نفحات من نور النبوة ﷺ
الجزء الرابع: هشاشة اليقين
— مدخل الراوي —
حين تظن أنك وصلتَ،
يكشف لك الطريق أنك كنت تقف عند العتبة فقط، لا أكثر.
حين تظن أن اليقين استقر في صدرك،
تهبّ ريح خفيفة — لا عاصفة — فتكتشف أن جذورك لم تمتد كما كنت تتخيل.
ليس اليقين صخرة تُمسك بها مرة واحدة وتنتهي،
بل هو شجرة تحتاج سقيًا يوميًّا،
وتحتاج عاصفة أيضًا…
لأن الجذور التي لا تهتز، لا تنغرس عميقًا في الأرض.
ويهمس الراوي بصوت يشبه الاعتراف:
الهشاشة ليست غياب الإيمان…
بل هي المساحة التي يُختبر فيها الإيمان الحقيقي،
المكان الذي يُصقل فيه القلب قبل أن يلمع.
الفصل الأول: حين يتصدّع ما ظننته ثابتًا
كنت أظن أنني تجاوزت الارتباك،
أن الأسئلة التي أربكتني في الجزء الماضي قد هدأت،
أن شيئًا صلبًا بدأ يتشكل في داخلي.
لكن جاء صباح عاديّ — بلا إنذار —
كلمة عابرة،
نظرة في المرآة لم أعرف صاحبها،
تفصيلة صغيرة لا تستحق الضجيج…
وفجأة شعرت أن البناء الذي شيدته من الإجابات
كان قائمًا على رغبة في الطمأنينة
أكثر من كونه قائمًا على يقين حقيقي.
وسألت نفسي بخوف لم أعرفه من قبل:
— هل كنت أؤمن؟
— أم كنت أؤمن أنني أؤمن؟
هناك فرق خفيّ بين الاثنين،
لا يُرى إلا حين يهتز القلب…
حين يتهشّم ما ظننت أنه صلب.
الفصل الثاني: طبقات الهشاشة
في تلك الليلة، أدركت أن الهشاشة ليست درجة واحدة،
بل طبقات متتالية تكشف عن أعماق الذات.
هشاشة المعرفة:
أن تعرف الحقيقة بعقلك،
لكن قلبك لم يوقّع بعد على ما عرفه العقل.
أن يكون الفهم واضحًا،
لكن التجربة لم تكتمل بعد.
هشاشة العزيمة:
أن تعزم على الطريق،
ثم تجد أن قرارك لم يُختبر بعد.
العزيمة التي لم تُختبر تشبه جسرًا لم يعبره أحد بعد.
هشاشة الثبات:
وهي الأعمق.
أن تظن أنك ثابت لأن شيئًا لم يهزك بعد،
ثم يأتي اختبار صغير — لا عاصفة —
ويكشف أن ثباتك كان هدوءًا مؤقتًا، لا جذورًا راسخة.
والاختبار جاء.
وكشف ما كان مخفيًا عن نفسك،
وما كنت لتعرفه لو لم تهتز الأرض تحت قدميك.
الفصل الثالث: درس السقوط الهادئ
لم يكن سقوطًا في معصية،
ولا خيانة لطريق.
كان سقوطًا في دوامة السؤال من جديد،
عودة إلى الحافة التي ظننت أنني تجاوزتها.
جلست في صمت طويل.
لم أجادل،
لم أبحث عن إجابات سريعة،
لم أهرب إلى كلمات محفوظة.
فقط جلست.
وفي ذلك الصمت، بدأ يتكشف شيء ببطء:
السقوط لا يكشف ضعفك فقط،
بل يكشف الأرض التي كنت تقف عليها حقًا،
لا الأرض التي تصورتها.
هناك فرق بين أرض بنيتها على الفهم،
وأرض بنيتها على مواجهة نفسك.
ويهمس الراوي:
لا تعرف متانة الجسر إلا حين يمرّ عليه الثقيل،
ولا تعرف متانة قلبك إلا حين يهتز بما لا تختار.
الفصل الرابع: هشاشة البداية في سيرة النور
ثم تذكرت شيئًا كنت قرأته،
لم أفهمه إلا الآن:
حين نزل الوحي أول مرة على محمد ﷺ،
لم يكن يقينًا صافيًا كما نتخيله.
كان ارتجافًا،
بردًا، وخوفًا،
وقولًا صادقًا:
«زمّلوني، زمّلوني».
الهشاشة كانت حاضرة.
الإنسانية كانت حاضرة.
ولم تُلغَ الهشاشة بكلمة،
بل احتُضنت.
طمأنت خديجة رضي الله عنها ﷺ،
لا بنفي ما شعر به،
بل بتذكيره بطريقه،
بقيمه، وبما يعرفه الله فيه.
واليقين الذي غيّر وجه التاريخ
لم يولد في لحظة خالية من الارتجاف،
بل وُلد في قلب ارتجف… ثم ثبت.
وأدركت أن الهشاشة لا تعني ابتعادك عن الطريق،
بل أحيانًا تعني أنك تقترب من جوهره.
الفصل الخامس: الاختيار الحقيقي
في الجزء السابق، تعلمت أن المعرفة لا تكفي.
وهنا تعلمت أن القرار قبل الاختبار لا يُعتد به.
الاختيار الحقيقي هو أن تختار حين تهتز الأرض تحت قدميك،
حين تتسع الشكوك أمامك،
ويصبح الاستسلام أسهل من المضي.
أن تقول:
— أنا لا أملك يقينًا كاملًا الآن،
— لكنني أختار أن أمضي.
ذلك القرار الصغير، الهادئ،
الذي لا يراه أحد…
أقوى من كل الكلمات الكبيرة التي قلتها في لحظات الحماس.
الفصل السادس: حين يعود النور بهدوء
وما إن اخترت،
حتى لم يأتِ يقين صاخب،
ولا انكشاف مفاجئ.
بل جاء هدوء يشبه الأرض بعد المطر،
حين تُغسل السطوح وتبقى الجذور تمتص ما نزل عليها.
وعاد اسم يتردد داخلي،
لا كفكرة، بل كحضور حيّ:
محمد ﷺ.
لم يكن ﷺ رجلًا لم يعرف الهشاشة،
بل كان رجلًا عرفها،
ثم اختار أن ينهض كل مرة.
في الطائف اختار الدعاء،
وفي أُحد اختار الثبات،
وفي ليالي الوحي الطويلة اختار المضي.
وكل مرة اختار، كانت الأرض تتماسك تحت قدميه من جديد.
— خاتمة الراوي —
الهشاشة ليست نقيض القوة،
بل معبرها.
الروح التي تهتز ثم تختار،
أقوى من روح لم تُختبر قط.
وكل تصدّع في اليقين
ليس دعوة للهرب،
بل دعوة لبناء يقين أعمق،
لا يقوم على السطح الهادئ،
بل على جذور تعرف كيف تصمد في العواصف.
وهكذا أدركت أن الطريق
لم يبدأ حين هدأت الأسئلة،
بل بدأ حين قررت — رغم كل شيء — أن أسير.
فادي عايد حروب — فلسطين
جميع الحقوق محفوظة
● يتبع في الجزء الخامس: اللقاء الأول مع النور
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق