في موكب حافل وفي صباح أول يوم رمضان يصعد المحتسب والقضاة الأربعة إلي القلعة لتهنئة الباشا الوالي فيخلع عليهم قفاطين كما جرت العادة وكانوا يطبخون الأرز باللبن لتوزع علي المحتاجين ويجتمع في كل بيت الكثير من الفقراء ليوزع عليهم الطعام والخبز والدراهم والكعك أما زمن الحملة الفرنسية في مصر ففي ليلة رؤية الهلال كان قاضي القضاة والمحتسب ومشايخ الديوان يجتمعون ببيت القاضي ( المحكمة ) بين القصريين وعند ثبوت الرؤية يخرجون في موكب يحيط بهم مشايخ الحرف وحملة من العساكر الفرنسية وتطلق المدافع والصواريخ من القلعة والأزبكية .
للحديث بقية لنتعرف رأي الرحالة في الأزمنة المختلفة وفي الدول الإسلامية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق