الموضوع:
مقالة فكرية دعوية
ودرس ايضاحي
بقلم:
الشاعرة أ. د. عطاف الخوالدة
أستاذ اللغة العربية ودراسات في علوم القرآن الكريم
والحديث الشريف والتفسير
مقدمة
تُعدّ الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة من أنقى المناهج القرآنية وأسمى الأساليب الدعوية، لما تحمله من رحمة، ووعي، واحترام لعقول الناس وقلوبهم. فهي دعوة تهدف إلى الهداية لا الإدانة، وإلى الإصلاح لا الصدام.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى هذا المنهج في قوله تعالى:
{ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}
[النحل: 125]
وهي آية جامعة رسمت معالم الخطاب الدعوي القائم على الرحمة والبصيرة.
منهج قرآني ونبوي متكامل
لم يكن هذا التوجيه القرآني نظريًا، بل جسّده النبي محمد ﷺ قولًا وفعلاً، إذ قال:
«إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلا شانَه»
(رواه مسلم)
وقال ﷺ أيضًا:
«يَسِّروا ولا تُعسِّروا، وبشِّروا ولا تُنَفِّروا»
(متفق عليه)
وهذه الأحاديث تؤكد أن الرفق، والتيسير، والبشارة هي أصول أصيلة في الدعوة إلى الله.
الدعوة بالحكمة… دعوة إلى القلوب قبل العقول
الحكمة في الدعوة تعني وضع الخطاب في موضعه الصحيح، ومراعاة حال المخاطَب، ومستواه العلمي والنفسي. وقد عرّفها الإمام ابن القيم رحمه الله بقوله:
«الحكمة فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي».
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:
«ما ناظرتُ أحدًا إلا وتمنّيتُ أن يُظهِرَ الله الحقَّ على لسانه».
وهو منهج يرسّخ أن المقصود من الدعوة هو الوصول إلى الحق، لا الانتصار للنفس.
الموعظة الحسنة وأثرها في النفوس
الموعظة الحسنة هي الكلمة الطيبة التي تلامس القلب، وتوقظ الضمير، دون قسوة أو تجريح. وقد قال النبي ﷺ:
«ما كانَ الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانَه»
(رواه مسلم)
وقال الحسن البصري رحمه الله:
«الداعية الحكيم هو الذي يدعو الناس إلى الله بأفعاله قبل أقواله».
فالكلمة إذا خرجت من قلب صادق، وقُدِّمت بلين، كان لها أعظم الأثر في النفوس.
مرتكزات الدعوة بالحكمة والموعظة
ترتكز الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة على أسس واضحة، من أهمها:
الحكمة في الخطاب:
اختيار الأسلوب المناسب، والزمان والمكان المناسبين، ومعرفة حال المدعو.
الموعظة الحسنة:
نصيحة رقيقة بعيدة عن الفظاظة، قائمة على الترغيب والترهيب دون تشدد.
القدوة العملية:
وقد قال الله تعالى:
{لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ}
[الصف: 2]
التدرج والرفق:
قال الإمام أحمد رحمه الله:
«الناس محتاجون إلى مداراة ورفق، لا إلى تعنيف وتغليظ».
إجراءات عملية في الخطاب الدعوي
أشارت الدراسات الدعوية، ومنها ما ورد في سلسلة زاد الأئمة والخطباء، إلى جملة من الإجراءات العملية، أبرزها:
اختيار الوقت المناسب للدعوة.
استخدام الكلمة اللطيفة والعبارة الموزونة.
مراعاة الحالة النفسية والفكرية للمخاطَب.
تقديم الخطاب بروح الرحمة لا بروح الوصاية.
الدعوة في ميزان الشعر..تقول أ د عطاف الخوالدة
《 الدعوةُ بالحِكمةِ والموعظةِ الحَسَنَة 》
ادعُ الإلهَ بحِكمةٍ وبِمَرحَبِ
فالحقُّ يُؤتَى بالهُدى لا بالغَضَبِ
ولْيكنْ خطابُكَ رحمةً متدفِّقًا
فالنورُ يسري في القلوبِ بلا تَعَبِ
خاطِبْ عقولَ الناسِ لينًا صادقًا
فاللطفُ مفتاحُ القلوبِ إلى الطَّلَبِ
لا تُقصِ مَن زلَّتْ خُطاهُ فإنما
بابُ الإلهِ دومًا مُشرَّعٌ للتائِبِ
واهجُرْ أذى التَّشديدِ إنَّ رسالةً
سَمَتِ المكارمِ لا تُبنى بالعَطَبِ
كن قدوةً، فالفعلُ أصدقُ شاهدٍ
من ألفِ قولٍ جافلٍ بالخُطَبِ
هذي الدعوةُ البيضاءُ تمشي هادئًا
وتفيضُ حبًّا، لا صراعَ ولا حَرَبِ
خاتمة
إن الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ليست خيارًا ثانويًا، بل هي المنهج الأقوم الذي اختاره الله لعباده، وسار عليه نبيّه ﷺ، وأكّدته أقوال العلماء الربانيين. وهي الطريق الأقرب إلى القلوب، والأبقى أثرًا في النفوس.
المصادر
القرآن الكريم
صحيح البخاري ومسلم
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
سلسلة زاد الأئمة والخطباء
كتب ابن القيم، والإمام الشافعي، والحسن البصري
مع خالص التحيات
الشاعرة: أ. د. عطاف الخوالدة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق