صَخَبُ الغِنَاءِ وَمَذْبَحُ المَعْنَى
ألا فاسمعوا صوتي فإنّي مُحَذِّرُ
أُنادي قَوْمي والخَطْبُ أَكْبَرُ
قُتِلْتِ كَلِماتُ الفَنِّ صَرْعَى عَلانِيَةً
وصُلِّبَتِ الكَلِمَةُ فَوْقَ المَنابِرِ
وصارَ الغِناءُ اليَومَ سُوقًا لِتاجِرٍ
يُديرُ هَوَى النَّزَواتِ بَيْنَ المَحاجِرِ
يَبِيعُونَ لَحْنًا في قَوَارِيرَ زُخْرُفٍ
وكَلِمَةً فارِغَةً خالِيَةَ الجَواهِرِ
فأضحَتْ جَفَافًا لا تُغَذِّي وِجْدانَنا
ولا تُنبِتُ الأَحْلامَ في صَدْرِ حائِرِ
وذاكَ الذي كانَ الغِذاءَ لِمُهْجَةٍ
غَدَا فَرِيسَةً في أَنْيابِ العابِثِ الماكِرِ
تُجَرَّدُ مِنْ قِيمَتِها كالشّاةِ تُذْبَحُ
وتُلْقَى على مَوْعِدِ الضَّحِكِ السّاخِرِ
أيُّ زَمَنٍ هذا الذي يَعْلُو به
غِناءٌ رَخيصٌ فَوْقَ مَجْدِ الشَّواعِرِ؟
تَجاوَزَ قَيْسًا في بَيانِ قَصيدِهِ
وفاقَ بِلا مَعْنًى مَدائِحَ شاعِرِ
وأيُّ أُمَّةٍ تِلْكَ التي تَبْني لَهَا
مَسارِحَ لِلْفَراغِ بِلا مُفاخِرِ؟
وتَهْدِمُ مِنْبَرَ الكَلامِ وتَرْفَعُ
لَغْوًا سَقيمًا يَستَبِيحُ الضَّمائِرِ
تُسَبِّحُ بِاسْمِ الأُغْنِياتِ كَأَنَّها
طُفولَةُ أَطْفالٍ بِحُلْوَى الغَرائِرِ
لَقَدْ تَحالَفَتِ الأَسْواقُ مَعْ سَفَهٍ
فعاثَ ودَاسَ الجَمالَ الأدَبُ الزَّاهِرِ
وقَهْقَرَتِ البَلاغَةُ أَمامَ صُراخِهِمْ
وذابتْ ذَوائِقُ العُقولِ النَّواظِرِ
فصارَ العَقْلُ يُصَفِّقُ لِلْجِيفَةِ
ويَحْسَبُها فَتحًا على كُلِّ شاعِرِ
ويَتَعَلَّقُ بِلَحْنٍ أَعْمَى يَقودُهُ
إلى الظُّلُماتِ في دُروبِ الخَواسِرِ
هَكَذا تُذْبَحُ الأَجْيالُ دونَ نِصالٍ
ويُسْلَبُ وَطَنٌ دونَ جَيْشٍ مُحاصِرِ
فإنَّ الاحْتِلالَ الحَقَّ هُوَ احْتِلالُ
ذائِقَةِ الشُّعوبِ وعَقْلِ المُفاخِرِ
ومَنْ يَمْلِكُ الأُغْنِيَةَ اسْتَبَاحَ عاطِفَةً
ومَنْ يَمْلِكُ العاطِفَةَ مَلَكَ المَصائِرِ
فإنْ فَسَدَ اللَّحْنُ فَسَدَتْ رُوحُ أُمَّةٍ
وإنْ ضاعَتِ الكَلِمَةُ ضاعَتْ مَفاخِرِي
فَيا قَوْمُ لا تُصَفِّقوا لِلْعارِ باسمِ
فَنٍّ زائِفٍ يُذِلُّ عِزَّةَ الضَّمائِرِ
ولا تَرْفَعُوا الفَراغَ لِلْمَجْدِ واحْذَروا
جُموعًا تُبايِعُ السَّيْفَ في غَيْرِ ناصِرِ
فإنَّ الجُمُوعَ قَدْ تُهَلِّلُ لِلْجَلّادِ
وهِيَ المَقْتُولَةُ بِحَدِّ السَّيْفِ القاهِرِ
وإنَّ الغِناءَ إذا تَجَرَّدَ مِنْ هُدًى
يَصيرُ كَسَيْفٍ في يَدَيْ كُلِّ غادِرِ
فَصُونوا الكَلِماتِ فَهْيَ حِصْنُ هُوِيَّةٍ
وإنْ ضاعَ حِصْنُ القَوْمِ ضاعَتْ مَآثِرِي
بقلم: فادي عايد حروب (الطيارة) — فلسطين
جميع الحقوق محفوظة
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق