السبت، 15 نوفمبر 2025

مجلة وجدانيات الأدبية الشاعر (( صخر محمد حسين العزة عمان – الأردن))(( و فأر التنور و انبلج النور ))

 وفــار الــتــنــور وانــبــلــج الــنــور

بقلم : صخر محمد حسين العزة

من غياهب الظلام يبزغ النور وينبلج الفجر ، ففي السابع من تشرين أول عام ٢٠٢٣م كانت فلسطين على موعدٍ  تم الإعداد له بأناة وصبرٍ وثبات على أيدي ثلة من فتية أكناف بيت المقدس الذين بشَّر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إنهم أبناء الطائفة المنصورة - الصحابة الجُدد الذين عاهدوا الله على إحدى الحُسنيين ( إنَّه لجهاد نصرٌ أو استشهاد ) ، هؤلاء هم المجاهدون من حفظة كتاب الله أبناء الق سام وسرا يا القدس ، وبقية أبطال فصائل المقا ومة ، الذين انطلقوا براً وبحراً وجواً بعد أن فار التنور إيذاناً ببدء عملية طو فان الأقصى ، فكما فار التنور بأمر الله لسيدنا نوح إيذاناً ببدء الطوفان ليجمع ثلة المؤمنين من أهله ويحملهم على ظهر السفينة التي أعدها بصبرٍ وأناه مُنتظراً أمر الله لساعة الصفر ليبدأ الطوفان ليأخذ معه المؤمنين من أهله ، ويجمع من الكائنات الحية  من كل زوجين إثنين ، ليُهلك الله الكفار ومن لم يؤمنوا بدعوته، ولترسو السفينةبعد ذلك على جبل الجودي، ولتبدأ حياة بشرية جديدة ، قال تعالى في سورة هود - الآيات [40-41]: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ(40)وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ(41)}

وكما جاء أمر الله إلى سيدنا نوحٍ عليه السلام ببدء الطوفان ، كان في حاضرنا طوفان آخر جاء بتوفيقٍ إلهي إلى الثُلة المؤمنة ببدء طو فان الأقصى في السابع من تشرين أول عم ٢٠٢٣م  لينطلق مجاهدوا القس ام وسرا يا القدس وبقية الفصائل إلى أراضيهم المحتلة في غلاف غزة ، وليقتحموا معاقل الصه اينة ، ويفضوا شباك  أسطورة جيشهم الذي لا يُقهر، ومنظومته الأمنية التي كانوا يتفاخرون بها وأنها عصية على أي أحد ولا يستطيعون اختراقها فكانت أوهى من بيت العنكبوت ، وحلقت طيور الأبابيل آلاف الصواريخ  مسبحة لله وهي تدك تل أبيب وحيفا ويافا ومدن فلسطين المحتلة ، وكان قد أطلق شرارة بدء الطوفان القائد المجاهد الشهيد محمد الض يف ( أبو خالد) معلناً ذلك بقوله: ( في ظل هذه الجرائم المتواصلة بحق أهلنا وشعبنا ، وفي ظل عربدة الإحتلال وتنكره للقوانين والقرارات الدولية ، وفي ظل الدعم الأمريكي والغربي ، والصمت الدولي فقد قررنا أن نضع حداً لكل ذلك بعون الله ليفهم العدو بأنه قد انتهى الوقت الذي يعربد فيه دون محاسب، فإننا نُعلن بدء عملية طو فان الأقصى )

في الذكرى الثانية لعملية طوف ان الأقصى التي استمرت عامين كاملين ويزيد ، فقد سطَّرَ فيها أبطال المقا ومة أروع صور البطولات العظيمة ، والإعجاز من عمليات نوعية من مسافة صفر يحمل المجاهد فيها روحه على كفه ، ماضياً إلى هدفه قُدُماً مكشوفاً براً وبحراً وجواً ، لا يأبه لطائرات مُسيرة ، أو كاميرات مراقبة إلكترونية على دبابات العدو ، فلا يوقفه كل ذلك ليصل إلى هدفه محفوظاً برعاية الله فيفجر دبابة ، أو بناية يتحصن فيها جند العدو ، مطبقاً بذلك قول شاعرنا الشهيد عبدالرحيم محمود شهيد ثورة عام ١٩٣٦م 

                          سأحمل روحي على راحتي                      وألقي بها في مهاوي الردى   

                         فإمّا حياة تسرّ الصديق                            وإمّا مماتٌ يغيظ العدى

                         ونفسُ الشريف لها غايتان                       ورود المنايا ونيلُ المنى

عامان مضيا على الطوفان وفيه سطَّرَ أبناء قطاع غزة أعلى معاني الصبر والثبات ، وقدموا الغالي والنفيس وبذلوا أموالهم وأرواحهم  ، ولم يتركوا أرضهم ، ومكثوا ثابتين راسخين كأشجار زيتون وتين فلسطين جذورها ضاربةً في أعماق الأرض وأغصانها مرتفعة إلى عنان السماء

عامان مضيا على طو فان الأقصى هبت فيها أفواج شعوب العالم الغربي نُصرةً لفلسطين وغزة مُنددين بحملات الإبادة والتجويع والمجازر التي تُرتكب بحق شعب فلسطين العظيم

عامان مضيا انكشفت فيها أكاذيب الصه اينة التي روجوا لها منذ ما ينوف على مائة عام وبدعمٍ من قوى الشر الغربية وعلى رأسهم أمريكا وبريطانيا أُساس البلاء ،فجاء الطوفان ليُعري ويكشف كل هذا الزيف وهذا الباطل وكأن طو فان الأقصى كطوفان نوحٍ عليه السلام بدأ بعد الطوفان ببشرية جديدة بعد أن تخلص ممن حارب دعوة سيدنا نوح، وها نحن الآن نعيش بأفول الصه يونية وأعوانها بعد انكشاف باطلهم وكذبهم ، لنرى عالماً جديداً إنقشع عن عيونه ظلام الباطل وتزييف الحقائق 

عامان مضيا على طو فان الأقصى كشف هوان وتواطؤ إخوة الدم ووقوفهم مع الصها ينة بدل أن يكونوا السند والعون لإخوتهم الذين يدافعون عن شرف أمةٍ بأكملها

عامان كاملان لم يتمكن فيها الكيان المزعوم وما يسمى إسرائيل من إخضاع كتائب القس ام وباقي فصائل المقاومة التي معها والتي أقصى سلاحٍ لديها هو قاذف الياسين 105 ، والعبوات الناسفة كعبوة شواظ والعمل الفدائي والعبوة التلفزيونية بمواجهة دبابات وروبوتات متفجرة وطائرات حربية ، ولكن الفارق بين هؤلاء والسلاح الأقوى هو إيمان هؤلاء المجاهدين الذين يحملونه في صدورهم متوكلين على الله ضد آلة القتل الصهيو نية الهمجية 

إن عملية طو فان الأقصى كان لها الأثر الكبير على المستوى الفلسطيني والعربي والعالمي غيرت العالم كله وغيرت نظرته لفلسطين وشعبها ، وأستعرض هذه الآثار على شكل نقاط:

أولاً : نقلت المعركة إلى داخل الوطن المُحتل بدخولها إلى غلاف غزة المحتل وتفكيك فرقة غزة وتفكيك منظومته الأمنية وقصف مدن فلسطين المحتلة وعلى رأسها تل أبيب ويافا وحيفا ، وأثبتت للعالم أن هذا الجيش الذي هزم خمسة دول عربية في حروبه السابقة ما هو إلا جيش من ورق وأسطورته هي شيء من الخيال كأسطورة الغول الذي كنا نُخوِّف به أطفالنا 

ثانياً : أعاد طو فان الأقصى القضية الفلسطينية إلى الصدارة عالمياً بعد أن أوشكت على الزوال بعد مسيرة التطبيع المُخزية مع الدول العربية

ثالثاً : إن طو فان الأقصى وضع مأساة فلسطين وشعبها الذي يُعاني منذ ما يزيد عن مائة سنة أمام ضمير العالم الذي كان لا يُبالي بهذه المأساة التي خلقها الإستعمار البريطاني بإنشائه الكيان الصهي وني ومنح أرضِ لا يملكها لمن لا يستحقونها من شُذاذ الآفاق بعد أن استقطبهم من جميع أنحاء العالم  وطرد شعبها الأصيل منها وشردهم إلى المنافي ، ولهذا فطو فان الأقصى أيقظ العالم من غفوته وكان الثمن هذه الأرواح التي صعدت إلى بارئها من أجل إيقاظ البشرية وتحذيرها من الخطر العظيم الذي يهدد العالم جميعاً وليس فقط الدول العربية والإسلامية ، ولهذا كانت الصحوة العالمية بعد أن انكشف وجه الص هيونية القبيح وتعرت كل مزاعمه وأكاذيبه ، وقد كان يتغطى أمام المجتمع الدولي بقناعٍ حضاري يُخفي تحته كمية الشر والحقد على الإنسانية  ،فبط وفان الأقصى أدركت شعوب العالم كيف أن الصهي ونية مُسيطرة على أنظمتهم من خلال الدولة العميقة ، وقد كانت تتحكم بهم وبقراراتهم السياسية والإقتصادية ، ولهذا تضامنت شعوب العالم مع مأساة غزة وفلسطين وأصبحت القضية الفلسطينية هي قضية العالم وفي الصدارة ، وطالبت هذه الشعوب الحرة المؤسسات الدولية القانونية بمحاكمة مجرمي هذا الكيان اللقيط 

رابعاً : خلق طو فان الأقصى وعياً فكرياً لدى الشعوب بمقاطعة الإحت لال والجهات الداعمة له إقتصادياً وسياسياً ، وكان ذلك بحملات شعبية بمقاطعة كل المنتجات الداعمة للإحتلال في حربه ضد غزة كمقاطعة ستاربكس وكارفور ومشروبات البيبسي كولا والكوكاكولا ، وغيرها من منتجات كثيرةٍ أخرى 

خامساً : دفع طو فان الأقصى دولاً كثيرة للإعتراف بدولة فلسطين وبعض منها ممن كانت من أكثر الدول مناصرةً لهذا الكيان 

سادساً : عمل طو فان الأقصى على وقف مسيرة التطبيع مع الدول العربية التي كان الهدف منها تذويب القضية الفلسطينية وشطبها ، وعرى وكشف حقيقة المتواطئين والمتخاذلين من أخوة الدم والعروبة والإسلام 

سابعاً : التضامن الدولي العالمي للشعوب ضد حملات الإبادة والتجويع التي إرتكبها العدو الصهي وني ضد أبناء قطاع غزة ، وكان أكثر حراكاً واسعاً هو في الجامعات في كل أنحاء العالم 

ثامناً : إصدار محكمة العدل الدولية والجنائية تدابير لمنع أعمال الإبادة الهمجية ضد الشعب الفلسطيني ، ومحاكمة نتني اهو ووزير دفاعه يوآف جالانت ، وبعض قادة جيشهم بتهمة إرتكاب جرائم حرب ضد الإنسانية 

تاسعاً : كان من نتائج الطوفان إطلاق سراح آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين كانوا يتعرضون لعمليات قتل ممنهجة في السجون الصهي ونية ، وأحبط الطوفان ما كان ينوي فيه الإحتلال تنفيذ مخططه بهدم المسجد الأقصى بإحضارهم البقرات الحمر من ولاية تكساس في أيلول من عام 2022م من أجل ذبحها وحرقها بشعائر خاصة ، واستخدام رمادها في عملية تطهير الشعب اليهو دي حسب معتقداتهم ، ليُصبح بإمكان اليه ود من كافة أنحاء العالم بالصعود إلى "بيت الرب" والمقصود المسجد الأقصى  

عاشراً : إن طو فان الأقصى أوقف المشروع الصهي وني بإقامة دولتهم من الفرات إلى النيل ويستهدفوا فيه ضم أراض ودولٍ عربية بأكملها ، وقد زادوا بالترويج لذلك ببجاحة قبل أن تحدث عملية طو فان الأقصى في المحافل الدولية علناً

وخلاصة القول نستنتج من طو فان الأقصى أن ما حدث في غزة من قتلٍ ودمارٍ وتجويع هو ثمن باهظ وكلفة غالية يدفعها الشعب الفلسطيني من أجل كرامته وكرامة أرضه وحرية وطنه وتحقيق إستقلاله ، وأن كُلفة تحرير أي وطن هي واقع حقيقي لأي شعب يطلب التحرير وطرد الغاصب من أرضه ، ولو لم يكن ذلك لما تحررت الجزائر أو ليبيا أو فيتنام ، وغيرها من الأمم على مرِّ التاريخ  من الهمجية الإستعمارية ، ومن أجل نيل حريتهم وإعلان إستقلال أوطانهم وبناء دولهم قدموا ملايين الشهداء 

إن طو فان الأقصى كان هو الحل الوحيد لإيقاظ العالم على حقيقة شعبٍ سُرقت أرضه وشُرِّد أبناؤه منذ سبعة وسبعين عاماً ، وبات يُقتل وتُنتهك حرماته كل يوم ، وأثبت الطوفان أن الصراع الفلسطيني مع هذا الكيان هو صراع وجودي ولا يتعلق بصراع حدود أو صراعٍ يتعلق بدين أو سياسة ، بل كان يهدف إلى مسح الهوية الفلسطينية وتحويل الشعب الفلسطيني إلى شعب هندي أحمر جديد على يد عصابات خارجة عن القانون أتوا من كافة أسقاع الأرض بمعاونة دول الإستعمار ، وأنشؤوا لهم كياناً أسموه إسرا ئيل ، وجمعوا هذه العصابات وكونوا جيشاً من القتلة يسفك الدماء دون رادع ديني أو أخلاقي  ، وقد سعوا بذلك أخيراً في مشاريع التطبيع مع الدولة العربية فأتى الطوفان ليوقفها

وختاماً نقول لقادة أمتنا وشعوبها أن طو فان الأقصى كان قراراً فلسطينياً خالصاً بعد أن رأى مسيرة التطبيع وتهميش القضية الفلسطينية ، فكان الطوفان بمقاومته الباسلة هو ليس دفاعاً عن فلسطين فحسب بل دفاعاً عن شرف الأمة بأكملها ، والمقاومة تمثل ضمير الأمة ووجدانها ، فمتى الصحوة أيتها الأمة أمام عنجهية هذا الكيان وأعوانه ، الذين لا يضعون لكم ميزان بين شعوب دول العالم ، وأنتم ترتضون بهذا الهوان ، فكونوا مع مقاومتكم داعمين لها ، فلا عزة ولا كرامة لكم إلا بالمقاومة ، ولا يفهم هذا العدو إلا لغة السلاح ، ولن يرضى عنكم هذا العدو وحلفاؤه مهم قدمتم لها من تنازلات ، وصدق الله العظيم فيهم في كتابه الكريم ، إذ قال تعالى في سورة البقرة – الآية 120 : {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}


المصادر :

1 – جريدة القدس العربي

2 – موقع عربي 21

3 – موقع  تُرك برس

4- صحيفة المنار 

صخر محمد حسين العزة 

عمان – الأردن

15/11/2025

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق